لن ينسى المشاهد وجه ذلك الصبي الصغير المسجون في غرفة حارة ضيّقة وقذرة تعود لمصنع ألبسة تابع ل”شركة محترمة” لا يدخلها الهواء إلا لماماً، وهو ينحني فوق آلة الخياطة شارداً ومتأمّلاً بأحوال الدنيا القاسية وقد غدت أكبر من عمره بكثير.
الصبي المقصود لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، وعندما رأى المصور يلج الغرفة ابتسم له وهمس بشيء غير مفهوم البتة بصوت ضعيف منهك، وانحنى مرة أخرى على الآلة، وأخذ يعمل برتابة يبدو أنه قد اعتاد عليها رغم حداثة سنه. يقول مراسل الBBC وهو يحدق في الكاميرا: كدت أصرخ من ألمه غير المرئي الذي تنطق به عيناه. لقد شعرت بالخزي والعار، وأنا أستمع إلى أحاديث هؤلاء المعلقين العابرة عن استرقاق واستعباد الأطفال في تركيا، بل استبعادهم من الحياة نفسها، وكيف أن عمالتهم هناك غدت مسألة شائعة وعادية في بلاد الأناضول، وفي الحقيقة أنا لم أكن مستعداً البتة لرؤية ذلك، واعتقدت للحظة أنني أسير كابوس ثقيل، فالمكان لم يكن حتى يوحي بكونه مصنعاً لشركة أقل من أن تكون ذا ماركة ثقيلة ومعتبرة في عالم الملابس، والطابق السفلي كان يعج بالأطفال، ومعظمهم لم يبلغ الثامنة من عمره، وهم غارقون في بؤس شديد.
وصل المراسل برفقة طاقمه الصغير إلى استانبول للتحقيق في مزاعم شبه مؤكدة تفيد بأن ثمة أطفال للاجئين سوريين يُستغلون من قبل أصحاب صناعة الملابس، وبعض أكبر العلامات التجارية في العالم. يقول المراسل لقد أخبرني صبي لم يبلغ الخامسة عشرة من عمره أنه يتقاضى راتباً أقل من دولار في الساعة الواحدة للعمل هناك، وأوضح الصبي أنه كان يريد ارتياد المدرسة لكنه لم يكن بوسع عائلته الفقيرة المكونة من سبعة أفراد تحمل نفقاتها، وهو مضطر للعمل 12 ساعة لإعالة أسرته.
هذه هي الطريق الوعرة التي تبدأ من خيط استقصائي رفيع في اقتفاء أثر الأطفال الذين يقومون على صناعة ملابسنا، ولسوء الحظ فإن هذا يحدث في أمكنة كثيرة من العالم، ويمكن القول إن دولة بنغلادش مثلاً لديها سجل حافل ومروّع باستغلال الأطفال، وبالرغم من عشرات الحملات الدولية التي ارتفعت فيها الأصوات لإيقاف عمالة الأطفال على أعلى مستوى، فإن الأطفال دون سن العاشرة في هذا البلد يواصلون العمل على خياطة البلوزات وسراويل الجينز على مدى اليوم بأكمله. ووفقاً لمنظمة اليونيسيف يعمل حوالي مليون طفل تتراوح أعمارهم بين 10 – 14 عاماً في بنغلاديش، وما يزال هذا الرقم في ارتفاع مضطرد، وأعدادهم تتزايد بشكل حاد ومقلق للغاية.
يأتي العديد من عمال المصانع البالغ عددهم 5 ملايين من المناطق التي لا يكون فيها الذهاب إلى المدرسة خياراً إلزامياً في سنوات التعليم الأولى. وفي الحقيقة، فإن نصف هذا العدد تقريباً لم يرتد المدرسة أبداً. البعض منهم يعمل على آلات الخياطة الضخمة، والبعض الآخر يقوم بتزيين أطراف الفساتين ب”الترتر”، والراتب الذي يحصلون عليه لا يتعدى 39 دولاراً شهرياً، وفي حالة العمل المتواصل على مدار 12 ساعة يمكن لطفل واحد خياطة ما متوسطه 1400 قميص في الشهر.
بعض الأطفال على وشك استنفاد كامل قواهم، فهم يتعرضون للضرب المبرح، ويُجبرون على العمل مابين 12 – 14 ساعة في اليوم، وأحياناً طوال الليل. سبعة أيام في الأسبوع مقابل أجر قدره ست سنتات في الساعة، ويقول بعض العمال إنهم إن تمكنوا من رفع أجورهم إلى 36 سنتاً في الساعة، فإنهم سيكونون قادرين على تسلق السلم درجة درجة والخروج من منطقة البؤس المطلق.
وقد يبدو خبراً ساراً بالفعل أن بعض شركات الملابس الكبرى توقفت عن استغلال الأطفال بأفعالها الشريرة، لكن متابعة حثيثة لها تكشف أنها تواصل الخداع والالتفاف على قوانين كل بلد على حدة وهي تسعى إلى “قوننة” تواجدها في كثير من الأماكن التي يمكنها فيها أن تواصل استغلالها لهم، ففي ميانمار مثلاً يمكن للأطفال الذين يتجاوزون الرابعة عشرة العمل بشكل قانوني لمدة 4 ساعات يومياً. الحد الأدنى للأجور هناك 2,12 دولار لمدة 8 ساعات أو 26 سنتاً في الساعة.
مع ذلك سرعان ما بدأت الماركات التجارية الكبرى بمعاينة عواقب أفعالها نتيجة عمل الأطفال المتردي، وهذا يدفعها في أحسن الأحوال حتى لا تخسر الأيدي العاملة الرخيصة إلى تشديد الرقابة عليهم أكثر فأكثر، وهذا يدفع بهم إلى المطالبة بتحسين الأجور. لكن ظروف العمل في هذه المصانع ما تزال رديئة وقد يكون من الصعب تخليص العالم نهائياً من عمالة الأطفال لأن أماكن العمل الرخيصة تتوالد مثل الفطر في أمكنة كثيرة، ويبدو أن أنجع الحلول ما تزال ضبابية مثل مشهد من فيلم شاهدناه منذ فترة ولم نعد نتذكره جيداً. والحقيقة الوحيدة المرعبة أنه بينما يكون أطفال العالم الأول يلهون على دراجاتهم الأنيقة أو يشاهدون التلفاز بينما تغط الجدة في النوم، فإنه يتوجب التذكر أن هناك أطفال محبوسون في غرف قذرة ومظلمة وخانقة يعدون الملابس لكل أولئك الذين يطحنون الجواهر بأصابعهم وهم على وشك النوم في أسرّتهم الدافئة.
