برونو ميرسييه شاعر سويسري ولد في مدينة أورليان الفرنسية سنة 1957 ويكتب بلغة خاصة ضمن مشروع شخصي قوامه التوهج الإنساني والانفتاح على مختلف الشعوب والأمم الصغيرة والكبيرة، وهو يستعيد هنا سيرة أولئك الكتاب الكبار الأوائل الذين امتحنوا تشظّي الهوية، وهم يشهدون على فوضى مميتة تجتاح الكرة الأرضية بعد أن وصل بها ” فن التوحش ” والاستعلاء والاقصاء وتسيّد فكرة المال وماينتج عنها الى ذروة أزمة غير مسبوقة حتى تبدو معها على سبيل المثال فكرة ” الإخاء الإنساني ” التي كتب عنها يوماً الكاتب الفرنسي أندريه مالرو مجرد مزحة. ميرسييه يعيش ويحبس نفسه ضمن نصوصه في مشروع يمتاز بفرادة خاصة تمكن صاحبها من الاحتفاظ بهوية روحية وإنسانية في عالم يتمزق.
كتب عن شعوب وأمم في الشرق، وهو لا يخفي عشقه وألمه في نفس الوقت لما يحيق ببلدانها من مآسٍ ومصائب. كان له قراءات تعكس ” آلام دجلة ” وآلام كل المعذبين الآخرين في قصائده. إذ بدا معها أن الصور تتسابق مع الكلمة، والعكس تماماً، ف” الأرض تلطخها الدماء والبيوت تختبئ تحت وشاح الرماد ” جاء كمحاولة لشق العتمة بضوء الكلمة من شاعر سويسري يرى في آلام الشرق وأهل الشرق ما يمكن أن يكون علامة على طريق الإنصاف الذي تتعرَّض له شعوب مضطهدة دون ذنب سوى أنه ألقي بها في غياهب التخلف وروضات الجهل التي يتفنن بها الآخرون. من أشهر مؤلفاته:” ضوء الهواء، ضوء الأرض” و ” قصائد الكوغر الغاضب ” و” آلام دجلة “. هنا حوار معه:
*هل يمكننا أن نقول إن برونو ميرسييه يعمل على نصّه الشعري من داخل ثقافتين، تظهران كما لو كانتا في تناقض مستمر؟
**نعم هذا هو كل شيء بالطبع. أنا أعيش في الغرب حيث تغرب الشمس، وأحلم من جهة الشرق لأنني أرفض العولمة بشروطها التدميرية المجحفة والقيم المادية المفزعة باستهلاكيتها. أنا أحب كل القيم التي تختفي في هذه المجتمعات الاستهلاكية مثل الأسرة والتقاليد والتجارة المحلية والحِرَف اليدوية. لاتزال بعض البلدان في افريقيا والشرق الأوسط تحتفي ببيئة عاطفية في الشارع، وفي الأماكن العامة. أعني بقولي الشعر والرقص والموسيقى والرسم. ماتزال هناك إمكانات لتطوير كل أنواع الفنون والناس يأتون للاستماع والمشاهدة والمشاركة في تطوير ونشر هذه الفنون.
اللغة هي الحياة
*في بعض قصائدك ثمة نزوع عالي للتجريد من المعاني المتعارف عليها للكلمات، والطَرّْق على البنى الدلالية. هل تتقصَّد القيام بذلك؟؟
**أجل أوافق على فكرتك. أنا أحب البحث في جذور الكلمات التي يتشكَّل منها قاموسي الشعري، واللعب بالدلالات المختلفة لها. الكلمات بحد ذاتها أمر ممتع، ويمكن أن تلاحظ على سبيل المثال أن الكلمات على خشبة المسرح تخبرنا عن طريق روح الدعابة أن اللغة هي الحياة، والكلمات هي موسيقا الأرواح، وأنا تغريني مهمة العثور على هذه الألحان حتى لو كانت موسيقا مأساة مؤلفة من الكلمات العارية أو المجردة.
* ماذا تجد في المغرب ليصبح ملاذاً أدبياً وعاطفياً وإنسانياً لك ولكتاباتك؟
**أجد صدى لدى الناس الذين يستمعون لي. البشر هنا، الرجال والنساء، لهم علاقة مختلفة مع الزمن والمغنين والموسيقيين. الجميع يحبون أن يتشارك الشعر مع الفن بوتائر سامية وراقية، والأكثر من ذلك فإن طلاّب المدارس يتم إغواءهم بالشعر، وسبل التعرّف إليه والمشاركة بكتابته. هذه دعة سلام وطمأنينة روحية وتناغم مع الطبيعة. ثمة أرواح هنا تعمل كأنها تتدافع بين الناس لصناعة مثل هذا الانسجام.
الناس يعيشون وحدهم ويموتون وحدهم
*أليست سويسرا جنّة بمعنى ما؟!
** بالتأكيد لا. قد تكون في ذهنك المناظر الطبيعية، والاستقرار السياسي والحياد، والشوكولا والبنوك والساعات والغنى. في الواقع يعمل الناس هنا جاهدين للحصول على الكثير من الراحة المادية، وهم لا يمانعون من أن يموتوا في أماكن عملهم إن كان بإمكانهم الحصول على المزيد من المال. إنه بلد بارد. الأسرة منزوعة الأركان، ومتشظّية تماماً. الكثير من الناس يعيشون وحدهم ويموتون وحدهم. العزلة هنا مرض اجتماعي، وهي تقتل العشرات، وكثرٌ وهم في أعمار فتية يفكرون بالانتحار، وكل شيء يتم حسابه بالمال. بعض الناس الفقراء مستبعدون تماماً من المجتمع. حتى بالنسبة للفن أو التنقل أو الميزانية أو المساعدة، فإن هذه الأشياء تحدث إن كان بإمكانك البيع مقابل سعر باهظ. هنا ينمو فن التجارة فقط، وأعتقد أن سويسرا كما وصفتها في إحدى قصائدي هي لعبة مأتم طائر”.”
*ألا تخاف من خيبة الأمل، وأنت تبحث عن نعيم الفردوس المفقود؟؟
**في بعض الأحيان نعم أخاف، لأنني أعلم علم اليقين أنه في غضون سنوات قليلة سيتوقع جيل الشباب نفس الأشياء في الغرب: الراحة المادية والعولمة. أراقب الناس المغاربة الذين يحلمون بأميركا، وامتلاك الأثاث والمعدّات وأفخم السيارات للسفر في جميع أنحاء العالم، وهذا هو الشيء الذي يتردد صداه في أوروبا في الوقت الحاضر: قياس أي نجاح مرده المال فقط، وهذا شيء سيء وكارثي.
درس كبير للعنصريين
*يبدو أنك مفتون بالجوانب الجمالية غير الواضحة في الإسلام، وخاصة في سياق هذه الفوضى العالمية المرتبطة بما يسمونه في الغرب بالإسلاموفوبيا.. أليس كذلك؟؟
**قد أوافقك. الإسلام قد يكون كل شيء، ولكنه ليس الفوضى والقاعدة وداعش. الإرهاب في حقيقة الأمر هو ما يمثله أفراد مجرمون لا يمتون للعقيدة الإسلامية بصلة، وهؤلاء يتم استجلابهم وافسادهم بالأسلحة والمال والمخدرات والكحول في معظم الأحيان. أنا مفتون بقوة الروح الصوفية وجماليات الصلاة الإسلامية، وأجد نفسي في قراءة القرآن، وأعتقد أن المسلمين يمكنهم أن يكونوا سويسريين وأوروبيين معتدلين، ويعملون من أجل السلم العالمي، وهذا درس كبير لكل العنصريين.
*أنت كمواطن سويسري تظهر من خلال سفرك الدائم، وكأنك خارج الوقت، وفي داخله في نفس الوقت. كيف تفسر ذلك؟؟
**أنا مثل شاعر يمشي ضد كل ما هو طبيعي في الحياة، وضد الكليشيهات الجاهزة: الجموع. المؤسسات المحافظة. الشاعر بطبعه خارج الزمن، وبخلاف ذلك أحاول أن أكون شاهداً حيَّاً على المجتمع الذي أعيش فيه. أريد أن أصف الهواء الذي أتنفَّسه، وطعم المشاعر اليومية، ايكولوجيا الأرض القريبة من منزلي، لون المشاعر، وأريد أن يشهد العالم على غضبي من العنصرية، ومن الحكومات التي تقتل حرية التعبير، وفي نفس الوقت المجتمعات التي لا تتسامح مع التنوع بين الجنسين، وكذا حرية الميول الجنسية والاصطفاء والتحول.
شقَّوا جبال الألب كي نرى غزّة
*هل تسترجع شيئاً من سيرة جان جينيه في حياتك الشخصية، أم أنها محض مصادفة؟
**من سيرة جان جينيه أنه كان يكتشف الشباب في شمالي إفريقيا والشرق الأوسط، مما ساهم بمنحه انطباعات قوية عن المشاعر، وسرديات عن الذكورية المفتوحة عاشها بملء جوارحه حتى نهاية حياته، وأنا أعتقد أن جينيه هو الكمال، عاش ومات وفي تربيته هاجس الجمال المشتعل. كان يقدس الإيماءة، ودلالات الفعل، ويعترف بجدواه إن كان جميلاَ وقوياً،ولم يبتعد كثيراً حين كتب مذكراته المدهشة بين الفلسطينيين.
**من قصائد برونو ميرسييه:
قُلّْ للصيادين بالمرافئ الثلاث
انثنى الخيزران من الضحك
يعرف وحده أن كل ما تبدلون
يطرد الموت كي تروها تزهر
***
التلال السوداء بلا سجل
أرتّب الحروف البرَّاقة
همسات الأشعار غنائية
هذه الأبيات الخصبة المجددة
تحب شاعرها الوالد
***
يطفو الرماد هنا، يبرز هناك
إطار قديم يغطيه ليلك
شجاب ببغاء منسوخ
تترقّب سحب اليعسوب
***
رمّان أجوف فاكهتي
على شكل بلد غريب
أبحث عن الثمرة النفيسة
كي أداوي الكلم القرمزي
***
من أعلى النخلة نزل أبو منجل
أسماك الملاك عيون الرشا
تألف البر وتحيا في الماء
في عمر السابعة صرنا رجالاً
***
اليوم أينع تنديد شمسك
يتقاسمه توت أرض ولقالق
قنيطرة: رجالك شجعان
مزاج هادئ طبعهم
في صياغة الحب التقيتهم
في صياغة الحب تبنيتهم
***
يخمش وحش الداخل جسم الموت
يصرط فيما اللسان يتمطَّق
مائة قسم وقسم تشدق
أو دفنت المخاوف على الطريق
لا تذكر الحرب بتاتاً
بغداد بلاط في الجحيم
أمشي بتأفف فوق الحطام
أمشي بتأفف فوق عز قديم
***
شقَّوا جبال الألب كي نرى غزّة
