قبل ثمانين عاماً، ولدت بيبي ذات الجوارب الطويلة من خيال الكاتبة السويدية أستريد ليندغرين (1907-2002)، لتصبح رمزاً للحرية والتمرّد الطفولي والخيال الإنساني الذي ميّز السويد ذات القلب المفتوح. كانت بيبي تجسيداً لروح بلد آمن بنفسه، يثق بالطفل المتجدد، ويرى في الغرابة نوعاً من الذكاء لا تهديداً.
لكن اليوم في السويد، يختفي كثير من تلك البراءة التي جعلت “بيبي” ممكنة. فالمجتمع الذي احتضن شخصية طفلة قوية، مشاكسة، تسخر من الكبار، وتعيش وفق قوانينها الخاصة، صار أكثر خوفاً من المختلف، وربما أقل تسامحاً مع الخيال.
بيبي، التي كانت تضحك في وجه السلطة، تجد نفسها اليوم غريبة – ورمزاً لحقبة كان فيها الخيال مقاومةً ناعمة، واليوم صار “النظام والانضباط” عنواناً لسياسات تحاصر الفردية باسم الأمن والقيم.
في هذا الزمن المرهق، تبدو بيبي أكثر من مجرد بطلة أطفال، إنها (ضمير غائب لبلدٍ يتغيّر بسرعة)، ومرآة لما بدأ يُفتقد في السويد من دفء إنساني.
هل ستظل بيبي صالحة لتربية جيل يعيش في ظل الخوف والرقابة؟ أم سنحتاج إلى خيال جديد يعيد إلينا شجاعتها الأولى؟!
كانت “بيبي ذات الجوارب الطويلة” يوماً ما رمزاً للفرح والحرية، صورةً لبلدٍ آمن بنفسه، منفتحٍ على الخيال، يرى في الطفولة قوة لا تهديداً، وفي الغرابة وعداً بالابتكار لا شذوذاً.
لكن هذا الرمز، الذي خرج من قلب أستريد ليندغرين قبل ثمانين عاماً، يبدو اليوم كأنه يطلّ علينا من زمنٍ بعيدٍ لا يشبه البلد الذي علّم العالم معنى الطفولة، وبيبي التي كانت تضحك في وجه الكبار، وتخترع عالماً من اللعب أصبحت تواجه وجوهًا أكثر صرامة وقلوباً أكثر قلقاً.
زمن بيبي… وزمن ما بعد الخيال
حين كتبت أستريد ليندغرين حكاية بيبي، كانت أوروبا خارجة للتو من رماد الحرب، وكان العالم بحاجة إلى أن يتذكّر البراءة التي تخلّى عنها. وجاءت بيبي كتمرد ناعم ضد العالم الذي يقيس كل شيء بالقانون والانضباط.
كانت بنتاً بلا أب، بلا مدرسة، بلا سلطة فوقها، لكنها امتلكت ما لم يملكه أحد: الخيال والشجاعة والقدرة على الضحك في وجه الخوف. ومن خلالها قدّمت السويد نفسها للعالم كحضنٍ إنساني، يرى في الاختلاف طاقة، وفي الطفولة خلاصاً.
لكن التحوّلات السياسية والاجتماعية التي اجتاحت السويد في العقدين الأخيرين بدّلت المزاج العام. مع تراجع الإيمان بالدولة الراعية، وتحوّل “الأمان السويدي” إلى “حالة خوف” من المهاجر، من التغيّر، من الآخر، ومن المستقبل نفسه.
الخيال الممنوع
حين ينمو الخطاب الشعبوي في بلدٍ مثل السويد، فإنه لا يستهدف السياسة وحدها، بل يهاجم الخيال ذاته. وبيبي، التي كانت تخرق القواعد لتكشف عبثها، لم تعد مناسبة لزمنٍ يريد الانضباط والطاعة، زمنٍ يُقاس فيه الانتماء باللون، والتصنيف بالهوية.
تجد بيبي نفسها اليوم أمام أسئلة لم تعرفها من قبل:
هل كانت (سويدها) كافية لتمنحها الحماية لو وُلدت في هذا الزمن؟
هل كانت ستُقبل بضحكتها الغريبة ولهجتها الطفولية لو كانت مهاجرة جاءت من حي مهمش في ضواحي ستوكهولم على سبيل المثال؟
ربما لهذا السبب يبدو الاحتفاء الرسمي بشخصية بيبي الآن أشبه بترويضٍ رمزي — تحويلها من رمز تمرّدٍ حي إلى (أيقونة ثقافية مُحيّدة)، تُستخدم لتزيين فكرة “القيم السويدية” بدل أن تسائلها.
من خيال الطفلة إلى صرامة الكبار
في الخمسينيات، كانت الطفولة مركز السياسة الاجتماعية، أما اليوم فيراد لها أن تُدار عبر لغة”الضبط والوقاية”، وتحت مظلة الخوف من “الجيل المفقود”. تلك التحوّلات تجسّد صراعاً أعمق بين دولة الخيال القديمة ودولة الواقعية الجديدة.
البعض يريد أطفالاً هادئين ومنضبطين، لا يسألون كثيراً ولا يحلمون أكثر مما يُسمح لهم به. بينما كانت ليندغرين ترى أن الخطر الحقيقي ليس في الطفل المتمرّد، بل في الكبار الذين فقدوا خيالهم.
حين تقرأ السويد اليوم النقاش حول “سجن الأطفال في الثالثة عشرة” أو حول تشديد الرقابة في المدارس، تدرك أن بيبي قد تُدان في هذا العصر بتهمة عدم الامتثال. فما كان يُعدّ شجاعة صار يُصنّف تهديداً، وما كان يُعتبر دعوة للحرية صار “انحرافًا عن القيم”.
رمز أم مرآة؟
بيبي ليست مجرد شخصية أدبية. إنها صورة للسويد كما أرادتها ليندغرين: طفلة قوية، حرّة، غير مروّضة، تواجه العالم بابتسامة ساذجة، ولكنها قادرة على قلب الموازين.
اليوم، لم تعد بيبي رمزاً فحسب، بل “مرآة مؤلمة” تكشف ما بات يفقده المجتمع بالتدريج: التسامح، الفضول، والإيمان بالإنسان.
حين ينظر السويديون إلى بيبي في المتاحف، أو على الطوابع البريدية، أو في لوائح “التراث الثقافي”، فإنهم ينظرون في الحقيقة إلى أنفسهم كما كانوا، فهي بقايا حلم جماعي عن بلدٍ كان يرى في الحرية والبراءة جزءاً من قوته، لا مصدراً لضعفه.
بيبي الآن…في شوارع مختلفة
ربما تعيش بيبي اليوم في حي مهاجرين أو مناطق توصف عادة بالضعيفة في ضواحي غوتنبرغ أو مالمو. ربما لا تمتلك فيلا ضخمة ولا حصاناً، لكنها ما زالت تقف في وجه السلطة، تسخر من الكبار، وتكتب عالمها الخاص. ربما تتحدث بلغتين، وتحمل هويتين، وتضحك من الخوف مثلما فعلت دائماً.
بهذا المعنى، “بيبي لم تمت”، بل تغيّرت ملامحها، وصارت أكثر واقعية من ذي قبل – رمزاً للمراهقين والمهمّشين الذين يصرّون على أن يكونوا أحراراً حتى داخل القيود.
السويد والخيال الذي يجب أن يعود
في نهاية الأمر، لا تتعلق بيبي بحكاية طفلة، بل بقدرة مجتمعٍ على الحلم.
وحين يُراد للسويد أن تفقد خيالها، فهي تفقد أجمل ما فيها: القدرة على بناء عالم عادل دون خوف من الاختلاف.
إنّ صعود خطاب التشدد اليميني ليس مجرد تبدّل سياسي، بل تآكل في الخيال الجمعي، حيث تحل لغة “التهديد” محل لغة “الاحتمال”. وإذا كانت بيبي اليوم تعود إلى الواجهة – في المتاحف والمناهج والأفلام – فإن السؤال ليس كيف نحتفل بها، بل “كيف نعيد إليها مكانها الحقيقي: في قلب المجتمع لا على رف الذكرى؟!.
ف(بيبي ذات الجوارب الطويلة) لم تكن تروي قصة الطفولة فقط، بل كانت تقول لنا، منذ البداية: إن العالم يمكن أن يُعاد اختراعه كل يوم، وإن الطفلة التي تضحك وحدها في وجه الخوف، هي آخر ما تبقّى من إنسانيتنا.
(غداً تكمل الكاتبة الراحلة أستريد ليندغرين عامها ال118)
