حاوره – رئيس التحرير
بيتر نوبيرغ شاعر سويدي معروف، ورئيس تحرير مجلة (الشعر الجماهيري) التي رشحت لتكون أفضل مجلة ثقافية وأدبية في السويد، وأثنت على عملها الأكاديمية السويدية. عمل مدرساً للغة السويدية (معتقدات اللغة والأدب والتاريخ والأديان )، ومطوراً للأدب في مقاطعة يونشوبينغ (جنوبي السويد). يكتب ويشارك في مهرجانات الشعر المختلفة المحلية والدولية، ويمارس هواية التصوير من باب الحصول على وجهات نظر جديدة للإنسان المعاصر كما يقول.
كتب باللغة الانجليزية بعد مشاركته في مهرجان للشعر في دكا – بنغلادش بالنظر لعدم وجود ترجمات لقصائده في حينه، ثم قرر عدم الكتابة مرة أخرى بلغة أهل شكسبير، مكتفياً بالكتابة بلغته الأم.
نشر كتابين في القصة القصيرة والشعر عامي 1996 – 1997 ، كما نشر كتاباً في جزأين عن مؤلفين سويديين عاشوا حول بحيرة مشهورة في مدينته. هنا حوار معه:
*كيف ينظر بيتر نوبيرغ من موقعه الديناميكي كشاعر ومحرر لمجلة شعرية إلى خارطة الشعر السويدي المعاصر اليوم؟
** لو عدنا 5 أو 10 عشر سنوات إلى الوراء لوجدنا أن الشعر السويدي كان يتطوّر في اتجاه واحد نحو الشعر الصعب ذي الطبيعة الأكاديمية، ولكن فجأة حدث شيء أخذ يغيّر من هذه الطبيعة الصارمة، ويقلب الكثير من المفاهيم السائدة، عندما بدأ الناشرون السويديون الكبار بالترويج للفنانين وقصائدهم، أو ما أسميه هنا ب “الكلمات المنطوقة”.
الآن أعتقد أن نشر الشعر السويدي أضحى عملية متوازنة، ويتم نشره من قبل الناشرين الكبار والصغار على حد سواء، إن في وسائل الإعلام الالكترونية أو المقروءة، وقد حقق الشعر السويدي مكانة أدبية وفكرية وفنية رفيعة في مهرجانات الشعر الكثيرة التي تنتشر في السويد وخارجها.
*هناك مهرجانات كثيرة للشعر في السويد حتى تكاد لا تخلو مدينة منها. إلى أي مدى يمكن القول إن الشعر مازال يؤثر في حياة الناس؟
** هذا يعتمد بالدرجة الأولى على الكيفية التي يفكر فيها المرء. بالطبع يمكن قراءة الشعر المنشور في الكتب أساساً على هامش عمل الناشرين، وقد يكون تأثيره طفيفاً إلى حد ما، إن لم يكن هذا المرء مهتماً بهذا النوع الأدبي، ومع ذلك هناك الكثير من الرغبات والطاقات الإبداعية في السويد. كثيرون يكتبون الشعر، لأن الشكل يتطلَّب اللغة، والقليل من القوانين التي قد تكبح الكتابة، وبالرغم من أنه ليس هناك الكثير من الشعر الرائع إن صحَّ التعبير، إلا أن التعامل مع الأفكار الخاصة والصدمات النفسية في مجموعات الكتابة الخاصة مثل جماعة الشعراء الشهيرة FB التي يكتب فيها حوالي 2800 شاعر، يكون لها طرقاً ناجعة وأكثر حميمية من أولئك الذين يتكئون على الكتابة بوصفها فكراً، ولهذا أرى أن الشعر الذي لم يُنشر أبداً قد يكون أهم بكثير من الشعر المنشور.
* الفضاء الأدبي الذي نعيش فيه أصبح رهينة كل ما هو مرئي، حتى يمكننا القول إن الصورة انتصرت على اللغة. ما الذي ستفعله القصيدة في مواجهة هذا الطغيان؟
** لا أعتقد أن القصيدة لديها الكثير مما يمكنها أن تقوله في مواجهة طغيان كل ما هو مرئي، فهو أكثر مباشرة، ويتطلَّب في التلقي جهداً أقل بكثير من أولئك الذين ينوون الاستمتاع بالقصيدة. من جهة أخرى، فإن الشعر عملية معقَّدة وأكثر دقة وتطوراً من هذه الوسائط، وتتطلب إعمال فكر القارئ عبر مناشدة مجموعة صغيرة من الناس مازالت تؤمن بأنها تستمتع بالقصائد دون خجل.
* هل هناك وسائل لنشر قصائدكم غير الكتب والمجلات؟ هل ثمة حركة نشر نشطة على مواقع التواصل الاجتماعي؟
** الشعر الجماهيري كما ذكرت آنفاً يعمل بنشاط عبر “الفيس بوك” مثلاً، إذ يقوم حوالي 2800 شاعر بنشر قصائدهم في مجموعة منتظمة، ويقرأون كل ما يُنشر، ويعلقون على قصائد بعضهم البعض، ويسود بينهم شعور واسع بالإيجابية، والتشجيع على مواصلة هذا النشاط الأدبي، وقد قام العديد منهم بنشر كتبهم كنتيجة للثقة بالنفس التي اكتسبوها من المجموعة، وهذا أمر يسرّني جداً، حتى على الصعيد الشخصي.
بالطبع إلى جانب هذه المجموعة هناك مجموعات الشعر الأصغر على “الفيس بوك”، وصار من السهل على أفرادها، وكل واحد فيهم يمتلك هاتفاً نقَّالاً أن يعبّر عن عالمه الشعري بالطريقة التي يريدها، ولديه إمكانيات غير مسبوقة لإنشاء مقاطع فيديو أو مقاطع صوتية على “يوتيوب”. كما يمكن لبرنامج عادي للكتابة إنشاء كتب بصيغة pdf وتسويقها رقمياً، كما صارت القصيدة الشفاهية تحمل أبعاداً أكثر سهولة ويسراً من ذي قبل.
باختصار يمكن القول إنه ثمة إمكانات غير محدودة للنشر، ولكن المشكلة الرئيسية تكمن في أن مسارات النشر التقليدية تساعد المحررين المحترفين على معالجة هذه النصوص. أما في المسارات المختلفة، فأنت وحدك كشاعر تمضي فيها، وبالتالي ينشأ فرق كبير في الجودة بين المواد التي شهدت عملية تحرير احترافي لها، والمواد التي تأتي مباشرة من الشاعر.
* تمتلك صفة أدبية في المقاطعة التي تنتمي إليها: “مطوّر أدبي”. ما الذي يعنيه المصطلح حرفياً؟ يُراد من السؤال توضيح ذلك للقارئ بالعربية الذي لم يطلع على تفسير له؟!
** كمطوّر للأدب أحاول من موقعي أن أدفع الكتَّاب المحترفين والكتّاب الهواة على التحاور فيما بينهم حول شؤون الكتابة وشجونها، وما الذي يعنيه في الواقع كتابة النص الجيّد. تقليدياً الكتابة في السويد عمل منفرد، لكنني مقتنع بأن هناك مكاسب نوعية في التعاون حول الكتابة، وفي الكتابة كظاهرة أيضاً.
أنا أعمل أيضاً مع الأطفال والشباب الذين يجدون متعة خالصة في الكتابة، كما إنني أبحث عن طرق مختلفة عبر جذب الكتّاب المحترفين من فضاءات أخرى غير فضاءات مقاطعة يونشوبينغ، والسماح لهم بمشاركة هؤلاء الهواة مختلف العوامل التي تقودهم إلى النجاح في تطوير مشاريعهم الأدبية، كما لا يفوتني التركيز على إنشاء البنى التحتية بين مختلف المؤسسات والروابط التي تعمل في حقل الكتابة، حتى يمكن الكتّاب العيش أيضاً من كتاباتهم.
* حركة ترجمة الشعر من وإلى اللغة السويدية ألا تعاني من انحسار في أمكنة كثيرة، أم أن طباعة الكتاب تحولت إلى سلعة يمكن المخاطرة بها في السوق دون أية مخاوف بشأن تسويقها؟
**ثمة حافز جيّد لترجمة الشعر إلى اللغة السويدية. ما يزيد قليلاً عن ثلث الشعر المنشور في السويد هو من الشعر المترجم إلى اللغة السويدية. مسار الترجمة الذي نفتقده هنا يأتي من بلدان يفدُ الكثير من أهلها إلى السويد، وأنا شخصياً على سبيل المثال أفتقد للترجمة من العربية إلى السويدية، لأنه عادة ما يكون هناك ضعف في تعلّم اللغة السويدية، لكن العديد من اللغات الأخرى سوف تشعر بالرضا لترجمة شعرائها هنا.
هذا برأيي لا يتعلق بالشعر لوحده، وإنما بالأدب بشكل عام، وأنا على قناعة تامة بأن الموارد الرقمية ستصبح أكثر أهمية في البحث عن الآداب المختلفة باللغات -الأم.
* هناك معارض سنوية للكتاب في مدن سويدية مختلفة ، وله زوارها الكثيرون، لكن الواقع في السويد يبدو متشائماً أكثر بخصوص المكتبات؟
**ليس بالعموم. المكتبات تمر بمرحلة انتقالية في غاية الأهمية، والسبب الرئيسي وراء الحفاظ على مستوى عالٍ من الثقة في المكتبات في السويد هو أنها تدافع عن التعليم والمعرفة، وحتى وقت قريب كانت المكتبات تخضع فقط لسيطرة غير مباشرة من الناحية السياسية، وكانت إيجابية للغاية، لكنهم الآن يستخدمونها لاكتساب نقاط سياسية، والتحوّل في أحد وجوهه يميل إلى التقليل من مفاهيم المعرفة والتعليم، ومن ناحية أخرى يتم التأكيد بشكل يثير الشفقة إلى حد ما على أن المكتبات في السويد هي آخر موقع ديمقراطي.
وأعتقد جازماً أن إحدى نقاط القوة التي يجب عدم تجاهلها في نهاية المطاف تكمن في أن المكتبات هي آخر الأماكن التي يمكن للناس الذهاب إليها دون أن يكونوا رهائن لقوى السوق، وأن يكونوا مرغمين على الاستهلاك فقط دون أن تتاح لهم إمكانية (المواطنون) الوصول إلى الأدب الرفيع والمجلات والمواقع الدراسية الالكترونية وسواها.
*أطلق اتحاد الكتاب السويديين منذ بعض الوقت حملة للدفاع عن المكتبات المهددة بالاندثار في مدن سويدية كثيرة. هل ثمة أخطار فعلية تتهدد وجودها؟
** لا.. في الواقع، ثمة 12 كاتباً من أعضاء الاتحاد يكتبون بعض المقالات من أجل إثارة النقاش، وجوهرها يدور حول المكتبات في أجواء تدعو للقلق في السويد اليوم. أنا أتفق معهم على ضرورة حماية أنشطة المكتبات وتوسعتها، ولكن هناك من يريد ما هو أبعد من موتها.
* هل تعتقد أن مطالبات بعض البلديات بالتوقف عن شراء كتب بلغات غير اللغة السويدية تحمل في جانب منها نوعاً من الانغلاق يهدد الانفتاح الثقافي والتعددية التي عاشتها السويد تاريخياً؟
**نعم، ولكني أعتقد أن ذلك يعود لأسباب سياسية في المقام الأول. عدم شراء الكتب بلغات أخرى يؤسس لإستراتيجية ضعيفة في عمليات اندماج المهاجرين إلى السويد.
* إلى أي مدى تعتقد أن قصيدتك مطلوبة من القارئ؟
**واحد من مبادئ عديدة أعمل عليها حين أكتب، وهو أن القصيدة يجب أن تُدار على عدة مستويات، ولا ينبغي أن يكون المستوى الخارجي فيها صعباً على القارئ، والذي بدوره (القارئ) مطالب بفهم وتلقي المستوى الأدنى منها، وهو شيء فلسفي خاص منوط بها قائم على كينونة الوجود نفسه، المبثوث في اللغة ذاتها، واللغة الرمزية التي ينبثق منها.
في قصيدة “عبور الحدود” على سبيل المثال، المستوى الخارجي الأول فيها بسيط للغاية: أوتوبيس محمّل بالبشر يعبر الحدود بين كرواتيا والبوسنة، ولكن المستوى الأدنى فيها عبارة عن لعبة تحمل الكثير من أساطير الموت، والتعبيرات السويدية اللغوية لعبور الحدود بين الموت والحياة.
هكذا، قراءة الشعر لا تتطلَّب شيئاً تقريباً، ولكن من أجل الاستمتاع به في العمق يجب الاستعداد والتعلم.
* عندما تقرأ شعراً في الأمسيات الكثيرة التي تشارك بها ماهي الأحاسيس التي تنتابك، وهل تلعب الأمكنة دوراً ما في نوع التلقي؟
**المكان في أثناء القراءة مهم بشكل استثنائي. فارق كبير بين أن تقرأ في Pilsner Poetry ويحدث هذا في الحانة حين يأكل ويشرب الناس في الأثناء، أو في معرض للكتاب حيث يصغي عشاق الشعر للقصائد بإجلال. الحانة تجذب الأشخاص غير المعتادين على تذوّق الشعر، والذي يبدو لهم في الوقت نفسه جذَّاباً وممتعاً، وأنت عليك أن تختار بناء على ذلك. وغالباً ما يكون ممتعاً بعد القراءة التحدث إلى الجمهور، وقد يغدو مهماً بالنسبة للقرّاء في مهرجان أو في معرض للكتاب حضوري كشاعر، لأنهم متواجدون أصلاً من أجل الاستماع إليَّ. وليس مطلوباً في مثل هذه الحالة أن يكون المكان أكبر من اللازم، بل حميمي، وهذا أمر ضروري جداً. كما أن جلوس الناس يجب أن يكون مريحاً تماماً لهم للاسترخاء والاستمتاع بقراءة الشعر.
* ماهي الطريقة التي تتعامل بها مع الاستعارات والمجازات في اللغة السويدية؟ وهل تعتقد أنها تتأثر بفقدانها من الواقع اليومي المعاش مع طغيان الاستهلاك على جميع مناحي الحياة؟
**أعتقد أن الشعر السويدي معادٍ تماماً للاستهلاك بكافة أشكاله، وينتصر للتفكير البيئوي، ولديه انجذاب كبير نحو تيمة النسوية والجسد، وقد أمكن تمييز الاستعارات فيه لفترة طويلة، وكان المثل الأعلى ألا يكون هناك استعارات، وهو الأمر الذي وجدته غريباً. وأرى أنه أوجد قرَّاءً لديهم صعوبة بالغة في تلقي المعنى المزدوج للاستعارات التي تسأل عنها.
