قام الفريق الثقافي في صحيفة (سيد سفينسكان) المؤلف من عشرة محررين بعمل جردة ثقافية لأفضل الكتب التي صدرت في السويد في 2025، وقدّم للقارئ السويدي حوالي 30 نصيحة لاختيار كتب يمكن تغليفها بورق لامع ووضعها تحت شجرة عيد الميلاد بوصفها هدية شخصية ملهمة، وكان لافتاً أن يكون كتاب (عائد إلى حيفا) للكاتب الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني من بين هذه الهدايا القادرة على الحفر الجميل في الذاكرة الإنسانية.
ففي لحظة فارقة ومفصلية يعود فيها الأدب ليضيء ما تعتمه السياسة، إذ تصدر في السويد طبعة جديدة من أعمال غسان كنفاني. يجمع هذا الكتاب بين ثلاث من أهم قصصه التي شكّلت وعي أجيال كاملة حول معنى الوطن والمنفى والذاكرة. وبترجمتها إلى السويدية، تُفتح نافذة جديدة أمام القارئ الإسكندنافي للتعرّف على الأدب الفلسطيني من موقعه الأصلي، بعيدًاً عن الصور المختزَلة. إنها عودة إلى كنفاني… وعودة إلى سؤال الإنسان الأول: كيف يصنع المنفى ملامحنا؟ وكيف نعيد قراءة الماضي ونحن نحمل مستقبلًاً غارقاً في الأسئلة؟
لاشك أنها خطوة لافتة تعكس تنامي الاهتمام بالأدب الفلسطيني في أوروبا الشمالية، فقد أصدرت دار النشر السويدية Bokförlaget Tranan في صيف 2025 طبعة جديدة تضم ثلاثاً من أبرز أعمال الكاتب الفلسطيني الراحل، أحد أهم الأصوات الأدبية في القرن العشرين. المجموعة التي تحمل عنوان Tillbaka till Haifa och andra berättelser från Palestina («عائد إلى حيفا وقصص أخرى من فلسطين») جاءت بترجمة السويديين Marie Anell و Ingvar Rydberg، ومع مقدمة للروائية الفلسطينية عدنية شبلي.
يمثّل هذا الإصدار حدثاً ثقافياً خاصاً، ليس فقط لأنه يضع القارئ السويدي أمام واحد من أهم كتّاب القضية الفلسطينية، بل لأنه يأتي في لحظة سياسية وإنسانية حساسة، حيث يتزايد النقاش حول العدالة والذاكرة والهوية والتهجير.
رجال في الشمس: صرخة الفلسطيني المقموع
تُعد «رجال في الشمس» (Män i solen) واحدة من أشهر قصص كنفاني وأكثرها حضوراً في الأدب العربي. تحكي القصة عن ثلاثة رجال يحاولون عبور الصحراء خلسة بحثاً عن حياة أفضل، قبل أن تنتهي رحلتهم بشكل مأساوي داخل خزان شاحنة مغلقة.
في السويد، تلقّى النقاد هذا النص بوصفه “حكاية وجودية تُشبه الأدب النرويجي والسويدي في لغتها المكثفة ورمزيتها”. يرى نقاد الثقافة هنا أن القصة تكشف عن ثيمة الصمت، العار، والقمع السياسي، وتطرح سؤالاً صادماً: لماذا لم يطرق الرجال جدران الخزان؟ سؤالٌ تحوّل إلى استعارة كبرى لغياب الصوت الفلسطيني في العالم.
الترجمة السويدية جاءت سلسة ودقيقة، مع الحفاظ على نبرة كنفاني المتوترة والإنسانية، ما يجعل النص قريباً من القارئ الشمالـي رغم اختلاف الخلفيات.
ما تبقّى لكم: مواجهة الذات والقدر
القصة الثانية «ما تبقّى لكم» (Det som finns kvar åt er) تُظهر جانباً مختلفاً من تجربة كنفاني الأدبية. فهي ليست قصة صراع مباشر مع الاحتلال، بل قصة صراع مع الذات، والذاكرة، والخطيئة، ومحاولة الخروج من الظلال الثقيلة للحياة في المنفى.
يمزج النص بين سرد واقعي وآخر تجريبي، حيث تتوازى صحراء فلسطين القاسية مع صحراء نفسية يعيشها البطل. وقد وصفت إحدى المراجعات السويدية هذا النص بأنه “أقرب ما يكون إلى قصيدة طويلة مكتوبة بنثر متوتّر”، وأنه يعكس قدرة كنفاني على تجاوز النضال السياسي نحو الأسئلة الإنسانية العميقة.
تمنح الترجمة السويدية النص إيقاعاً هادئاً، ما يسمح للقارئ بملاحظة تفاصيل العاطفة المكسورة التي تميّز القصة.
عائد إلى حيفا: دراما الهوية والذاكرة
أما العمل الأكثر شهرة وتأثيراً في المجموعة فهو «عائد إلى حيفا» (Tillbaka till Haifa). هنا يعود زوجان فلسطينيان إلى بيتهما في حيفا بعد عشرين عاماً، ليكتشفا مصير ابنهما الذي تركاه في لحظة الهروب عام 1948، ويجدا أنه أصبح جندياً في الجيش الإسرائيلي ربّته عائلة يهودية.
قليل من النصوص العربية بلغ هذه الدرجة من الجرأة في طرح أسئلة الهوية، والانتماء، والخسارة، والذاكرة، وتحويلها إلى صراع إنساني قبل أن يكون سياسياً.
تستقبل الصحافة السويدية هذا النص اليوم باعتباره “من أكثر الأعمال قدرة على تفسير جذور الصراع للقارئ الإسكندنافي”، لأنه يعرض الصدمات المتبادلة بين (الشعبين) في إطار قصصي مكثّف وخالٍ من الخطابة.
وقد أكدت دار النشر في تقديمها للكتاب أن أعمال كنفاني “لا تُقرأ كتاريخ سياسي فقط، بل كنصوص إنسانية عالمية”. وهذا أحد أسباب إعادة نشرها اليوم في السويد، حيث يتزايد الاهتمام بقصص اللجوء والهوية في مجتمع متعدد الثقافات مثل غوتنبرغ ومالمو وستوكهولم.
تقدّم هذه الطبعة للقارئ السويدي فرصة لفهم التجربة الفلسطينية من داخلها، ومن خلال الأدب لا من خلال التقارير الإخبارية. كما تمنح العرب المقيمين في السويد مجالاً لفخر ثقافي، ورؤية أعمالهم الكلاسيكية تُترجم وتوزع في المكتبات الكبرى مثل Adlibris وAkademibokhandeln.
عودة كنفاني… إلى السويد
يمثّل هذا الإصدار خطوة مهمة في جسْر الهوّة الأدبية بين الثقافة العربية والثقافة الاسكندنافية. فكنفاني، رغم رحيله المبكر، ما زال يقدم نصوصاً تنبض بالحقيقة، وتفتح باب الحوار بين الشعوب. وترجمة أعماله إلى السويدية ليست مجرّد فعل ثقافي، بل فعل مقاومة للغياب والنسيان، وفرصة لعرض رواية فلسطينية أصيلة أمام قارئ جديد.
