في زمنٍ يتسابق فيه “وحوش” المادة نحو السيطرة على الملذّات الأرضية، وتُدهس فيه الهُويات الثقافية تحت عجلات الاستهلاك السريع، تأتي صرخة الاستغاثة من بلدة فيمربيالسويدية لإنقاذ شجرة “الدردار“العجوز. هذه ليست مجرد محاولة لترميم قطعة خشبية خضراء، بل هي درسٌ بليغ في احترام الإرث الإنساني، فالسويد، عبر استنفار علمائها لحقن الشجرة باللقاح ضد مرض فتّاك، تختار الانحياز للذاكرة الإنسانية.
تمثّل هذه الشجرة في الوعي الإنساني الرحم الأوللخيال الكاتبة أستريد ليندغرين، فهي التي أنبتت في عقول الملايين شخصية “بيبي ذات الجوارب الطويلة“وشجرتها السحرية التي تفيض بالمشروبات السكرية. إنها رمزٌ لبراءة الطفولة التي ترفض الذبول، وشاهدٌ حيٌّ على أن الإبداع لا يولد من العدم، بل مماهو متجذّرٌ في الطبيعة والأرض.
بقاء هذه الشجرة ضرورة أخلاقية في عالمنا المعاصر، فهي تذكرنا بأن القيمة الحقيقية للأوطان لا تُقاس بالأبراج الإسمنتية والزجاجية وناطحات السحاب أو صفقات الاستحواذ العقارية القيحية، بل بما نحفظه من “رموز“تربطنا بماضينا الجمالي. إن إنقاذ شجرة ليندغرين هو فعل مقاومة ضد “التصحّر الثقافي“، وتأكيد على أن روح الأدب أغلى من أن تُترك للموت، وأن العناية بشجرة ألهمت طفلاً يوماً ما، تعادل في سموها بناء مدنٍ بأكملها.
إنقاذ شجرة ليندغرين هو فعل مقاومة ضد “التصحّر الثقافي”، وتأكيد على أن روح الأدب أغلى من أن تُترك للموت، وأن العناية بشجرة ألهمت طفلاً يوماً ما، تعادل في سموها بناء مدنٍ بأكملها
الطفولة دون كتب ليست طفولة
إبداعات الكاتبة السويدية أستريد ليندغرين عُرفت شهرة عالمية كبيرة وتُرجمت أعمالها إلى 80 لغة، من اللغة العربية وحتى اللغة الزولوية، وطُبعت في أكثر من مئة دولة. نشرت القصة الأولى عن بطلتها (بيبي ذات الجوارب الطويلة) الأكثر شعبية في السويد سنة 1945، وهي واحدة من أشهر 25 كاتبة على مستوى العالم، وبيع حوالي 145 مليون نسخة من إصداراتها.
ولدت أستريد ليندغرين سنة 1907 في مدينة فيمربي – مقاطعة سمولاند (جنوب السويد) في منزل أحمر قديم محاط بأشجار التفاح، وهي ثاني مولود في عائلتها، وكتب كثيرة من مؤلفاتها مرتبطة بطفولتها التي قضتها في ريف المقاطعة أو عائلتها -الأب صمويل أوغسطس اريكسون والأم هانا وشقيقها الأكبر غوستاف، ولها شقيقة واحدة اسمها ستينا. توفيت أستريد ليندغرين سنة 2002 في ستوكهولم.
من أقوالها:
*أعطوا الأطفال الحب ثم الحب ثم الحب، والحس السليم سيأتي من تلقاء نفسه.
*الطفولة دون كتب ليست طفولة. من دونها أنت تنفصل عن مكان سحري حيث يمكنك العثور فيه على أغنى فرح.
*لا أريد أن أكتب للكبار. أريد أن أكتب للقرَّاء الذين يقومون بالمعجزات. وحدهم الأطفال من يقوم بها أثناء القراءة.
*أجد أن الأم غريبة جداً. فهي تريدنا أن ننام عندما نكون مستيقظين تماماً، وتريدنا أن نستيقظ عندما نكون مستغرقين في النوم.
*كل شيء جيّد حدث على هذه الأرض حدث لأول مرة في خيال ما.
*هل ألهمك أطفالك وأحفادك في كتابة كتبك؟ غالباً ما يطرح عليّْ هذا السؤال. أريد أن أقول: لم يلهمني طفل بقدر الطفلة التي كنتها أنا. ليس ضرورياً أن يكون عندك أطفال حتى تكتب للأطفال. مهم جداً أن تتذكّر طفولتك أنت.
*لاحظت عدّة مرات أن الناس لا يعتقدون بأنني أعرف كيف أتصرَّف حتى عندما أبذل قصارى جهدي.
*أنا أكتب لتسلية الطفل الذي بداخلي، ولكني أرغب بأن تكون قصصي مسلّية لكل الأطفال أيضاً.
*أنا لا أمانع بأن أموت. سأفعل ذلك وأنا فرحة، ولكن يجب أن أنظّف البيت أولاً.
*الخيال أمر مفروغ منه، ولحسن الحظ لا يزال هناك بشرٌ يمتلكونه. هؤلاء الذين ما يزالون أطفالاً الآن سيأخذون العمل على عاتقهم في يوم من الأيام وسيحلّون مشاكل السلام والحرب، وفي أي مجتمعات سيعيشون، وما إذا كانوا سيخضعون لمجتمعات العنف أم مجتمعات السلم.
*الأمر لا يستحق بالفعل – قالت بيبي. الكبار لا يلاحظون أبداً كم أن لديهم من الأعمال غير السارّة والملابس الغبية.
*مضت بيبي في الشارع، وبقدمٍ واحدة صعدت على حافة الرصيف، وبالقدم الأخرى على الرصيف نفسه. تومي وأنيكا تابعاها بنظراتهما فيما كانت تختبئ منهما. بعد قليل رجعت، وهي تسير للخلف حتى تحفظ رجوعها للبيت وصلت عند تومي وأنيكا وران صمت عميق عليهم.
سأل تومي بعد قليل:
-لماذا تمشين للخلف؟
-لماذا أمشي للخلف؟ صاحت بيبي، واستدركت -ألا نعيش في بلد حر؟ ألا يستطيع المرء أن يعيش على هواه؟!
*****
أيها الأصدقاء ثمة فتاة سويدية غريبة الأطوار تدعى بيبي ذات الجوارب الطويلة أرجوا أن تحبّوها، فهي تعيش وحيدة معزولة في منزل قديم اسمه “فيلا فيليكولا ” دون أب أو أم، لكن ذلك لا يقلقها البتة لأنها تملك حصاناً وقرداً، وفي البيت المجاور يعيش صديقاها تومي وأنيكا. بيبي أقوى فتاة في العالم.
اسمها الحقيقي بيبيلوتا فيكتواليا ترانسبارناتا مينتولكا افرايموفا ذات الجوارب الطويلة، وهي تبلغ من العمر تسع سنوات. ذات شعر أحمر، ووجه نمش مع قرنين حمراوين على الجانبين. بيبي تعيش مع قرد يدعى السيد نيلسون الذي غالباً ما يقيم على الشرفة، وبوسعه الانتقال بسهولة من مكان إلى آخر. جيرانها هما تومي وأنيكا. أخ وأخت يعيشان في كنف عائلة هادئة ومستقرة عندما يرافقان بيبي.
بيبي ذات الجوارب الطويلة فتاة قوية بشكل استثنائي. موهوبة لدرجة أنها يمكن أن تشاغب في أكثر الأماكن خطورة في العالم بالرغم من أنها لا تنوي الشر لأحد، وهي تعيش بمفردها دون رقابة أبوية، وغالباً تسخر من البالغين – هذا أمر يثير إعجاب القرَّاء الصغار بطبيعة الحال – لاسيما عندما لا يعرف هؤلاء الكبار العدل والأمانة.
بيبي هي ابنة القبطان البحري افرايم ذو الجوارب الطويلة، وهي ورثت عنه طباعه القوية والعنيدة. أبوها سقط في البحر أثناء هبوب عاصفة قوية، وسرعان ما حملته الرياح إلى جزيرة كوريكوردوت في البحار الجنوبية ليصبح “الزعيم الأبيض السمين”. يعود القبطان إلى السويد لاصطحاب ابنته إلى الجزيرة، ولكن بيبي ترفض لأنها ملتصقة ببيتها، ولا تريد أن تفارقه أو تفارق أصدقاءها، وعندما يعود مرَّة أخرى توافق على مرافقته بصحبة صديقيها تومي وأنيكا، ويقضون جميعاً أوقاتاً طيبة على الجزيرة الجنوبية قبل أن يعودوا إلى السويد.
(بيبي ذات الجوارب الطويلة) هو أول كتاب لأستريد ليندغرين يجلب لها شهرة واسعة في الأوساط الأدبية العالمية. وهي قد شرعت بكتابته سنة 1941 عندما كانت ترعى ابنتها المريضة بذات الرئة كارين(7سنوات) التي رجتها أن تروي لها قصة بيبي ذات الجوارب الطويلة، وكانت قد اخترعت الصبية الصغيرة الاسم للتو. سنة 1944 أرسلت ليندغرين كتابها للطبع ولكن دار “بونيير” للنشر رفضته. لم تيأس ليندغرين من محاولتها الأولى، وفي سنة 1945 قبلته دار “روبن و سيوغرين”، وصدرت النسخة الأولى من (بيبي ذات الجوارب الطويلة)، وفي العام التالي صدر الجزء الثاني بيبي تذهب في رحلة، وبيبي في البحار الجنوبية، ومابين الأعوام 1969 – 1975 صدر ست كتب منها، وآخر كتابين عن بيبي كتبا بين الأعوام 1979 – 2000.
ألّفت أستريد ليندغرين أكثر من 80 كتاباً، ويمكن القول إنها تربَّعت على عرش أشهر كاتبة للأطفال في العالم، وترجمت أعمالها إلى أكثر من ثمانين 80 لغة، وتُرجم بعضها للعربية، وبيع من قصص بيبي لوحدها أكثر من سبعة ملايين نسخة حول العالم.
يعشق السويديون أدب أستريد ليندغرين حتى أنهم أطلقوا اسمها على مدينتها فيمربي التي تتميّز بوجود ساحة كبيرة يلتقي فيها عشاق أدبها سنوياً بلباس الشخصيات التي وصفتها ليندغرين بكل براعة. قال عنها ملك السويد كارل غوستاف:” لقد أذهلت قصصها حواس قرائها على الدوام صغاراً وكباراً، ليس في السويد فحسب، وإنما في العالم بأسره”.
قامت الممثلة أنجر نيسلون بأداء دور بيبي في فيلم روائي عام 1959، وهي أشهر شخصية أدَّتها هذه الممثلة في تاريخها، وقد اشتهرت بخصلتي شعرها الحمراوين، حتى أن بعض أفلام الرسوم المتحركة حاكت الشخصية نفسها بذات القرنين والوجه النمش المشاكس العنيد.