ثمة ثالوث غامض يتألف منه فيلم (التضحية)، آخر أفلام المخرج الروسي الراحل أندريه تاركوفسكي (1932-1986). رجل وابنه الصغير وشجرة مزروعة ولكنها ميتة. كل ذلك سيدور وسط البرية الحزينة المترامية الأطراف للساحل السويدي (المواقع الأساسية للتصوير شملت جزيرة Närsholmen في Gotland).
يخبر الأب ألكسندر (الممثل السويدي ايرلاند يوسفيسون) ولده عن مَثَل الراهب الذي يرسله مرشده الروحي كل يوم في مهمة، قاطعاً مسافة طويلة، من أجل أن يسقي شجرة ميتة. تلك كانت مهمته الوحيدة، وهو قام بها بكل طاعة وتواضع لسنوات. وفي يوم من الأيام أزهرت الشجرة، وقام الولد الصغير برصّ حجارة مستديرة حواليها كما في لعب الأطفال، ومارس الأب صمته الأبوي الذي سيغذّي في نهاية المطاف لفتات وتأملات ابنه.
“البراءة والعمق”، سوف يردد ذلك ألكسندر في وقت لاحق، وهو يقلّب كتاب أيقونات أهداه إياه صديقه فيكتور في عيد ميلاده. وهاهو يتساءل، أليس في هذا الذي يسكن في هذه الرسومات من نعمة حساسة ونقية؟ وإذا قام كل واحد منا بنفس التضحية دون مقابل –مهما كانت – كل يوم وفي نفس التوقيت ألن يتغيَّر العالم؟ يحلم ألكسندر في لحظة أخرى مؤاتية تغيّر من طبيعة الأحلام التي طالما تناوشته كفرد ينتظر مصيراً مؤلماً.
“السؤال الذي أطرحه في هذا الفيلم بالنسبة لي هو الأكثر حدّة: غياب ثقافتنا عن الفضاء الروحي الذي يحفظ حياتنا- كتب تاركوفسكي متسائلاً ذات مرَّة- أردت أن أثبت أننا نستطيع الاتصال بالحياة مجدداً من خلال استعادة قداسة طمأنينتنا الداخلية، وعهدتنا الروحية”.
في المساء عندما يحتفل ألكسندر بعيد ميلاده مع زوجته وبعض الأصدقاء وخادمتين اثنتين تجد الدراما العادية وأعباء المجموعة الصغيرة صدى عالمياً لها في أخبار التلفزيون عن كارثة نووية تنذر بنهاية العالم. يقرر ألكسندر التضحية بنفسه. هذه (اللفتة المتطرفة) تتكشف شيئاً فشيئاً من خلال الشخصيات والوئام الكاذب والديكور المكرر في المنزل وصور الحشود تعدو على غير هدى في الطرق التي كان يقطعها ألكسندر أساساً.
هذه الرؤى المنبثقة من أحاديث الجمال المبهر عن أكبر سر فينا تتلَّمس الحقائق الأساسية ل”لغة المظاهر، لغة الأحلام”. قال المخرج السويدي الراحل انغمار برغمان (1918-2007) ذات يوم عن تاركوفسكي “إنه الأعظم بيننا”.
الفيلم صُوّر بالكامل في السويد، بدعم من معهد الفيلم السويدي، وبإنتاج مشترك مع فرنسا والمملكة المتحدة، وثمة إشارة تدل على أن تاركوفسكي كان يرغب بشدة في التصوير في جزيرة Fåro المعروفة بارتباطها ببرغمان، الذي عاش فيها ردحاً من الزمن بما يشبه العزلة النهائية، ومات ودفن فيها، لكنه منع لأسباب غير معروفة. البعض يقول إن اللوكيشن كان يقع في منطقة عسكرية.
أحد مواقع التصوير المهمة كان قصراً يدعى Haga slot بالقرب من Enköping حيث بدأ التصوير بمشهد الطفل وتلك المخاطبة الرمزية.
الممثل الرئيسي في الفيلم هو Erland Josephson وهو ممثل برغماني بامتياز، ومصور الفيلم هو Sven Nykvist وهو مصور برغمان أيضاً ومصممة الإنتاج هي Anna Asp التي عملت في عدة أفلام مع برغمان ايضاً وفازت بأوسكار.
في تحليل الفيلم كثير من النقاد يشيرون إلى أن طبيعة الهواجس الدينية، الفناء، التضحية، والمشهد المنفرد، كلها موضوعات يتحرك فيها تاركوفسكي في المنطقة التي استكشفها برغمان نفسه من قبل-لكن بطابعه الشخصي الذي لا يشبه أحداً سواه.
في عمليات التصوير كانت هناك مشاكل تقنية كبيرة اعترضت الفيلم: أحد المشاهد الكبرى (منزل يُحرق) توقف بسبب عطل في الكاميرا، مااستدعى إعادة بناء المنزل في مدة أسبوعين تقريباً وإعادة التصوير.
بنية اللون كانت مقصودة: يقول المصور سفن نيكفيست إن نحو 60 % من درجات الألوان تم تخفيضها في بعض المشاهد للحصول على جو رمادي ميتافيزيقي متأمل في الفيلم.
