تعود أجواء عيد الميلاد لتخيم على مدينة بيت لحم مجدداً، في أول احتفال حقيقي تشهده المدينة منذ عام 2022. فبعد فترة من العزلة القسرية والركود السياحي الناجم عن تداعيات الحرب في قطاع غزة، بدأ القطاع السياحي—الذي يمثل شريان الحياة الرئيسي للمدينة—بالتعافي، حيث سجلت الفنادق نسبة إشغال تقترب من كامل طاقتها.
تداعيات الحرب وانهيار السياحة
لقد ألقت الحرب على غزة بظلال ثقيلة على المناطق المجاورة، تماماً كما يفعل النيزك حين يدمر الحياة بعيداً عن موقع ارتطامه. فمنذ أكتوبر 2023، تعرَّض القطاع السياحي في بيت لحم لانهيار شبه كامل؛ حيث علقت معظم شركات الطيران رحلاتها، مما أدى إلى عزوف الحجاج والسيّاح خوفاً من الأوضاع الأمنية.
ولم يتوقّف الأمر عند هذا الحد، بل تلقت اقتصاديات الضفة الغربية ضربة قاسية أخرى بفقدان 135 ألف فلسطيني لوظائفهم داخل إسرائيل بين عشية وضحاها. كما فُرضت قيود مشددة على التنقل بين مدن الضفة، إذ تستغرق الرحلة من بيت لحم إلى نابلس (نحو 60 كم) أكثر من ست ساعات بسبب الانتظار عند ثمانية حواجز عسكرية.
“المثلث المسيحي“: استثناء فريد
رغم تدهور القدرة الشرائية، تظل منطقة بيت لحم استثناءً نسبياً، إذ لا يواجه المتنقل بين قرية الخضر، ومخيم الدهيشة، وبيت لحم، وصولاً إلى بيت ساحور وبيت جالا، أي حواجز عسكرية لفترة زمنية قد تصل لنصف ساعة، وهو أمر بات نادراً في الضفة الغربية حالياً. ويعزو الخبراء هذه المعاملة “المخففة” إلى غياب نفوذ الحركات الإسلامية في هذه المنطقة، وحذر إسرائيل من التعامل بخشونة مع بقعة تحظى باهتمام إعلامي ودبلوماسي وديني دولي مكثف.
استعدادات العيد وصراع البقاء
بدأت الاستعدادات في “ساحة المهد” منذ مطلع كانون الأول، حيث نُصبت أضواء الزينة وجُهزت شجرة الميلاد الضخمة التي أُضيئت في السادس من الشهر الجاري. وفي الأزقة المؤدية إلى كنيسة المهد، يعرض التجار منتجاتهم من خشب الزيتون والسيراميك الأرمني، رغم أن عدد البائعين لا يزال يفوق عدد الزبائن.
هجرة المسيحيين: التحدي الوجودي
خلف مظاهر الاحتفال، يبرز قلق عميق حول بقاء الوجود المسيحي؛ فالكثير من العائلات المسيحية والمسلمة على حد سواء تبذل تضحيات كبيرة لإلحاق أبنائهم بمدارس دولية (إنجليزية، فرنسية، أو ألمانية) لضمان حصولهم على لغة أجنبية تكون “تذكرة خروج” من البلاد. ويواجه الآباء صراعاً مريراً بين الولاء للوطن والرغبة في تأمين مستقبل أبنائهم في الخارج.
وفي السياق ذاته، أكد الكاردينال السويدي أندرس أربوريليوس خلال زيارته الأخيرة لبيت لحم أن هجرة المسيحيين من الشرق الأوسط أدت إلى زيادة أعداد الكاثوليك في السويد. وأشار إلى تزايد الكنائس الشرقية هناك، مثل المارونية والسريانية والملكية. كما أعرب عن قلقه من هجمات المستوطنين المتكررة على قرية “طيبة”، وهي المجتمع الوحيد في الضفة الغربية الذي يسكنه مسيحيون بنسبة 100%.
