قبل أيام، أعاد التلفزيون السويدي بثّ فيلم (عصابة سراييفو) للمخرج الوثائقي السويدي الكبير إيريك غانديني -ذلك العمل الذي وُلد في قلب حصار سراييفو عام 1994، ووثّق لحظات باهظة من الفقد والقسوة والنجاة، جعلته فيلماً عن شبابٍ يحاولون التشبّث بالحياة وسط مدينة تُقصف بلا رحمة، ويعود اليوم ليكتسب معنًى مضاعفًا وصادمًا، بعدما انفجرت في البوسنة فضيحة من العيار الثقيل: (رحلات سفاري بشرية) تُنظَّم لأثرياء أجانب غربيين يأتون كالسيَّاح ليمارسوا على البشر ما يمارس الصياد على الطرائد. ما كان يبدو في فيلم غانديني لوحة عن وحشية الحرب أصبح مرآةً لمرحلة أعمق من الانحطاط: ليست الغلبة هنا لآلة القتل الحربية وحدها، بل لذهنية تستبيح إنسانية الآخرين كمتعة تُشترى بالمال.
الفيلم، بقدر ما يعرض ذاكرةً خاصة بصبيةٍ تحوّلوا إلى شهود وناجين، يضع المشاهد أمام سؤالٍ حادّ: كيف تنتقل ثقافة العنف من ساحة معارك معلنة إلى سوقٍ سريّ يُسوّق مقتل البشر كمنتج للترفيه؟ وهل يمكن أن يُفهم ذلك بمعزل عن تركيبات السلطات الغاشمة، عن شبكات الفساد، وعن عودة أشباح صراعات الماضي إلى سياقات جديدة تتخذ هيئة السلع والرحلات السياحية؟
هنا تتقاطع البُنى: هشاشة الإنسان وانحنائه على غرائزه البدائية عند أول منعطف، توافر السلاح والاتّجار به، انهيار شروط الحماية للفئات المهمّشة، ورأس المال العالمي المتوحش الباحث عن الإثارة بلا حدود أخلاقية. غانديني لم يكتفِ بتصوير وجوه الحرب وحسب، بل أبدى حسّاً مبكراً بأن الآثار النفسية والاجتماعية لتلك الحرب ستبقى قابلة للاستغلال بطرق لم يتخيّلها أحد. واليوم، بعد الكشف الفاضح، يبدو فيلمه أكثر إلحاحاً: ليس فقط كشهادة على ما حصل، بل كنداء مبكّر للوعي بالكارثة التي حصلت وتتجدَّد في أمكنة أخرى: غزة على سبيل المثال.
إن إعادة بث (عصابة سراييفو) في هذا التوقيت ليست مجرّد استعادة للذاكرة السينمائية. إنها إنذار ثقافي وأخلاقي: تذكير بأن حماية كرامة الإنسان لا تُقام على توليد الحنين إلى الماضي وحده، من أجل عكسه في قوانين مبسترة ينتجها القوي لا تحمي الضعفاء، بل على يقظةٍ قانونية ومدنية وأخلاقية وإنسانية تمنع أن يتحوّل الفقر والضعف إلى سلعة تُباع في أسواق الدم والدعارة الأخلاقية. هنا قراءة في هذا الفيلم:
استعاد التلفزيون السويدي أول فيلم وثائقي للمخرج المعروف ايريك غانديني. ومن السهولة الآن عمل مقارنة مع أفلامه الأخرى لمعرفة حال النضج التي وصل إليها هذا المخرج الموهوب. لن يكون عسيراً تلمس الفارق في مستويات أفلامه، لو تمَّ استدعاء بعضها الأخير على سبيل المثال. لكن هنا ليس مجال المقارنة بالطبع، ففيلمه المقصود (عصابة سراييفو ) 1994 تدور أحداثه في العاصمة البوسنية سراييفو، وهو اختيار ذكي باعتبار أنها شكلّت رمزاً لتوحيد الشرق والغرب ، وإذ بها تتحوّل إلى لطخة عار في جبين القارة العجوز حين نعلم أن 100 ألف بوسني قتل إبان الحرب في البوسنة والهرسك وجرى تهجير أكثر من مليونين في الأعوام 1992 – 1995 في حصار موجع وطويل.
ليس نزول المخرج الى شوارع العاصمة، ولقائه مع أبطال فيلمه (ليلى سينغيتش، إنس زلاتار، فارس آرابوفيتش، آسيا هافيتز ونيبويشا سيريش) في المقاهي والمطاعم وأماكن التزلج القريبة من عيون القناصين ذي طابع استعراضي من خلال لقطات المتابعة الطويلة التي يقوم بها على أصوات دوي المدافع وسقوط قذائف الهاون في الأحياء، كما في كل الحروب الأهلية التي ساهمت التلفزة بتغطيتها في أماكن متفرقة في العصر الحديث. هذه اللقطات بمعنى ما تشكل من باب الاحتراف ” درر” الفيلم الوثائقي في محاولة تعريف هذا النوع من الارتجال البصري والمكثّف الذي تتيحه الحرب لصنّاع الأفلام. ليس الأمر كذلك بالطبع، وان حسم الأمر نظرياً على الأقل، إذ تظل هذه اللقطات تحمل طابعاً أخلاقياً تارة، وتارة طابعاً فنياً، وان لم يكن الأمر اشكالياً إلى هذا الحدّْ ويمس الفن السينمائي عموماً.
الدمار الذي يعيد الفيلم إنتاجه بصرياً يعتمد على ذاكرة خمسة أصدقاء يبدأون الحديث عن مأساة البوسنة والهرسك ليلة العام الجديد 1994. من الاحتفال الذي يضم هؤلاء الفتيان في عتمة الحرب سوف يتردد صدى التفسخ الإثني الذي تعيشه البلاد بعد أن اتُخذ قرار الاستقلال. الفتيان الخمسة من قوميات مختلفة، عاشوا تحت مظلة يوغسلافيا الموّحدة قبل أن تدركهم الحرب ومعصياتها. لكنهم سيواصلون الاحتفال معاً. ليلى سويدية من أصل بوسني سوف تكون بمثابة محرك البحث في ذاكرة مشتتة قوامها ذكريات قريبة أمكن المخرج غانديني أن يعيد توظيفها في سياق تركيب الفيلم، بنهجه الحكائي المتماسك إلى أبعد حدّْ، وسوف ننتظر بعض الوقت حتى يتضح معنى ذلك في أفلامه الأخرى مثل ( غوانتانامو ) أو (شر الشرور).
المقاتل الشاب نيبويشا سيريش الذي يعشق الموسيقى والغناء وفقد دراسته بنتيجة الحرب، وتحوّل إلى مجند في القوات البوسنية سوف يقود الفيلم في منحى مختلف حين يتردد على مبنى كلية الفنون المدمر تدميراً كاملاً. هنا يسقط في أيدي هؤلاء الفتيان الذين يتخذون من المبنى رمزاً لسيادة أعمارهم الفتية على حرب بشعة يتخبَّط فيها الجميع، ويسقط فيها الجميع. يقول سيريش حين تزأر طائرات الناتو في الليل، وهي تنفذ طلعات جوية وعمليات قصف لقوات صرب البوسنة التي غيَّرت شاراتها فقط، وكأن البشر مجرد شارات ثابتة أو متغيّرة، ولا وجود لهم من دونها.
أهمية الفيلم يدركها الشبان قبل غيرهم. ويثبت المخرج غانديني هنا أهمية المعايشة التي تفرضها السينما الوثائقية إذ لم يغرق في مواد مصوّرة، ويعيد تركيبها على طاولات مونتاج بعيدة. عدسة متمعنة تتيح التعمق بآليات التفسخ الذي يطال الطوائف والإثنيات التي تشارك به في احتفاليات موحدة لا تنهيه الموسيقى، ولا يسلبه الغناء المشترك: يقول فارس آرابوفيتش عنها على أطلال مستشفى المدينة إنها بمثابة بحث موَّسع عن إمكانية النجاة بعيداً عن جحيم البلاد الغارقة في آتون الحرب، وهذا يعني أن تفكيك هذه الشارات المجتمعية سيصل مدى أبعد مما يفكرون. لن يظل شيئا على حاله في الأبنية التي تشكل خطاً روائياً في الفيلم، وسيبرز هنا ذلك العنوان ليشكّل أحجية من نوع ما (رايا سراييفو) قد تعني بحسب ما ينبّه المخرج السويدي ايريك غانديني في شارة البداية إن (رايا) قد تعني باللغة السويدية: جماعة، أصدقاء، زملاء، عصابة.
