بما أن ثيمة السيلفي واسعة وفضفاضة للغاية، فإن النقاش من حولها سيدور في هذا المقال حول المنطق الذي يتحكّم بها مع التركيز على الاختلافات والفوائد العاطفية “المزعومة” التي تنتج عنها في فضاء الفوتوغرافيا كونها تنحدر منه أساساً.
مناقشة ظاهرة (السيلفي) كوسيلة من وسائل التعبير الأكثر فردانية وحضَّاً على استقلالية الفرد في مواقع التواصل الاجتماعي باتت ملحّة، ومكملة لتلك المشاركات على الشبكات الاجتماعية التي تواصل تفريخها لأدوات جديدة تتفاعل في كل ثانية مع طريقة تعبير جديدة تتعلق بجوهر وطبيعة الإنسان المعاصر. قد يكون مهماً للغاية التفريق بين الخصائص الفردية وملامح (السيلفي) من حيث طريقة الخلق المسؤولة عن تحديد القدرات العاطفية الاتصالية للفرد بما تعنيه من إخبار عن محتويات العلاقة الحميمة. كما سيمكن إحالة القضية برمتها في الاستخدام اللاحق لهذه المحتويات ومعرفة طبيعة وفوائد فهم هذه الخصائص الفردية كعامل مهم في ثقافة الإنترنت، وجزء مهم منها من خلال التركيز على كل ماهو حميم في هذه التفاصيل. كما يمكن الإشارة إليها كعامل إيروسي بالغ الحساسية، وجزء مهم أيضاً من الثقافة الجنسية، وتربية الإحساس بالجمال، وتأثيرها غير المحدود على الثقافة، وعلى التعاطف، وتقييم سعادة الأزواج والعلاقات المتبادلة بين الفرد والفرد أو الأزواج والأفراد وعلاقاتهم بالمجتمع. كما يمكن معاينة ودراسة شعور النرجسية والإعجاب بالذات كطريقة في فهم العالم المحيط على أساس المواقف الشخصية والعامة من خلال الظهور عبر (السيلفي) كقيمة شخصية محضة.
بما أن (السيلفي) تتطلّب تدخلاً شخصياً من القائمين عليها لالتقاط صور لشخوصها، وتقوم دائماً على عرض الوجود الخاص، فإنه يمكن النظر إليها بوصفها تعبير عن الذات والهوية، ووفقاً لسيغموند فرويد هناك الدافع والتحفيز، ففي قلب كل أفعالنا تكمن الرغبة لدى المرء في أن يكون عظيماً، ومقبولاً جنسياً في أفعاله ورغباته.
ان الفهم الخاطئ للعظمة يمكن أن يؤدي إلى رغبات وأعمال غير مدروسة ذات عواقب مأساوية. ثمة إحصاءات عن حالات تراجيدية وقعت بسبب (السيلفي) والرغبة بالقيام بأعمال بطولية في الأماكن الخطرة، ووفقاً لشبكة (سي ان ان) تم الإبلاغ عن ما مجموعه 259 حالة وفاة بين العامين 2011 – 2017 لأناس كانوا ينشدون بضع ثوان فقط من أجل تسجيل انتماء حائر، علماً أن 72% من الضحايا هم من الرجال دون سن الثلاثين.
بطبيعة الحال لا يمكن النظر إلى (السيلفي) على أنها مجرد تعبير عن الهوية، ولكن يمكن هنا تحديدها أيضاً بوصفها طريقة للتواصل البصري – التكميلي – مع الآخرين، وأنواع (السيلفي) تعتمد أيضاً على الجهة التي ستستلم رسالتها، ونوع الجمهور الذي سوف ترسل إليه، مثل أي اتصال شخصي يحدد المستلم التصنيف إن كان مستهدفاً بشكل مباشر أو مختلط، ووفقاً للمتلقي ممكن أن تحتوي على مجموعة وسائط تعبيرية غنية معادلة للوجود الإنساني لأن موضوع (السيلفي) هو شخصيتنا، ويمكن بالتالي أن يكون فكرياً أوروحياً أو جنسياً، وان كان ثمة حضور لشخص آخر، فيمكن أن يكون ثنائياً أو أسرياً أو فنياً احترافياً أو ايروسياً.
بالاعتماد على اختيار وسائط التعبير، فإنها يمكن أن تظهر بوصفها نشاطاً جسدياً كمثل وضعيات عاطفية، لأن (السيلفي) تعكس مع التعليقات لحظة ماضية، والاتصال عبر الإنترنت يحيلها إلى متعة آنية كما لو أن (السيلفي) لا تعكس الحالة الواقعية للتعليق المضاف إليها بل إلى رد الفعل اللحظي حول الفكرة. بهذا المعنى تغرق (السيلفي) – اتصالياً – في فعل ما بعد رجعي.
من وجهة نظر ثقافة الإنترنت، فإن التواصل مع (السيلفي) يتطلَّب امتلاك وسائل تعبير خاصة من أجل تحقيق التأثير “المشتهى” بشكل صحيح. خصوصية الاتصال بالإنترنت تعطي بعض المزايا، ولكنها تخلق بعض العيوب والتحديات أيضاً.
على سبيل المثال الرغبة بتوجيه رسالة فكرية:
إن كان هناك المستلم الجماعي، فسيكون هناك بالضرورة الجمهور المتنوع في الأعمار والتجارب الحياتية والمهنية، وسيكون هناك مخاطر بأن يساء الفهم من قبل جزء كبير من هؤلاء المستلمين. وعندما يكون الجمهور كبيراً، فالسعي لتكون الآراء مرتفعة فكرياً يتطلّب تحديد الرسالة كي تكون مفهومة من الجميع بحيث يمكن مشاهدتها عالمياً، وتكون مفهومة عند هذا المستوى، تماماً كما لو أن 2+2 =4 .
على سبيل المثال لو أردنا أن تكون (السيلفي) ايروسية، فإننا سنبدو كما لو أننا نوضح أن الايروسية لا تعني بالضرورة العري، فإنه يجب أن نقدم شيئاً من هذه العلاقة الحميمة مع الشريك المناسب. هل يمكن تخّيل الايروسية بأنفسنا؟ الصورة الكلاسيكية هي تلك التي لا ننظر فيها إلى الكاميرا، وليس ثمة حجب فيها، ونحن نشرح ضعف العلاقة الرومانسية مع الشريك. لو نظرنا على سبيل المثال في الكاميرا وأخفينا العري، فإن هذا يشير إلى مخالفة في الحميمية المطلوبة، والرغبة المشتهاة لدى الشريك الذي يتواصل عبر الإنترنت مع بشر آخرين. في هذه الحالة صاحب (السيلفي) ليس مجرد رمز ايروسي، بل هو اتصال فكري بمعنى ما. وبالطبع عدا الاستخدام الشخصي، فإن (السيلفي) هي واقع خاص وموضوعة للفن أيضاً.
ماهو الفرق بين السيلفي والصورة التقليدية؟
في الصورة التقليدية لدينا المصور الفوتوغرافي الذي يقوم بتصويرنا. والسؤال الذي ينبع هنا يمكن فيما إذا كان بوسعنا أن نحافظ على الشعور الحميمي في الصورة ؟ نعم يمكننا ذلك ببساطة إن كان المصوّر هو الشريك الحميمي، ولكن من هو المصوّر؟
هو الذي يقوم برؤية الصور، أي أنه شريك في هذا الحس الاتصالي، وبكلمة أخرى هو المستلم أيضاً. قوة (السيلفي) تكمن في الواقع في أننا يمكن أن نكون فيها حميميين على الدوام حتى دون حضور الشريك الحميمي. السؤال الذي يتجلّى عادة في إعادة نشر هذه الحميمية على الملأ في الفضاء العمومي هو ما إذا كانت هذه الايروسية شبقة أكثر مما هو محتمل في الصورة، وهل تتغيّر بمجرد تغيير عادة النظر إليها، وهل هناك سريان لمصطلح ايروسية وقحة مثلاً. هذا في الواقع يعتمد على مستلم الرسالة نفسه، فإن كان يعتقد بنظافة الصورة، فإنها سوف تتملكه بالإيجاب وسوف يعتبر الصورة رمزاً جمالياً لشريكين في علاقة متبادلة. في هذه الحالة سوف يكون نشر هذا المحتوى الايروسي في (السيلفي) عبارة عن تبجيل للقيم الأخلاقية دون أن يسبب له الحرج في تشويه البعد الحميمي في الصورة بسبب الفارق في المكان والزمان.
بالتأكيد، فإن الصور تظهر جزءاً مهماً من وجوهنا التي تعكس تلقائياً شيئاً من رغباتنا و تصوراتنا الذهنية عن الشريك المناسب، وبالفعل فإن قاعدة سيغموند فرويد الذهبية تتجلّى هنا في إعادة تقييم الدافع الجنسي بوصفه من يحدد السلوك البشري برمّته.
وإذا ما توافقنا مع فرويد، فإن النموذج الجنسي و(السيلفي) كرسالة ايروسية محتملة نحو الشريك يمكن استخدامه كنموذج عن التربية الجنسية في هكذا مجتمعات. وبما أن الجمال والايروسية موضوعان للفن التقليدي عبر العصور: النحت، الفنون الجميلة، الشعر، فإنه يمكننا اكتشاف (السيلفي) فيها أيضاً.
بالطبع يمكن النظر ل(السيلفي) بوصفها فن محض إن كانت تعكس مشاعر الشخصية نحو موضوع الهارمونيا الجنسية التي يمكن أن تلد “النرجسية”، أي الشخص الذي تتجلّى عواطفه الداخلية مع صورة المحبوب في اللحظة التي تقتنص فيها (السيلفي) من الفضاء الخاص، ويتم قبولها بوصفها نجاحاً في اتصال جنسي بعكس النظرة التي يمكننا رؤيتها في المرآة عندما ننظر إلى وجوهنا كموضوع للرغبة عند الشريك. لهذا يمكن أن تكون النظرة “غريبة” عند الآخرين بسبب الطريقة التي يُنظر فيها إليها، والفارق في النظر إلى الشريك بوصفه موضوعاً جنسياً.
