متلازمة ستوكهولم ظاهرة نفسانية يكون الضحايا فيها مرتبطين عاطفياً بمن يمارس العنف عليهم ويميلون للدفاع عنهم. إنها آلية البقاء التي يستخدمها الضحايا دون علمهم عن طريق التماهي مع المعتدي في محاولة إنقاذ أنفسهم.
ظهر مصطلح متلازمة ستوكهولم لأول مرة بعد حادثة وقعت في مصرف ائتماني في العاصمة السويدية ستوكهولم سنة 1973، عندما قام مسلحان بالسطو على البنك، وأخذ أربع رهائن من زبائنه مدة ستة أيام، وعندما أطلقا سراحهم قاموا من تلقاء أنفسهم بالدفاع عن اللصين حتى أن أحد الرهائن قام في وقت لاحق بتوكيل محام لهما في المحكمة، وتوَّلى تسديد تكاليف المحامين.
بالطبع هناك بعض المتطلبات الأساسية لتطور أعراض المتلازمة، الأول هو اعتقاد المختطفين بأن حياتهم في خطر. وأن من يقومون بالاعتداء عليهم يمكنهم أن ينهوا حياتهم في أي وقت إن لم يتعاونوا معهم. والافتراض الثاني الخطير هو إيمان الضحايا بأنهم لن يتمكنوا من النجاة مهما فعلوا. عزل الضحايا وعدم توفر المعلومات من العالم الخارجي يدفع بالرهائن لتقبّل وجهات نظر المهاجمين من زاوية عاطفية.
واحدة من الحالات الرمزية لمتلازمة ستوكهولم هي حالة ناتاشا كامبوش. في الثاني من مارس (آذار) 1998 انطلقت الصبية ذات الأعوام العشرة إلى مدرستها، ولكنها اختطفت في الطريق من قبل فولفغانغ بريكلوبيل (36 عاماً). بدأت عمليات بحث مكثفة عن الفتاة، ولكن مكان ناتاشا ظلَّ لغزاً محيراً حتى أمكن معرفته بعد ثماني سنوات من اختطافها، أي سنة 2006، وتبيَّن أن الخاطف بريكلوبيل خطط بعناية فائقة لعمليته واقتاد الفتاة إلى منزله في شتراسهوف، نصف ساعة بعيداً من العاصمة النمساوية فيينا حيث يعيش مع والديه، وكان قد أعدَّ مسبقاً غرفة مخفية في كراج منزله، وقد زودت بمروحة للهواء النقي، وأراد من ناتاشا أن تنادي عليه بلقب “الرب”، ولكنها نفت أنها قد فعلت ذلك ولو مرة واحدة.
بعد أن أمضت الفتاة ستة أشهر في زنزانتها بدأ بريكلوبيل على نحو متزايد يتركها تتنزه داخل وخارج المنزل، ومع الوقت بدأت تقرأ الكتب وتتعلَّم من خلال الاستماع للراديو..
بالرغم من تهديدات بريكلوبيل بأنه يمتلك متفجرات في قبو البيت وهي جاهزة للانفجار في أي لحظة إن هي حاولت الهرب، وضعت ناتاشا خطة للفرار من البيت في شباط 2006 بعد أن أصبح مسموحاً لها أن تغادره لفترات قصيرة. وفي 23 آب من العام نفسه تمكنت في النهاية من الهرب، وما إن أدرك بريكلوبيل إنها قد نجحت بالفعل في محاولتها حتى وضع حداً لحياته تحت عجلات القطار.
بعد حصولها على حريتها، وبدلاً من أن ينتابها الغضب أصدرت ناتاشا بياناً صحفياً قالت فيه إن “الخاطف كان جزءاً من حياتي”، وبالرغم من أنه حبسها لفترة طويلة، إلا أنه لم يحرمها من شيء، حتى أنها اكتشفت جوانب إيجابية في تجربتها: فهي لم تبدأ قط في الشرب ولم تدخن، وببقائها معه تخلصت من أصدقاء مزيفين محتملين. وذكرت الكثير من الحجج التي يسوقها الخاطفون لإقناع ضحاياهم بأنهم سيكونون أسوأ حالاً من وجودهم في الملاذ الآمن الذي يقترحونه لهم.
رفضت ناتاشا كامبوش الإجابة عن أي سؤال متعلق بالأذية التي تسبب لها بها بريكلوبيل وظلت تطلب أن يدعوها بسلام، وقالت “أشعر إنني بحالة جيدة حيث أنا الآن”. وفيما يتعلق ب “الزنزانة” التي وضبَّها لها وساعدها في تزيينها قالت:” لقد كانت غرفتي ولا يجوز أن تصبح شأناً عاماً”. وأعربت ناتاشا عن عميق حزنها بوفاته وقالت إنها لم تكن ضرورية أبداً
متلازمة ستوكهولم قد تحدث أحياناً في العلاقات الأسرية. إن المرأة التي تتعرض للإيذاء الجسدي أو العاطفي تبدأ تدريجياً بالالتصاق بالرجل الذي يعذبها. غالباً يرتبط تبريره بنقص المال أو طفولة صعبة معقدة أو ضغوط في العمل. المثال الكلاسيكي لهذه الظاهرة في الأسرة هو السلوك العدواني للرجل – طاغية على المرأة على خلفية تسامحها المطلق. يقارن علماء النفس هذا النوع من العلاقة ب “الإرهابي – الرهينة.”
تعاني المرأة بانتظام من تهديدات وعنف من جانب الرجل، ولكنها في الوقت نفسه تحمي من يقوم بإيذائها وتعنيفها ولا تطلب الطلاق، وغالباً تبرر سلوكها بعدم وجود منزل لها، والاعتماد المالي على الشريك، والخوف من النقد والإدانة من قبل الآخرين، والرغبة في تربية أطفالها في محيط أسروي مكتمل. هؤلاء النسوة يتقبلن الشيء الذي يحدث لهن وبأنهن يستحقَّقن ما يفعله بهن الرجل ويدافعن عن أعماله الوحشية أمام الأقارب والأصدقاء والمعارف. إنهن لا يعشن الخوف من العقاب، ولا يخيبن أزواجهن أبداً.
العلامات المميزة لمتلازمة ستوكهولم في العلاقات الأسرية:
*لدى الضحية شعور بالقلق الدائم من أن يكون الشخص المعتدي في الجوار، وحتى لو كانت تمتلك إمكانية الفرار منه، فإنها لا تقوم بذلك أبداً.
*الرعاية المفرطة للرجل من قبل الضحية غالباً تشبه العلاقة بين الطفل والأم.
*يشعر معظم المتضررين من العنف بالرعب من فكرة تركهم لشريكهم بالرغم من إعطائهم فرص حياة طبيعية.
*عادة لا تتوقف الضحايا عن الدفاع عن المعتدي أمام الأقارب والأهل والأصدقاء.
*غالباً تشعر النسوة الخائفات بالامتنان تجاه الرجال الذين يمارسون البلطجة عليهن، ويعتقدن بأنهن يحصلن على أكثر مما يستحقَّن.
*في متلازمة ستوكهولم تفقد الضحية الإحساس بهويتها، وغالباً تتماهى مع الجلاد، وتعاني الضحايا من إحساس دائم بعدم قدرتها على الخروج من هذه الدوَّامة مع الشعور بالعجز التام.
