عندما أصدر عالم النفس السويدي المعروف دافيد ايبرهارد كتابه الشهير (كيف استولى الأطفال على السلطة) أحدث زلزالاً في مفاهيم وسبل التنشئة الحديثة في عموم السويد. كان ايبرهارد يحكي عن سبل تنشئة الأطفال في المجتمع السويدي، وكيف أن مبادئ التربية قد ازدادت صعوبة وتعقيداً، وقد أضحى هذا المفهوم محارباً بين ظهراني السويديين أنفسهم، فالكل بات يجمع أنه لا يجوز تلقين الأطفال، بل ملاقاتهم في المنتصف وبشروطهم – الأطفال-دائماً، وصار “الخبراء” يتولون إخبار الأهل بكيفية الاعتناء بهم، وبات واضحاً أنهم “الخبراء” اعتادوا مع مرور الوقت أن يحذّْروا من كل شيء، لأنهم كانوا على قناعة تامة أنهم يملكون أحقية الصواب والخطأ ب “المفهوم العلمي” الذين يتولون الدفاع عنه.
بعد صدور كتاب ايبرهارد صار الكل يتساءل هنا كيف وصل الحال بتربية الأطفال في المجتمع السويدي عند هذا الحد من الإفراط، حتى أصبح من المستحيل عليهم تمييز الصواب من الخطأ، بوقت غدت فيه كلمتا “تنشئة” و”تربية” على سبيل المثال محاربتين من قبل الجميع، وغدا هذا النوع من الأهل المثل الأعلى للأطفال القادمين إلى هذه الحياة دون سلاح التربية الذي تم التفريط به.
الجميع يعرف أن الأطفال كائنات صعبة ومثيرة للقلق والاضطرابات. وهي كائنات متواجدة بيننا لأن فكرة بقاء الوجود الإنساني واستمراريته بديهة لا يمكن التفريط بها أو الحياد عنها، وليس هناك ما هو أصلح من هذه الفكرة، بأن تستمر هذه الكائنات بمقاومة المحن والمصاعب التي يتعرضون لها في مجتمعات اليوم، وخاصة في زمن انقلاب الموازين، وهيمنة السوشيال ميديا على الفضاء العمومي، وحتى تسهل الفكرة يمكن تناولها بمزيد من التبسيط، فإن ميل الأهل لاستبعاد التنشئة من قاموسهم اليومي قد يشعرهم مؤقتاً ببعض الهدوء والأمان، وبالطبع سيتصرف الأطفال في الحياة اليومية من تلقاء أنفسهم دون الحاجة للاتصال بالآباء أو الأهل، وربما تصبح مسألة اختيار تربية هؤلاء الأطفال مع مرور الوقت أقل أهمية للبعض، ولا تستدعي التدخل في الأزمات والمنعطفات التي ترافق أسس التربية الحديثة، ولكن مع اتباع بعض النصائح حول هذه الأسس يمكن أن يصبح الأمر أقل مدعاة للقلق لدى هؤلاء الأهل.
ماذا نعرف عن تربية الأطفال في مثل هذه الحالة؟
ان عدم التطابق بين التحذيرات والوقائع هو قاعدة وليس استثناء، وهو الأمر الذي أدى بالأطفال للاستيلاء على مفهوم التنشئة نفسه، حتى تحوَّل إلى مجرد وهم، وقد يبدو من غير المستساغ في مثل هذه الحالة تقديم قراءة مغايرة حول تعليم وتنشئة الأطفال، وربما الافتراق عن الميل السائد القائل بأن الصغار مختلفون عن الكبار، وأن لديهم حقوقاً تكمن في أن الأهل يجب أن يتفهموا مشاعرهم ، وأن دورهم يكمن في جعل حياتهم ممتعة، ومثيرة للاهتمام، وأن يظهر أي فعل يصدر عنهم كما لو أنه نداء واجب مفروض للاستقلالية، وحتى دون الإخلال بميزان التكيّف مع فكرة التنشئة الذاتية، أو أن الكبير هو من يرتكب الأخطاء دائماً بحق الصغير الذي لم يكن ليتصرف على هذا النحو لولا خطأ من هو أكبر منه.
كذلك يبدو دافيد ايبرهارد كبير الأطباء النفسانيين في مشفى دانديريز على اطلاع واسع حين “يهاجم” في كتابه ثقافةً طالما اعتقد أنها تسمح للأطفال بالبت في الكثير من المسائل التي لا يجب أن يقربوها أصلاً، وينتقد بقوة أولئك الخبراء المتلطين وراء مفاهيم حوَّلت أسس التنشئة والتربية إلى لعنة في أذهان الآباء السويديين، لعنة جعلت الأطفال يقررون كل شيء تقريبا.
يقول ايبرهارد للتلفزيون السويدي في وقت سابق:” يستثمر البعض في كل شيء حتى ينجب أطفالاً، وعندما يأتي الأطفال، تبدأ مشاكل التربية، وهناك الكثير من الآباء الذين ينفصلون، ويظهرون أمام الجميع وهم في مواقف هشَّة للغاية، كما أنهم يمتلكون ضمائر ضعيفة، ويحاولون الإفراط في تعويض أطفالهم عن نقص في عواطف الأبوة أو الأمومة. بالطبع نحن نعيش في ثقافة تتمحور أساساً حول الطفل مع أفكار زلقة وحساسة حول ما إذا كان سوف ينشأ أكثر هشاشة أو أكثر كفاءة”.
يضيف ايبرهارد إن على المرء ألا يستمع لمن يسمّون أنفسهم بالخبراء، أو من يصفون أنفسهم بخبراء التعليم، لأن فكرة “أكثر كفاءة” تحمل تناقضاً مريعاً، فعلى سبيل المثال لا يمكن للأطفال التعامل مع الرسائل المزدوجة، وهم أساساً لا يجيدون التفكير، ولهذا من الأفضل الحسم معهم بدل مجادلتهم.
يمضي دافيد ايبرهارد إلى خلاصة مفادها أنه يجب استعادة سلطة التنشئة من الأطفال، فالافتقار إليها في مرحلة المدرسة، وما قبل المدرسة تظل رهن مراقبة الآباء لسلوك أطفالهم، حتى يمكن الاقتراب خطوة إضافية من هدف استعادة السلطة الأبوية، والحق في السيطرة على الأسرة، لأن هذا هو الغرض الأساسي الذي يُسعى إليه في سبيل تنشئة صحيحة وقويمة.
ووفقاً لايبرهارد دائماً، فإن الجيل الجديد من السويديين الذين ترَّبوا بحسب “النظرية المتسامحة الحديثة” ليس لديهم في الواقع أي تعاطف اجتماعي، أو مرونة شخصية، وبعد التساهل في التربية تعرضوا لخيبات كبيرة في الحياة.
إن قول “لا” للطفل لا تعني أنك تغلبت عليه”. يقول صاحب كتاب “كيف استولى الأطفال على السلطة”: الأهل يجب أن يتصرفوا كأهل، وليس كأصدقاء، كما يجب على الآباء إعداد أبنائهم لحياة البالغين من خلال تعلم كيفية التصرف بشكل جيد في المجتمع، وليس تربيتهم كأمراء وأميرات. في السويد يُعتبر أي شكل من أشكال التعليم انتهاكاً لحقوق الطفل. هكذا يوصي ما يُسمى ب ” الخبراء” أولياء الأمور بالتفاوض مع أطفالهم، وليس معاقبتهم. شيء لم يفهم بشكل صحيح مفهوم الأبوة والأمومة! الأطفال ليسوا بهذه الهشاشة كما يفكرون.
ووفقاً لدافيد ايبرهارد، فقد فشلت “نظرية الأبوة المتسامحة” تماماً. في السويد أدى ذلك إلى تعطّل كامل في الانضباط المدرسي، وانخفض مستوى التعليم، والأكثر مدعاة للقلق هو زيادة محاولات الانتحار بين المراهقين بشكل حاد.
السويد أول بلد في العالم يفرض حظراً على العقاب البدني، وقد تمَّ ذلك في سنة 1979 وجرى اعتماد الفكرة بالفعل في 30 دولة. هذا أمر جيد حتى الآن، لكن الأشياء لها تكملة. إذ يتبع ذلك كسر السلم الهرمي في العائلة، حتى يصل للنقطة التي يصدرون فيها الأوامر، وهم الرؤساء، وليس من حق أحد أن يخبرهم بشيء إذ يعتبر ذلك انتهاكاً لحق من حقوقهم.
قد تعمل فكرة المساواة بشكل جيد في نظام ديمقراطي أو في اقتصاد سوق، ولكن تطبيقها في العائلة يؤدي إلى انهيارها بالكامل بحسب عالم النفس السويدي ديفيد ايبرهارد.
في المدرسة تبدأ المشاكل بالظهور، إذ يرفض الأطفال السويديون الذين ترَّبوا من قبل الآباء المتسامحين تنفيذ أي تعليمات تصدر عن المدرّسين وهم على درجة عالية من الثقة بالنفس، والتي نادراً ما تتوافق مع الواقع. وقد تزايدت هذه المشكلة مع الوقت. ويشهد ايبرهارد على ظهور اضطرابات من القلق، وإيذاء النفس، ومحاولات الانتحار، وما هو مضلل أكثر من أي وقت مضى هو الطفل الذي يُترك على حريته دون قيود من أبويه بانتظار أن يصبح مسؤولاً في مراهقته ويتعلَّم احترام الآخرين، ويحفظ الانضباط وينفذ التعليمات. هذا هو السلوك الأبوي غير المسؤول.
بعد صدور كتاب دافيد ايبرهارد مترافقاً مع أطروحته بأن الأطفال السويديين لم يخضعوا للتربية، ومتسلّطين للغاية، دخلت البلاد في حالات جدال حادة ومكثفة. بالطبع لدى ايبرهارد الكثير من المعارضين لمقولاته، وهم على درجات عالية من الابتهاج بأن النموذج السويدي للأبوة مثال يحتذى به في دول كثيرة حول العالم، وأن أطفال السويد الذين يكبرون بلا قيود سعداء جداً، لكن معظم السويديين لا ينكرون حقيقة ما يحدث في السنوات الأخيرة. يقول أحد المعلمين إنه حتى دعوة أطفال دون سن الرابعة للقيام بشيء ما من أجل التعلم تُجابه أحياناً من قبلهم بإجابة “لا يهمني”، وقالت إحدى الصحفيات إنها سمعت طفلين في سن السابعة زميلين لابنتها يقسمان في غرفة الصف، ويستخدمان مفردات في حديثهما، الشيطان وحده يعرف من أين تعلماها، وتلفَّظا بها، ويقول أب ترَّجى ابنه النزول عن الرفوف حتى لا يسقط ويتأذى إنه بصق عليه من فوق.
يؤكد دافيد ايبرهارد بالفعل أن الأطفال السويديين في أحايين كثيرة لم يخضعوا للتربية المعتادة حتى أنهم يزيلون الحدود المفترضة بين الكبار والصغار في أحاديثهم على العشاء، ويضيف:” بالطبع يتعيَّن علينا الاستماع إلى أطفالنا، ولكن في السويد وصلت الأمور إلى الحد الذي لا يطاق. الأطفال هم من يقررون كل شيء بالنيابة عن عائلاتهم عندما يهجعون لأسرّتهم، وماذا سيأكلون، وأين سيذهبون في العطلات المدرسية، وحتى أنهم يقررون ما سيشاهدون على شاشة التلفزيون، والمشكلة الكبيرة تكمن في أن الشبيبة في السويد غير مستعدة للنضوج.
بالتأكيد لا أحد يحب الحدود أو القيود، ولكن يبدو أنها ليست سيئة إلى هذا الحد، أو قد تكون الخيار الأفضل مقارنة مع الحرية الكاملة في فعل ما تشاء. يقول ايبرهارد:” الشباب السويدي يميل إلى الإحباط الشديد في الحياة، وخاصة عندما يكونون في ال 20 من أعمارهم، فهناك زيادة كبيرة في محاولات الانتحار، وخاصة بين الفتيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 – 25 سنة.
يوجه دافيد ايبرهارد سهام النقد إلى مقولة “الأطفال الخبراء”، لأن المصطلح بحد ذاته يشي بنوع من الاستئثار الفظيع بمفهوم الطفولة نفسها، فمن الخطأ الاعتقاد بأن الأطفال مؤهلون للتفكير، واتخاذ القرارات. ليس منطقياً البتة أن تتناقش مع شخص غير ناضج حول ما ستشتريه في المتجر على سبيل المثال، وأنت في طريق العودة من روضة الأطفال إلى المنزل، ولكن هنا لا ينبغي الاستهانة إطلاقاً بذكاء الأطفال –حسبما يشير ايبرهارد- فمدى نضوج الفرد للتعامل مع أشياء معينة له علاقة ببساطة مع تطور الدماغ، ويعطي الحق في حماية الأطفال الضعفاء.
كتب دافيد ايبرهارد سابقاً كتباً عدَّة حول موضوع “الإدمان الأمني”، وشكَّك منذ سنوات بصفته كبير الأطباء آنذاك في غرفة الطوارئ النفسية في مشفى سان جوران في استخدام خوذة الدراجة، وقامت الدنيا ولم تقعد، وتولَّدت احتجاجات صاخبة ضد طروحاته من عدة اتجاهات. كانت أطروحته تتلخص بأنه كلما حاولنا حماية أنفسنا من الحوادث بمختلف أنواعها أصبحنا أكثر قلقاً وشعوراً بانعدام الأمان وعدم الرضى.
في كتابه يمضي دافيد ايبرهارد على نفس المسار. يقول نحن نتعامل مع الأطفال كدمى من الخزف الهش والحساسة للغاية التي لا تستطيع التعامل مع الشدائد، وبالتالي سوف ينظرون إلى أنفسهم على هذا النحو دائماً. وهذا كما يقول هو تفسير لعدد متزايد من الشباب الذين يبحثون عن رعاية نفسية من مخاوف جد عادية كانتهاء علاقة عاطفية على سبيل المثال.
للأطفال جميع الحقوق، ولكن لا توجد التزامات، ويجب على الآباء التكيّف مع رغبات الأطفال دون توقع أن يتكيّف الأطفال مع رغباتهم. يقول لقد توقفنا عن التربية خوفاً من إيذاء الأطفال.
