في بلد عربي، بينما كنت أتهادى في مشيتي، كما لو أنني سائح من بلد أجنبي، سمعت صوتاً من وراء ظهري ينادي باسمي، فالتفتُّ، نحو مصدر الصوت، ورأيت على بعد مائتي متر شاباً، بدا لي غريباً عني. تلكأت بادئ الأمر في أن أظهر ردَّة فعلي، فأنا أسير في بلد لا أملك فيه إقامة، ولا أعرف الشخص الذي ينادي عليَّ بالرغم من أنه لا يشكل تهديداً من أي نوع للوهلة الأولى.
كانت قد أضحت حياتي في ذلك الوقت أكثر تقييداً من قبل، فالحرب أتت على مسقط رأسي (بالولادة)، وصار انتقالي إلى البلد المجاور حُجَّة لي لأكتشف ذلك السؤال الوجودي حول أحقّية أن تكون مستبعداً من أهلية القطيع الذي قد تنام وتستيقظ عليه. بعض الرجال، مثلي، مصابون بالركود والتحجّر، وهذا شبيه بخوف بدائي غرائزي مرتبط بمسألة الاقتلاع والإقصاء والاستبعاد التي يعيشها اللاجئ في حلّه وترحاله (الأبدي)، لهذا تبدو ردَّة فعلي مفهومة، لي أنا على الأقل، فلماذا يجب عليَّ أن أتفاعل مع المنادي، وأنا لا أعرفه، فقد بدا لي مجهولاً، ولم يخطر ببالي إنه قد يكون من معارفي، فلسنا في عمرين متقاربين، ومن وجهة نظري كمحايد الآن بعد مرور أكثر من عقد على تذكّر هذه الحادثة، أن سلوكي كان يحمل في طيَّاته آلية حماية في واقع لديه صور نمطية عن حضور الآخر، وبالتالي تبدو محاولتي في تجاهل المنادي أقرب إلى ردّ فعل طبيعي. لكن الشخص المنادي اقترب مني، وحيّاني ضاحكاً. قلت له متأسفاً أنني لم أتعرَّف عليه، فقال لي أنا أحمد، النادل الذي كان يحضر لك قهوتك في المقهى (الفلاني) . تفاجأت من مظهره وقصَّة شعره ولكنته. تفاجأت من كل ذلك، وشعرت أنني أمرُّ حينها في تجربة سيئة، قد تكلفني هدم روح، وإقصاء إنسان. كيف يمكن للمرء أن يحتمل كل هذا العذاب من أجل أن يتثبَّت من هوية جديدة له تعينه على إكمال حياته. قال لي عندما أحسَّ بغرابة الموقف، إذ لم أتعرَّف إليه، بأنه إن لم يفعل ذلك. إن لم يُغيّر جلده، فلن يحصل على عمل في بلد لا يمنحه حق الإقامة أكثر من أسبوغ. أضاف:-امتحان اللكنة هو الأصعب بالنسبة إليَّ، فإن لم أنطق بها مع (الزبائن)، فلن يقبلوا بي بينهم.
بعد ذلك يفترض بأحمد أن يعيش على المصادفات، فقد يُلقى القبض عليه بعد شهر، وقد يستمر بالعيش بهذه الطريقة فترات أطول، وعندما تحين لحظة الحساب، عليه أن يدفع مبلغاً بالعملة الصعبة مقابل تسوية وضع. تسوية ماذا؟ تسوية مالايُسوَّى أبداً في بلد الشرق العجيب!
