في الدنمارك، وفي مدينة نوشوبينغ مورس، وفي سنة 1933م تحديداً، صدرت رواية مطبوعة بعنوان: «لاجئ يغادر خطواته» لكاتب دانماركي اسمه آكسل ساندموسه (1898 – 1965م) قضى معظم سِنِي حياته لاحقاً في النرويج بسبب أن أمه كانت نرويجية، وهو الذي استطاع أن يبني في روايته معادلاً فنيّاً وأدبيّاً لمدينته التي نشأ وترعرع فيها، وأطلق عليها «يانته لاند»، وفي هذه المدينة المتخيَّلة التي تحوّلت إلى متنفس شخصي أيضاً للكاتب نفسه الذي اخترع بطلاً موازياً يمقت الناس الذين لا همَّ لهم سوى إشعار الآخر بالإحباط، ويغادرها على أمل صلاحهم في يوم ما، ولكنه يخط وراءه سلسلة من الوصايا الشبيهة بالوصايا العشر، لكنها لا تحمل أبعاداً دينية من أي نوع، إنما مجرد وصايا يمكنها أن تنظم حياة مجتمع بشري بتكافلية أكبر، وتعاضد أمتن، حتى يتمكن الفرد ببساطة من أن يقوم بالابتكار، والبحث الدؤوب عما يمكن من إفادة بناء المجتمع الذي ينتمي إليه، وكلما زادت البساطة في التعبير عن المضمون؛ تقارب الناس بعضهم من بعض، وخفتت حِدَّة الحسد والغيرة، وقويت هذه المجتمعات، واشتد عودها التكاملي من الداخل.
جوهر قانون يانته
يقوم قانون يانته على فكرة مركزية مفادها كبح الفردانية المتعالية لصالح الجماعة، عبر رفض التفاخر، الادعاء بالتفوق، أو اعتبار الذات أكثر أهمية من الآخرين. في سياقه التاريخي، شكّل هذا القانون ردّاً ثقافياً على الفوارق الطبقية، وساهم في بناء مجتمعات تتسم بالمساواة، التواضع، والثقة المتبادلة. وهو ما انعكس بوضوح على نماذج دولة الرفاه، أنماط القيادة غير الاستعراضية، وحتى الذوق العام في الاستهلاك والتصميم.
مقارنة مع الثقافات الفردانية
عند مقارنته بالثقافات الأنغلوساكسونية أو النيوليبرالية المعاصرة، يظهر التناقض جلياً. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تُعدّ الفردانية، إبراز النجاح، وبناء “العلامة الشخصية” قيماً إيجابية ومطلوبة. أما في السياق الإسكندنافي التقليدي، فإن النجاح يُفترض أن يكون هادئاً، غير استعراضي، ومندمجاً في الصالح العام.
هذا الاختلاف أنتج توتراً ثقافياً متزايداً، خصوصاً مع صعود نجم وسائل التواصل الاجتماعي التي تكافئ الظهور، التفرد، والتميّز الصاخب.
قانون يانته في عصر العولمة
العولمة، بثقلها الاقتصادي والثقافي، فرضت أنماطاً جديدة من السلوك الاستهلاكي والرمزي. لم يعد ممكناً عزل المجتمعات الإسكندنافية عن خطاب “النجاح الفردي”، “الإنجاز الشخصي”، و”التأثير الرقمي”. وهنا بدأ قانون يانته يتعرض لإعادة تفسير: لم يعد يُنظر إليه فقط كقيمة أخلاقية، بل أحياناً كعائق أمام الابتكار، أو كآلية ضغط اجتماعي تكبح الطموح، خصوصاً لدى الأجيال الشابة والمهاجرين.
قانون يانته و الأخلاق الجماعية
لا يمكن النظر اليوم إلى قانون يانته بوصفه مجرد أثر أدبي عابر أو وصايا أخلاقية ولدت في سياق محلي مغلق، بل هو أحد أكثر النماذج الثقافية تعبيراً عن العقل الجمعي الإسكندنافي، وعن الطريقة التي سعت بها مجتمعات الشمال الأوروبي إلى حماية تماسكها الداخلي في مواجهة الفردانية المتطرفة، قبل أن يصبح هذا المصطلح شائعاً في الخطاب المعاصر.
لقد نشأ قانون يانته في زمن كانت فيه المجتمعات الزراعية والصناعية الصغيرة بحاجة ماسّة إلى الانسجام الاجتماعي أكثر من حاجتها إلى البطولة الفردية. كان الخوف الأكبر هو أن يتحوّل التميز إلى أداة تفكك، وأن يتحوّل الطموح الفردي إلى نوع من التعالي الطبقي أو الرمزي. من هنا جاءت الوصايا العشر القاسية في ظاهرها، الرحيمـة في باطنها: لا تكن أعلى من الجماعة، ولا تجعل ذاتك مركز الكون.
لكن السؤال الجوهري اليوم لم يعد: ما هو قانون يانته؟ بل: هل لا يزال ممكناً؟ وهل ما زال مرغوباً؟
من مجتمع البساطة إلى اقتصاد الصورة
العالم الذي وُلد فيه قانون يانته لم يعد قائماً. نحن نعيش اليوم في زمن اقتصاد الانتباه، حيث تُقاس القيمة بعدد المتابعين، وتُمنح الشرعية بالصورة، ويُكافأ الفرد على خروجه عن السرب لا على اندماجه فيه. وسائل التواصل الاجتماعي نسفت عملياً واحدة من الركائز الأساسية ليانته: التواضع غير المُعلن.
في الفضاء الرقمي، من لا يعلن عن نفسه يُمحى، ومن لا يضخّم إنجازه يُهمَّش، ومن لا يصنع “علامته الشخصية” يُعتبر فاشلًا. هنا يصطدم قانون يانته بجدار صلب: كيف تطلب من جيل نشأ على ثقافة الـ (تسويق الذاتي) ألا يعتقد أنه مميز؟ وكيف تقنع شابًا بأن لا يبرز، في عالم لا يرى إلا البارزين؟
هل يانته عدو للابتكار؟
لطالما وُجّه إلى قانون يانته اتهام جاهز: أنه يقتل الطموح، ويكبح الإبداع، ويصنع أفراداً متشابهين. لكن التجربة الإسكندنافية تكشف مفارقة لافتة: هذه المجتمعات التي يُفترض أنها “تخنق التميز“، أنتجت:
- أقوى أنظمة رفاه اجتماعي
- أكثر البيئات تشجيعاً للبحث العلمي
- شركات عالمية عملاقة (إيكيا، سبوتيفاي، إريكسون…)
الفرق هنا أن التميز لم يُبنَ على الاستعراض، بل على الكفاءة، ولم يُسَوَّق كإنجاز فردي معزول، بل كنجاح جماعي.
بهذا المعنى يانته لم يكن يوماً ضد الإبداع، بل ضد الغرور، وضد تحويل النجاح إلى أداة لإذلال الآخرين.
التصدعات الحديثة: الهجرة، التعددية، والعالم المفتوح
اليوم، تواجه دول الشمال تحدياً وجودياً جديداً: مجتمعات لم تعد متجانسة ثقافياً. أجيال جديدة لا تحمل الذاكرة القيمية نفسها، وسكاناً قادمين من ثقافات ترى في التميز الفردي فضيلة لا خطيئة. هنا يفقد قانون يانته صفته غير المكتوبة، لأنه لم يعد بديهياً، ولأن القيم التي لا تُشرح ولا تُناقش تتحوّل مع الوقت إلى سلطة صامتة قد تُساء قراءتها.
بالنسبة للبعض، صار يانته:
- أداة كبح اجتماعي
- أو قناعاً يخفي النفور من النجاح
- أو شكلاً ناعماً من الرقابة الأخلاقية
وهذا ما يهدد باندثاره، لا بوصفه فكرة، بل بوصفه مرجعية مُسلَّماً بها.
والسؤال الذي يفرض نفسه هل يمكن لقانون يانته أن يصمد؟ ربما تكون الإجابة الواقعية كالتالي: ليس بصيغته الأصلية. لكن هذا لا يعني نهايته. قانون يانته، كي يستمر، قد يحتاج إلى إعادة تأويل لا إلى تمجيد نوستالجي.
يحتاج إلى أن يتحوّل من: “لا تعتقد أنك أفضل منّا” إلى: “كن أفضل… دون أن تنسى الآخرين“، ومن: “لا تبرز” إلى: “ابرز، لكن لا تُقصِ غيرك“. إذا نجح في ذلك، فقد يصبح نموذجاً أخلاقياً عالمياً في زمن الانقسام، لا مجرد أثر أدبي يُدرّس في الجامعات.
يانته كمرآة لا كقيد
ربما لم يعد قانون يانته صالحاً كـ وصايا تُفرض، لكنه ما زال صالحًا كـ مرآة أخلاقية. مرآة تذكّرنا بأن المجتمعات لا تُبنى فقط بالنجوم، بل بالثقة، ولا تزدهر فقط بالطموح، بل بالعدالة الرمزية. ففي عالم يركض نحو الفردانية القصوى المتطرفة، قد يكون السؤال الحقيقي ليس: هل سيبقى قانون يانته؟ بل: ماذا سيحدث للعالم إن اختفى تماماً؟ حقاً إنه سؤال مؤرق، ونحن نرى انفلات العقل وتطرفه في أكثر من مكان في هذا العالم!!!
