مسيرة المخرج السويدي ذي الجذور المصرية طارق صالح تشبه في بعض فصولها رواية مشوّقة تبدأ من أحياء ستوكهولم، وتصل في جوانب منها إلى سجادة مهرجان كان الحمراء. يصح القول إنه فنان تمرَّد على القوالب المدرسية الإنشائية منذ صغره، وحوّل شغفه بالشارع والمعرفة والصورة إلى سينما تخترق العُرف السائد الذي سيحكي عنه لاحقاً في أفلامه، بل وينتزع الجوائز عن بعضها.
نشأة مختلفة… وفن يولد من التمرد
وُلد طارق صالح في 28 كانون الثاني 1972، لأم سويدية مغنية روك سابقاً، وأب مصري يعمل في تصميم العروض الفنية. نشأ في بيئة فنية حقيقية وصفها لاحقاً بـ“الكون الإبداعي“، إذ كان والده على صلة بأسماء بارزة في الفن السويدي مثل يان لوف ولاس هيلرسبرغ. ورغم هذا المناخ الفني، يبدو أن أول عوالم صالح كان الشارع، وتحديداً الجدران.
طفل يرسم للتاريخ
في عام 1989، كان الشاب ذو الـ17 عاماً أحد الذين رسموا جدارية “Fascinate” الشهيرة في منطقة برومستن، والتي تُعد اليوم من أوائل وأشهر جداريات الغرافيتي في السويد. قال صالح عن محاولات إزالة الجدارية عبر السنين:” ما يدهشني أنها صمدت أمام كل الضغوط لإزالتها.”
من الصحافة… إلى السينما
لم يدرس صالح الإعلام بسبب تدني علاماته، لكنه اقتحم عالم الصحافة من بوابة مصر، حيث أسّس مع أصدقاء لوالده مجلة Alive، قبل أن تُباع لاحقاً وتُغلق. كان ذلك أول احتكاك مباشر له بالعمل الصحافي التحريري، قبل أن يشق طريقه تدريجياً نحو الإخراج.
السينما… عالمه الأوسع
قدّم صالح في مشواره المهني أعمالاً متنوّعة، من الوثائقي إلى الروائي، ومن الرسوم المتحركة إلى الدراما السياسية مثل:
- Sacrificio (2001) — التضحية
- Gitmo (2006) — غوانتانامو
- Metropia (2009) — ميتروبيا
- Tommy (2014) — تومي
- The Nile Hilton Incident (2017) — حادث فندق النيل هيلتون
- The Contractor (2022) — المتعاقد
- Boy From Heaven (2022) — صبي من الجنة
- Eagles of the Republic (2025) — نسور الجمهورية
وعند عودته من مهرجان كان 2025، قال عن فيلمه الأخير:
“صنعت تماماً الفيلم الذي أردته دون أي تنازل.”
جوائز صنعت بصمته
حقّق صالح حضوراً عالمياً عبر جوائز مرموقة، منها:
- جائزة لجنة التحكيم في مهرجان صندانس 2017 عن حادث النيل هيلتون
- جائزة الخنفسة الذهبية لأفضل فيلم 2018 – ستوكهولم
- جائزة أفضل سيناريو في مهرجان كان 2022 عن صبي من الجنة
- جائزة الخنفسة الذهبية لأفضل سيناريو 2023
- جائزة الثقافة من صحيفة داغنز نيهيتر 2023
العائلة والجذور
لم تتردد أسماء والديه كثيراً في الإعلام هنا في السويد، لكنه أوضح في بعض الأحاديث للصحافة الفنية أن والدته سويدية من سودرتاليا، ووالده فنان مصري من دلتا النيل، وقد أشار أيضاً في مناسبات عدة إلى أنه نشأ مع شقيق أصغر منه.
،الحياة الخاصة… شريكته وأطفاله
ووفق معلومات صحفية يرتبط طارق صالح بعلاقة مع فريدا فرانتزن (Frida Franzén)، وهي علاقة شراكة/مساكنة، وليست زواجاً رسمياً على ما يعتقد، وهو زواج على أية حال يتناسب مع خروجه الدائم والمتكرر في حياته عن القوالب النمطية، ولديهما ابنتان هما: ألبا وبيلي. وقد قال في وقت سابق إنه لا يحب البقاء بعيداً عن أسرته لفترات طويلة خلال التصوير:” لا أريد أن أبتعد عن عائلتي مجدداً بهذا الشكل.”
عودة تلفزيونية لافتة
ومن المتوقع أن يشارك صالح في موسم 2025–2026 في برنامج “تلفزيوني” إلى جانب الصحافية إيكا يوهانسون، وهو ظهور ينتظره جمهور واسع في السويد.
قصة طارق صالح ليست مجرد سيرة لمخرج ناجح في بلد يعيش ويعمل فيه بعض أساطير الفن السابع، بل حكاية مبدع تقلب بين نيران ثقافتين، واشتغل على الحافة دائماً: حافة الفن، والسياسة، والتمرد على القوالب السائدة.
بهذا المعنى لم يكن طارق صالح مجرد فتى قادم من ثقافتين يطارد حلمه عبر نثر الألوان على جدران ضاحية سويدية، بل كان يحمل في داخله شرارة عصيّة على الانطفاء. فبينما كان الآخرون يرون في الغرافيتي “فوضى”، كان صالح يرى فيه نافذة إلى عالم أكبر، عالم يستطيع أن يقول فيه الحقيقة من دون أن يعتذر.
بعد ثلاثة عقود، صار ذلك الفتى مخرجاً يقتحم أسئلة السلطة والدين والهوية بحكم الفضاء المتاح له في بلد مثل السويد، ويصعد بأفلامه من مهرجان إلى مهرجان، ليعود بجائزة لا تُمنح إلا لمن يملكون عيناً ترى ما وراء المشهد.
هذه ليست سيرة مخرج فحسب، إنها حكاية فنان لم يتخلَّ أبداً عن صوته، بل جعله أعلى، أعمق، وأقرب إلى الناس–من جدارية في شارع مغمور، إلى شاشة عالمية تحتفي به وبأفلامه.
