يرتبط اسم انغمار برغمان دائماً بالعظمة والجدّية الوجودية، فهو المخرج الذي ولد في السويد وظل يعمل فيها دون انقطاع، باستثناء رحلته الاضطرارية لتصوير فيلمه (العار) في ألمانيا. لكن خلف هذا الإرث “البرغماني” الثقيل، تختبئ قصة مثيرة لم يذكرها المؤرخون إلا في أسطر قليلة: قصة تسعة أفلام إعلانية عن الصابون السويدي أنقذت مسيرة “الأسد” السينمائي في لحظة حرجة.
التمرد ضد “ضرائب المتعة“
لم تكن تجربة برغمان مع الإعلانات ناتجة عن رغبة تجارية، بل كانت “خطأً شريراً مفرحاً” بحسب وصف الناقدة الفرنسية مارييت كوسكينين. ففي مطلع الخمسينيات، توقّف برغمان عن العمل احتجاجاً على الضرائب المفروضة على “المتع والتسلية” وصُنِّف حينها مخرجاً عاطلاً عن العمل، ناهيك عن إقالته من العمل في مسرح مدينة غوتنبرغ في أواخر أربعينات القرن الماضي بسبب شجارات متكررة مع مدير المسرح. وفي تلك اللحظة العبثية، دعت شركة (سنلايت وغيبس) برغمان لإخراج مجموعة إعلانات لصابون “بريس” الشهير في السويد آنذاك، وهو العرض الذي لم يستطع رفضه، فلديه عائلة يجب إعالتها.
الصفقة الإبداعية: عرق الجسم البشري مقابل الحرية
وافق برغمان على العمل بشروط صارمة تضمن كرامته الفنية، حيث اشترط الحصول على كل ما يلزم لتحقيق حريته الإبداعية، بما في ذلك العمل مع مصوّره المفضّل غونار فيشر، والسيطرة الكاملة على السيناريو والمونتاج.
في المقابل، لم تعترض الشركة المنتجة، واكتفت بفرض عبارة واحدة في كل فيلم: “العَرَق ليس له رائحة.. الرائحة تأتي من باكتريا الجلد.. صابون بريس يقتل الباكتريا“. هكذا، تحوّلت إعلانات “بريس” في نظر برغمان إلى “نتاجات مؤلف خاصة“، وليست مجرد طلبات استهلاكية عادية.
السينما السويدية: العيش في “ظل” العملاق
تطوّرت السينما السويدية لاحقاً تحت راية ما يمكن تسميته “ضد برغمان“، حيث حاول مخرجون مثل سيوبرغ وبوبيدبرغ ويورن دونير التمرّد عليه بحجة أن أفلامه لا تحاكي الواقع الاجتماعي السويدي. لكن الحقيقة أن أحداً لم يستطع تجاوز ظلال برغمان التي ظلّت أقوى من كل حركات التمرد.
و يرى النقّاد، ومنهم مريانا هيووك، أن انغمار برغمان “خرج نظيفاً وبأبهى حلَّة من إعلانات الصابون“، وربما أعطته تلك الاستراحة الإجبارية فرصة لالتقاط أنفاسه قبل أن يدخل في طوره السينمائي الناضج الذي أرَّخ لمسيرة إبداعية وضعته في المشهد السينمائي العالمي. وبالفعل، فقد أثبتت الأيام أن برغمان الذي اعتاد تحويل “الضد” إلى “ظل“، استطاع العبث بمحتويات الصندوق السحري حتى في إعلاناته، دون أن يتحمل آثامها أو تبعاتها باعتباره صاحب مشروع سينمائي مختلف.
الطريق نحو “الختم السابع“
بينما كان برغمان يصوّر فقاعات الصابون، كان يخطط لفتوحاته السينمائية الكبرى. وقد صرخ يوماً بزوجته في هيلسنبورغ قائلاً: “يجب على المخرجين من أمثال سيوبرغ ودراير أن يتقاعدوا فوراً، فانغمار برغمان قادم في الطريق!”. وبالفعل، كانت مسيرته بعد فيلم “الختم السابع” ظلالاً وارفة غطّت سماء السينما العالمية، ليظل برغمان –رغم محاولات التمرّد والانقلاب عليه– هو “الناصية الثقافية المميزة” للتراث السويدي والإسكندنافي عبر عقود تالية!.
