بين سياساتٍ اقتصاديةٍ غير منصفة، وإعلامٍ يتجاهل معاناة الفئات الأضعف، يعيش المهاجر العربي في السويد أزمةً مضاعفة، اقتصاديةً وثقافيةً، تكشف هشاشة نموذج الاندماج وتفرض إعادة نظر شاملة في معنى العدالة الاجتماعية.
حيث لم تعد قضايا الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة مجرد أرقامٍ في التقارير الرسمية، بل تحوّلت إلى واقعٍ يوميّ يضغط على الأسر العربية ويعيد تشكيل مفهومها عن الأمان والاستقرار في بلدٍ اعتُبر نموذجاً للرفاه الاجتماعي.
كيف يؤثر الضغط الاقتصادي؟
تحاول القرارات السياسية النقدية والمالية الموازنة بين كبح التضخّم ودعم النمو، غير أن هذه المعادلة أثّرت بصورةٍ غير متكافئة على فئات المجتمع السويدي. فالفئات ذات الوظائف غير المستقرة والأجور المنخفضة تُشكّل نسبةً غير قليلة من المهاجرين الجدد، الذين كانوا الأكثر تضرراً. في ظلّ ارتفاع الأسعار المتزايد، وزيادة نسب البطالة، وتشديد شروط المساعدات، يتعرض كثيرون لضغطٍ مباشر على ميزانيات عائلاتهم، فيجدون أنفسهم أمام خياراتٍ قاسية بين دفع فاتورة الإيجار أو الكهرباء أو الطعام.
هذا التأثير ينعكس سريعاً في حياة الأسر اليومية، ويزيد من هشاشة عملية الاندماج التي يُفترض أنها تقوم على الاستقرار المعيشي أولاً.
البطالة: وجه الأزمة الآخر
لا يكتمل وصف الأزمة من دون التوقف عند البطالة، خصوصاً بين المولودين في الخارج.
تُظهر بياناتٌ رسمية تفاوتاً واضحاً في معدلات البطالة بين المولودين في السويد ومن وُلدوا خارجها؛ فمعدل البطالة، (بحسب بيانات مكتب العمل السويدي في منتصف عام 2025)، بلغ في منتصف عام 2025 نحو 7.8%، فيما تجاوز بين المولودين خارج السويد 16%. هذا يؤكد أن نسبة البطالة أعلى بكثير بين ذوي الأصول الأجنبية مما هي عليه بين السكان المولودين محلياً، مما يشير إلى وجود حاجزٍ وظيفي بنيوي أمام الكثير من المهاجرين.
في هذا الإطار، حدث نزاعٌ خطابيّ له دلالته السياسية. فقد صرّح رئيس الحكومة، أولف كريسترسون، في مناظرةٍ للأحزاب بثّها التلفزيون السويدي (SVT1)، أن هناك “فرص عمل متاحة”، وأن جزءاً من المشكلة هو عدم رغبة بعض الناس في شغل الوظائف البسيطة.
وقد قوبل هذا الطرح بردٍّ من مكتب العمل السويدي (Arbetsförmedlingen)، الذي أوضح أن الأرقام التي تبناها كريسترسون غير دقيقة، وأن بيانات الوظائف المتاحة لا يجب أن تُستغل بالطريقة التي قُدِّمت بها في الخطاب السياسي.
هذا التباين بين خطاب رئيس الوزراء وردّ مكتب العمل أضعف من مصداقية السرد الرسمي أمام فئاتٍ تعيش الضيق اليومي.
من أزمة مادية إلى أزمة هوية
الأثر النفسي عميق: فالعمل ليس فقط موردَ دخل، بل هو موطئٌ للكرامة، ومساحةٌ للاندماج، ومسارٌ لبناء شبكةٍ اجتماعيةٍ ولغوية. عندما تُحرَم فئةٌ كبيرة من الفرص المهنية الملائمة، تتآكل روافد الاندماج تدريجياً.
هكذا يتحول سؤال “كيف أعيل أسرتي؟” إلى سؤالٍ أعمق: “هل أستمر هنا أم أعود إلى حيث الجذور؟”، خاصةً مع تصاعد الخطاب السياسي الداعي إلى إمكانية سحب الإقامات أو الجنسيات، وهو ما لمح إليه حزب ديمقراطيي السويد في حال فوزه بالانتخابات القادمة عام 2026.
في ظل هذا اللإستقرار، تتبدّل الأولويات لدى هذه الفئات، فيصبح التفكير في العودة أو البحث عن بدائل خياراً واقعياً لا رفاهيةً فكريةً فقط.
الإعلام والسردية السياسية: من اختيار الحقيقة إلى تشكيلها
يساهم الإعلام والمشهد السياسي في رسم خارطة فهم الأزمة لدى الجمهور.
حين يسود خطابٌ مبسّط يربط الأزمة بسلوكياتٍ فردية أو يُسقطها في قالب “قضايا الاندماج”، وغالباً ما يحدث أن تُختزل تجارب بشرية معقّدة إلى شعارات.
كذلك، حين يستخدم قادةٌ سياسيون أرقاماً انتقائية لإظهار تفاؤلٍ غير متناسب، يحدث تجاذبٌ بين سردٍ رسميّ غير مقنع وواقعٍ يُقاس بفواتير متراكمة وبطالةٍ متزايدة. هذا التنافر يُضعف ثقة المهاجرين في المؤسسات ويُفقد الخطاب العام توازنه.
ماذا ينبغي أن يحدث؟
المعالجة تتطلب مقاربةً مزدوجة:
أولاً، سياساتٌ اقتصاديةٌ واجتماعيةٌ تستهدف مباشرةً التخفيف من وطأة الغلاء على الأكثر هشاشة — دعمٌ سكنيّ موجَّه، وبرامجُ تدريبٍ وتوظيفٍ مركّزة على المهاجرين، ومبادراتُ ربطٍ بين سوق العمل واحتياجات أرباب العمل المحليين.
ثانياً، خطابٌ سياسيّ وإعلاميّ مسؤولٌ يزيد من وضوح الحقائق ويقدّم سرداً متوازناً يضع الأرقام في سياقها الإنساني. المؤسسات الحكومية، خصوصاً تلك المعنية بسوق العمل والرفاه، مدعوةٌ لتنسيق معلوماتها وخطابها لتفادي المفاهيم المضللة في النقاش العام.
خاتمة: بين الحسابات والهوية
الغلاء والبطالة قضايا تقنيةٌ وإجرائية، لكن أثرهما يمتد إلى الهوية والشعور بالانتماء. المهاجر العربي في السويد يحتاج اليوم إلى أكثر من وعودٍ عابرةٍ عن “فرصٍ متاحة”: يحتاج إلى سياساتٍ تُظهر أن الاندماج ليس مطالبةً فرديةً فحسب، بل التزاماً مجتمعياً مؤسسياً.
وعليه أيضاً — كمجتمعٍ مهاجر — إعادةُ بناء استراتيجيات التكيّف والتمكين التي لا تترجم فقط إلى دخلٍ ثابت، بل إلى شعورٍ متجدّدٍ بالانتماء.
