الفضيحة التي انفجرت مؤخراً في البوسنة والهرسك، والمتعلّقة بتنظيم رحلات “سفاري بشرية” لأثرياء أجانب بهدف قنص أشخاص حقيقيين، بينهم أطفال، ليست مجرد انحراف سري لجماعات منحرفة، بل جرح أخلاقي يكشف انهياراً عميقاً في معنى الإنسان ذاته. أن يذهب أثرياء من جنسيات مختلفة لقتل بشر لأجل “الترفيه”، يشبه العودة إلى عصور الغرائز البدائية الأولى التي لا تعرف الشفقة أو الرحمة، ويعيد إلى الواجهة سؤالاً مرعباً: كيف يمكن للثروة أن تتحوّل إلى رخصة للقتل؟
الصدمة لا تأتي فقط من وقوع الجرائم، بل من “طبيعتها المنظمة”: مناطق محدّدة، مجموعات مستهدفة من الفقراء والمهمّشين، وسماسرة يديرون القتل كما تُدار سياحة الصيد. هذا ليس انحطاطاً فردياً، بل **اقتصاد جلاوزة مظلمٍ مبنيٍ على استباحة حياة الضعفاء.
ما جرى يذكّر بأن الحرب التي مزّقت البوسنة والهرسك في التسعينيات لم تنته تماماً، وسوف يظل الجرح مفتوحاً طالما أن العدالة الكاملة لم تأخذ مجراها، فهشاشة الدولة فتحت ثغرات تُستغل اليوم لتكرار أشكال جديدة من “التصفية” تحت ستار اللعبة ذاتها. والمخيف أن هذا النموذج قد يغري آخرين، في عالم يتصاعد فيه خطاب نزع إنسانية الآخر، سواء بدافع العرق أو الدين أو الطبقة.
إن التحقيق الجاري اليوم الذي انفتح على فضيحة عالمية ليس مسألة قانون فقط، بل “اختبار مهني وأخلاقي لضمير العالم”: هل ما زلنا بالفعل قادرين على حماية الإنسان لأنه إنسان، لا لأنه غني، أو قوي، أو ينتمي للأغلبية؟ فحين يصبح البشر في أي مكان أو أي زمان مجرد طرائد، يصبح العالم كله على حافة الهاوية.
