على وقع موسيقى يوهان سوديربرغ اختار المخرج السويدي إيريك غانديني أن يبدأ فيلمه التسجيلي (النظرية السويدية في الحب). المخرج الوثائقي الذي اشتهر بأفلام عن معتقل غوانتانامو، والثقافة التلفزيونية في ايطاليا – بيرلسكوني، وسراييفو، ينحني هناعلى تيمة سويدية خالصة عن سرديات المجتمع المكوّن من الأفراد المستقلين: الاستقلالية التي أفضت إلى سنوات الرفاه الاجتماعي الذي لا يقوم على مبدأ التبعية الاقتصادية، بل على احترام مبدأ استقلالية كل فرد، وقد يقترن هنا الحب بالحرية والاستقلال، لكن هذا يتطلب دولة رفاه فاعلة ومؤثرة.
غانديني، وبعد أن يستعرض صوراً بالأبيض والأسود من السويد في الخمسينيات من القرن الماضي، وهي تحتفي بالعائلة السويدية: الأم التي تطهو الطعام لأطفالها. الأب الذي يقود أولاده للعب في الحدائق، والتمتّع بأشعة الشمس. المشاركات الحميمة بين فرق الشباب التي دفعت مجموعات شبابية كثيرة في العالم للانسياق وراءها، وكأن ما يحدث كان يشكل بداية طيبة لثورات شبابية مبشّرة بالعودة إلى البيان الذي ظهر في ربيع 1972 ليشكل انقلاباً على مفهوم العائلة التقليدي. كان السياسي المخضرم أولف بالمه زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي السويدي، ورئيس الوزراء آنذاك الذي اغتيل عام 1986 على رأس هذا الانقلاب، والمحرّك الفعلي ل”المانفيستو” الذي رسم الخط البياني لشكل الأسرة السويدية في المستقبل. بدا كل شيء حينها مصدر الهام للعديد من الدول التي تحيط بالسويد، لكن مرور أكثر من أربعة عقود على هذا الصعود الصاروخي الذي شكّل أنواعاً مختلفة من حسد طريقة العيش والرفاه كما يكشف الفيلم عبر 75 دقيقة، لم تمر مرور الكرام، فرفضُ فكرة الزواج والعيش مع شريك ارتفعت إلى النصف تقريباً، ومع انطلاق فكرة بنوك الحيوانات المنوية للتلقيح الصناعي التي انطلقت شرارتها أساساً من الدولة الجارة الدنمرك صار بوسع المرأة السويدية أن تحمل عبر شراء البويضات بالبطاقة المصرفية من دون أن تُضطر لوصفة الزواج التقليدية، وقد أرخى هذا بغمامة سوداء بدأت تتكشَّف نتائجها مع الوقت، ولم يكن ممكناً التصدي لفكرة العيش المنفرد بسهولة، كما لو أن العلاقات الاجتماعية باتت خياراً فاعلاً وليس ضرورة يتشبَّع منها المرء في محيطه الاجتماعي، وبدا واضحاً أن الفيلم كان يستكشف هذه الفكرة ومدى تأثيرها على الثقافة الاجتماعية السويدية التي غالباً ما توصف بأنها ناجحة ومزعجة في نفس الوقت. غرق الكثير من الناس في “العزلة الكاملة”، فقد حلَّ العقد الاجتماعي محل الروابط الشخصية كما يجادل الفيلم إلى درجة أن الدولة أنشأت وكالات تعنى بالبحث عن أولئك الأشخاص الذين يودّعون الحياة دون أن يعرف أحد عنهم شيئاً كما يبين الفيلم –مثلاً- عبر “تحريين” يقومان بالبحث عن رجل توفي منذ عامين وترك إرثاً كبيراً وراءه لا تعرف الدولة إلى أي جهة سيؤول، وبخاصة أن ابنته وهي وريثته الوحيدة، لا أحد يعرف مكاناً لها، وقد كان كل شيء يسير على ما يرام بالرغم من موته المأسوي، فقد كانت البنوك المختلفة تقوم باقتطاع مستحقاتها من البطاقة المصرفية الخاصة به دون الرجوع إليه ومعرفة حقيقة ماحلَّ به.
سيكشف غانديني في فيلمه عن بشر مختلفين في تطلعاتهم وثقافاتهم التي وفدوا منها إلى السويد، بعضهم يعيش في كنف دولة الرعاية المستقرة على بحبوحة في الاقتصاد والعيش والإنفاق الحكومي من دون أن يشغل باله بفكرة “الاندماج” في الواقع، فهانحن نقف أمام معلّمة اللغة السويدية التي تنحدر من أصول عراقية، وتعطي دروساً في اللغة لمهاجرين سوريين يعيشون في سكن الهجرة المؤقت، وباستثناء التعريف السريع بها، وقولها إنها لا تستطيع العيش من دون شركاء في الحياة، تبدو حياة السويديين وكأنها تمضي في منحى مختلف، وليس التبرّع بالحيوانات المنوية أمام كاميرا غانديني من قبل شباب صبورين، بعضهم يتبرع بها بحثاً عن المال، وبعضهم حبًّاً بالمساعدة.
ليست حياة الناس هنا تبدو على شاكلة تلك المرأة الشابة التي تحقن نفسها أمام الكاميرا بالحيوانات المنوية لتنتظر من بعدها قدوم المولود الذي سيكبر ويترعرع من دون معرفة الأب، ومن دون الرجوع إليه في كل شاردة وواردة، فهذا قد كان خيارها من الأساس. أما تلك الشوارع الموحشة والكئيبة والمعتمة التي يعبرها بشر قليلون، فليست بمنأى عن سهام النقد والفكر كما يشير عالم الاجتماع البولندي في نهاية الفيلم سيغموند باومان. لا تكمن السعادة في بلوغ الناس كل شيء دون وجود متاعب في حياتهم. حلُّ هذه المتاعب يولد السعادة والفرح في أحايين كثيرة. هذا قد يبدو صحيحاً إلى حدٍ ما، لكن نموذج البروفيسور اريك اريكسون، الجرّاح السويدي البارع الذي يعيش في أدغال إفريقيا مع زوجته الإثيوبية، ويقوم بإجراء أنواع من العمليات الجراحية المبهرة للسكان المحليين بأدوات بسيطة قد لا تتعدَّى الأدوات التي تُستخدم في إجراء بعض الإصلاحات المنزلية لا يمكن سوقه هنا بوصفه نموذجاً واحداً من أولئك الذين عثروا على سعادتهم، فهو يعود إلى السويد في بعض الإجازات المتقطعة بحثاً عن معنى الحياة المفقود بشكل أو بآخر.
حتى تلك المجموعات السويدية الشبابية التي صارت تتجمَّع في الغابات بحثاً عن الدفء الإنساني في الملامسات المفقودة: الشابة التي تركض في الغابة في مستهَّل الفيلم، وتحاكي نفسها من خلف الكادر، بأنها تعلَّمت أن تتكلّم إلى الأشجار في ركضها اليومي، وبأنها يمكن أن تعيش سعيدة من دون شريك في حياتها. سوف تنجب عبر التلقيح الصناعي. البنوك من حولها غنية: 170 ليتر من الحيوانات المنوية كفيلة بإحداث انقلاب أكبر في طبيعة نظرية الحب السويدية نفسها.
