في روايتها الأحدث The Colony، تقدّم الكاتبة والموسيقية السويدية آنّيكا نورلين رؤية أدبية حادّة عن هشاشة الإنسان المعاصر حين ينهكه إيقاع المدن، ويُفقده الإحساس بمعنى الوجود. بعد نجاح الرواية في السويد بعنوان Stacken، تأتي النسخة الإنجليزية لتوسّع حضورها عالمياً، مؤكدة أن تجربة Norlin قد تجاوزت حدود الأغنية لتصبح واحدة من الأصوات الروائية الأكثر إثارة في الأدب الاسكندنافي اليوم.
امرأة تهرب من العالم… لتصطدم بحقيقتها
بطلة الرواية “إميلي” تصل إلى حافة الانهيار النفسي. العمل، العلاقات، الضغوط المتراكمة-كل شيء يدفعها إلى ترك حياتها السابقة والانضمام إلى “المستعمرة”، وهي جماعة تعيش في الغابة وفق مبادئ الحرية والتشاركية والخروج من النظام الاستهلاكي.
لكن Norlin لا تقدّم “يوتوبيا” بديلة. فداخل هذه الجماعة يظهر توتر جديد: هشاشة الروابط البشرية، صراع السلطة، وتشكّل قوالب اجتماعية جديدة حتى داخل بيئة تدّعي التحرّر. وهنا تكمن براعة الرواية: إننا لا نستطيع الفرار من العالم… لأن العالم يسكن داخلنا.
أسلوب كتابة يتنفس الموسيقى
تكتب Norlin بجُمل قصيرة ونبرة حسّاسة تُذكّر بقصائدها وأغانيها الشهيرة. اللغة تبدو بسيطة، لكنها تُخفي في طياتها نقداً اجتماعياً ذكياً. فالرواية ليست عن “مجتمع بديل” فحسب، بل عن محاولة يائسة للعثور على إيقاع بشري مختلف.
هذا المزج بين الشعرية والخبرة الحياتية هو ما جعل الرواية ترشَّح لجوائز أدبية خارج السويد، وتصبح محط اهتمام قرّاء يبحثون عن الأدب الذي يعالج القلق الوجودي المعاصر.
قد يسائل البعض لماذا تستحق الرواية القراءة وبنفس الوقت يمكنه الإجابة تلقائياً:
- لأنها تكشف آليات الإرهاق النفسي في العصر الحديث بصدق مؤلم.
- لأنها تطرح سؤالاً كبيراً: هل يمكن للإنسان إعادة اختراع ذاته خارج المجتمع؟
- ولأنها تفتح نافذة على الأدب السويدي الجديد الذي يجمع بين الحساسية الداخلية والنقد الاجتماعي العميق.
خلاصة
The Colony ليست مجرد رحلة إلى الغابة، بل رحلة إلى الداخل-إلى أكثر المناطق انكساراً وصدقاً في النفس البشرية. إنه عمل روائي يلمس واقعنا الحديث، ويلتقط ذلك الشعور الخفي الذي يسكن الكثيرين: رغبةٌ في الهروب… ثم اكتشاف أن الهروب ليس حلاً، بل خطوة أولى لفهم الذات.
مقتطفات من مقابلة Annika Norlin حول روايتها The Colony
*ما الذي ألهمك لكتابة هذه الرواية؟
**قبل عدة سنوات، وجدت مطبخي ممتلئاً بمجموعات كبيرة من النمل الأسود. كان المشهد كابوسياً. شعرت أنني فقدت السيطرة تماماً. لكن ما أثار دهشتي هو أنهم كانوا يتحركون ككيان واحد، كمنظومة كاملة. عندها فكرت: لو أن كائناً آخر نظر إلينا نحن البشر، هل سيرانا بالطريقة نفسها؟”.
وتضيف: من هنا جاءت الفكرة الأساسية: هل نحن مجرد أفراد يعيشون داخل مستعمرة بشرية ضخمة؟ وهل نستطيع أن نرى أنفسنا من خارج هذا النظام؟”.
*أي شخصية كانت الأقرب إليك أثناء الكتابة؟
**حاولت أن أضع جزءاً مني في كل شخصية، لكن إن كان عليّ اختيار واحدة، فربما يكون ’جوزيف‘. هو شخص يحاول نشر السلام بين الجميع، رغم معرفته بأن الصراعات لا مفر منها”.
الكتابة عن ’آغني‘ كانت ممتعة جداً، بينما كانت ’سارا‘ — زعيمة المجموعة-الأصعب، لأنها معقدة وغير قابلة للفهم الكامل. كنت أحتاج إلى الاقتراب منها بحذر كل مرة”.
*لماذا ينجذب الناس اليوم إلى فكرة ’المجتمعات البديلة‘؟
**هناك شيء جذاب للغاية في العيش الجماعي: إنّه أرخص، وهناك دعم متبادل، وإحساس بأنك لست وحدك. كثير من الثقافات عاشت بهذا الشكل طويلًا — فلماذا لا نفكر نحن أيضًا في ذلك؟”
وتضيف بابتسامة:
“خلال الكتابة كانت تدور في رأسي دائمًا أغنية U2 ’With or Without You‘. العلاقة بين الفرد والجماعة في الرواية تشبه الأغنية: لا يمكنك أن تعيش معهم… ولا يمكنك أن تعيش بدونهم.”
