“لا تُثير غزة اهتمام العالم الخارجي إلا عندما تسيل الدماء”، هكذا كتبت لوتا شولركفيست عند صدور (أسرار مارنا هاوس-حكايات من غزة) لأول مرة عام 2010. لكن هذا الكتاب ليس عن غزة التي تتصدّر نشرات الأخبار؛ بل عن غزة الأخرى، غير المرئية، التي لا تظهر في الصور الدرامية ولا في فوضى العناوين العاجلة. (أسرار مارنا هاوس) شهادة إنسانية عن مدينة قبل الحرب المدمّرة الأخيرة، رواية تتتبع تاريخ غزة وتضع الحرب في سياقها، وتروي يوميات أبنائها، أحلامهم، وخيباتهم، وما يبقونه حيّاً رغم كل شيء.
تتوغل لوتا شولركفيست في بيت مارنا، الفندق العتيق الذي كان أبو منير يقدّم فيه الإفطار كل صباح، بعد أربعة وستين عاماً من العمل بين جدرانه. هناك، في مقهى حديقته، كان الغزيون—سياسيون، طلاب، مغنّو راب وغيرهم—يلتقون لتدخين الشيشة، أو تبادل أحاديث العمل، أو مشاهدة مباريات كرة القدم. كان المكان يشبه غزة نفسها: نابضاً بالحياة رغم ثقل الواقع.
في هذه الطبعة الجديدة، تعود شولركفيست إلى غزة عبر مقدّمة مستحدثة وفصل ختامي جديد، تحاول فيهما تتبّع أثر الأشخاص الذين قابلتهم قبل خمسة عشر عاماً، بحثاً عمّن بقي، وذكرى من رحل، وما تغيّر وما ظلّ كما هو.
وقد قدّمت الكاتبة مساء الأمس الخميس الطبعة العربية للجمهور في لقاء خاص رفقة المترجم، الشاعر الفلسطيني وليد الهليس في بيت الشعب – همّاركوللين، حيث دار نقاش حيّ حول ذكرياتهما المشتركة في رحلة الكتابة والترجمة، وعن صعوبة الإمساك بالحياة اليومية في غزة من دون الوقوع في فخّ المبالغة أو الاستسهال. تحدّثا عن الأشخاص الذين شكّلوا روح الكتاب، وعن اللحظات الصغيرة التي صنعت سرداً لا يُنسى، وبخاصة أن الهليس عاش أربعين يوماً من الحرب قبل أن يعود إلى السويد.
