لم تكن بريجيت باردو (1934-2025) مجرد ممثلة فرنسية لامعة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، بل كانت ظاهرة ثقافية كاملة، أعادت تعريف صورة المرأة في السينما الغربية، وفتحت أبواباً واسعة للنقاش حول الحرية، الجسد، الشهرة، وحدود الفن والأخلاق. برحيلها اليوم عن عمر ناهز 91 عاماً، تُطوى صفحة واحدة من أكثر الصفحات إثارة للجدل في تاريخ الثقافة الشعبية الأوروبية.
من الشاشة إلى الرمز
ظهرت باردو في لحظة تاريخية كانت أوروبا فيها تخرج من رماد الحرب العالمية الثانية، متعطشة لصور جديدة للحياة، للمتعة، وللتحرر من القيود الصارمة. مع فيلم «…وخلق الله المرأة» (1956)، لم تقدم باردو أداءً تمثيلياً فقط، بل قدّمت نموذجاً أنثوياً صادماً لمعايير ذلك الزمن: امرأة حرّة، جسدها ملك لها، ورغبتها ليست خطيئة بل حقاً.
تحولت سريعاً إلى أيقونة عالمية، رمز للجمال غير المتكلّف، وللأنوثة الطبيعية التي لا تخضع تماماً لسطوة هوليوود أو تصنيفاتها الصارمة. شعرها الأشقر المنفلت، نظرتها الواثقة، وحضورها الجسدي غير المصطنع جعلها تمثل تمرداً صامتاً على الصورة التقليدية للمرأة.
الحرية… سيف ذو حدين
تجسّدت في باردو فكرة التحرر الفردي بأقصى تجلياتها، لكنها دفعت ثمن ذلك باهظاً. فقد كانت حياتها الشخصية مادة دائمة للصحافة الصفراء، وتحوّلت الحرية التي بشّرت بها إلى عبء نفسي. لاحقاً، صرّحت مراراً أن الشهرة كانت سجناً وأنها شعرت بالاستغلال أكثر من الاحتفاء.
انسحبت من السينما وهي في أوج نجوميتها، في خطوة نادرة، لتعلن رفضها لمنظومة الفن التجاري، وكأنها بذلك تكرر تمرّدها الأول، لكن هذه المرة على الصناعة التي كرّستها نجمة.
من الدفاع عن الحيوان إلى صدام القيم
في مرحلتها اللاحقة، أعادت باردو تعريف حضورها العام عبر النشاط الحقوقي في الدفاع عن الحيوانات، وأسست مؤسسة حملت اسمها، وأصبحت صوتاً عالمياً ضد الصيد، الفراء، والتجارب القاسية. في هذا الجانب، حظيت بتقدير واسع، حتى من خصومها.
لكن هذا الوجه الإنساني اصطدم بوجه آخر أكثر قتامة. تصريحاتها الحادة والمثيرة للجدل حول المهاجرين والمسلمين، وأحكام قضائية صدرت بحقها بتهم التحريض والعنصرية، أخرجتها من دائرة الإجماع، وأدخلتها في صدام مباشر مع قيم التعددية وحقوق الإنسان. هنا انقسم الإرث: هل يمكن فصل الفنانة عن مواقفها السياسية؟وهل تُمحى إنجازات ثقافية كبرى بسبب خطاب إقصائي لاحق؟
إرث معقّد… لا يُختزل
بريجيت باردو ليست قديسة ولا شيطانة. إنها نتاج عصر، وشاهدة عليه، ومشاركة في صياغة ملامحه. أسهمت في تحرير صورة المرأة في الفن، لكنها أخفقت في فهم تحوّلات عالم أكثر تنوعاً وتعقيداً بأكثر مما فكرت أو حلمت به. دافعت عن الضعفاء من الحيوانات، لكنها أخفقت في أحايين كثيرة في الدفاع عن الإنسان المختلف.
وربما تكمن قوتها الرمزية الحقيقية في هذا التناقض ذاته: امرأة كسرت القوالب، لكنها لم تنجُ من الوقوع في فخ يقينها الخاص.
برحيلها، لا يودّع العالم نجمة سينمائية فقط، بل يودّع سؤالاً ثقافياً مفتوحاً: هل يمكن للأسطورة أن تبقى نقيّة؟ أم أن كل أيقونة، مهما لمع بريقها، تحمل ظلَّها معها إلى النهاية؟
