في كتابه «قيمة الثقافة»، يفتح المؤرخ السويدي البارز سفيركر سورلين مواجهة مباشرة مع مسار السياسة الثقافية السويدية. الكاتب توماس يوتسيليوس يقرأ بياناً فكرياً متعاطفاً، لكنه – برأيه – مبسّط أكثر من اللازم.
لماذا تبدو السياسة الثقافية السويدية على ما هي عليه اليوم؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه سفيركر سورلين في كتابه. أما الجواب، فيختصره على نحو ساخر: أولوف بالمه كان يلعب التنس مع هاري شاين.
غياب الرؤية
طبعاً، لا يصوغ سورلين الأمر بهذه المباشرة، لكن بالمه وشاين يشكلان شخصيتين محوريتين ورمزيتين في سرده للطريق الذي قاد إلى مقترح السياسة الثقافية عام 1974. ذلك المقترح المعروف بعبارته عن «مواجهة الآثار السلبية للنزعة الاستهلاكية»، لكنه في الحقيقة كان المخطط التأسيسي لمجال سياسي جديد بالكامل: «الثقافة». وهو المجال الذي لا يزال قائماً بعد خمسين عاماً، لكنه يعيش اليوم أزمة ممتدة لا تتعلق فقط بنقص الموارد، بل أيضًا بغياب الرؤية.
الأزمة المالية معروفة للجميع. أما ما يميز كتاب سورلين فهو تفسيره لأزمة الرؤية. فغيابها – بحسبه – يعود إلى عجز السياسة عن صياغة معنى واضح لقيمة الثقافة. ومن لا يستطيع تحديد ما الذي تُجدي نفعاً من أجله الثقافة، لا يمكنه المطالبة بالموارد اللازمة لها. من هنا، فإن سؤال «القيمة» هو محاولة سورلين لتوجيه ضربة قاطعة تفك العقدة التي تفسر كل شيء.
دور الثقافة في صقل المواطن
هل ينجح في ذلك؟ الجواب: نعم ولا.
«قيمة الثقافة» كتاب متعاطف، مكتوب ببلاغة سورلين المعهودة، ويدافع عن مفهوم أوسع للثقافة وعن إعادة صياغة السياسة الثقافية. فالثقافة، في نظره، بناء اجتماعي وديمقراطي. لكن في سعيه لمنحها مهمة كبرى، يوشك الطرح أن يفقد صلته بالواقع العملي. هل توجد ممارسة فعلية قادرة على تجسيد هذه الشعارات الرفيعة؟
ينطلق سورلين من مطلع القرن العشرين، حين كانت الثقافة تُفهم في السويد بوصفها وسيلة لتمكين الفرد من تحقيق كامل طاقاته في المجتمع الديمقراطي الناشئ. إلين كي وآرثر إنغبرغ وغيرهما رأوا الثقافة أداة لصقل المواطن.
الثقافة والفن
بعد الحرب العالمية الثانية، تراجع هذا الفهم المثالي. وبتأثير من روح اليونسكو النسبية، صار يُنظر إلى الثقافة باعتبارها «كل شيء تقريباً». ثم ظهر طرح آخر: أن الثقافة لا تعني سوى الفن. وهذا الطرح الأخير هو الذي انتصر.
هنا يقدّم سورلين ملاحظة لافتة حول ديناميات دولة الرفاه. ففي خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كانت قضايا التعليم والفنون والدين تدار ضمن وزارة واحدة. لكن مع إصلاح النظام التعليمي، بدا فصل هذه المجالات أمراً منطقياً. وكان أولوف بالمه، وزير الدولة الشاب آنذاك، هو من قاد هذا التحول.
مباراة تنس غيّرت وجه الثقافة
أما الاسم الآخر البارز فكان هاري شاين، ناقد سينمائي وجمالي وصديق بالمه في لعبة التنس. وكما يوضح سورلين، كان شاين مدافعاً شرساً عن تعريف جمالي ضيّق للثقافة، بحيث تصبح مرادفة للفن. ووفق هذا المنطق، مهَّد الطريق لسياسة 1974: سياسة ركزت على إتاحة الثقافة، لكنها افتقرت إلى أهداف مجتمعية كبرى أو معنى أعمق لدورها الوطني.
نصر بطعم الهزيمة
هكذا أصبحت السياسة الثقافية – بحسب تعبير سورلين – «نصراً بيروسياً» أو نصراً بطعم الهزيمة: حصلت الثقافة على حقيبتها الوزارية الخاصة، لكن بثمن باهظ تمثّل في اختزال معناها. فصل الفن عن المعرفة والتعليم فتح الباب أمام التهميش الذي نعيشه اليوم.
إنها قراءة نقدية مفاجئة ومنعشة للسياسة الثقافية السائدة. ومن السهل الاتفاق مع سورلين على أن الثقافة مرتبطة بقيم كبرى يجب التعبير عنها. لكن المفارقة أن هذا السعي ذاته يُغيّب الممارسة الفنية. وكما في مشروع «الكانون الثقافي» لحكومة أحزاب تيدو التي تحكم اليوم – الذي يفككه سورلين بمهارة لاذعة – يتحوّل المفهوم الواسع للثقافة إلى طائر دخيل يطرد الفن من العش.
معضلة إنقاذ الديمقراطية
ربما يلمس سورلين، من دون قصد، معضلة جوهرية: عندما تعود «الكلمات الكبرى» إلى السياسة الثقافية، تصبح الثقافة مركزية، لكن على حساب تحميل الفن أعباء السياسة. ففي سياسة حكومة تيدو، يُطلب من الثقافة علاج أزمة التماسك الاجتماعي. وعند سورلين، يُناط بها إنقاذ الديمقراطية والحياة الجيدة. لكن السؤال يبقى: كيف يمكن لممارسة فنية أن تنهض بكل ذلك، وأن تظل فناً في الوقت نفسه؟