الفيلم الوثائقي (مطاردة اللجوء) للمخرجة الأسترالية ايفا اورنير سبق له أن حظي بجوائز مهمة فهو يتمتع بجرأة نادرة في تتبع آثار اللاجئين القادمين إلى أستراليا، البلد الذي يعدهم بالشقاء منذ اللحظات الأولى التي تحط فيها قواربهم على شواطئها. والفيلم يقترب من الرصد الميداني لواقع هؤلاء اللاجئين المنكوبين في ديارهم، وفي بلد اللجوء، عن طريق كاميرا خفية، إذ سرعان ماتنقلهم الحكومة الأسترالية إلى جزيرتين عاتيتين في بابوا غينيا الجديدة مقابل حفنات من المال لحكامها تاركة إياهم لمصائرهم الغامضة، فإما يقبلون بالعودة الطوعية إلى بلدانهم، أو قبول البقاء في هذه السجون العائمة إلى آجال غير مسماة أبداً.
تعتيم حكومي أسترالي
في الحقيقة يثير الفيلم أسئلة كثيرة عن هذا النوع من الأفلام الذي نفتقد إليه في بلداننا، وهي في معظمها تشكل مصدراً لأعداد كبيرة من طالبي اللجوء في العالم. حتى أستراليا التي يقصدها الفيلم فيها عائلات من جنسيات عربية علقت في هاتين الجزيرتين وانقطعت أخبارها، ولم يعد يسمع أحد عنها شيئا إلا باستثناءات قليلة حتى مع جهود المنظمات الدولية التي غالباً ماتفشل في القيام بمهامها بسبب من التعتيم الذي تفرضه الحكومة الأسترالية على طالبي اللجوء عندها. يصبح التساؤل مشروعاً هنا عن سبب غياب هذا النوع من الأفلام عن تفكير المخرجين العرب، وبخاصة أن البث الفضائي العربي يحتل حيزاً كبيراً وهاماً في الحياة العربية، وإن ظهر شيء من معاينات هذه المآسي الإنسانية، فإنه يظهر بشيء من الخجل الموارب الذي يفتقد إلى الشجاعة والقدرة على البحث والاستقصاء. هناك مخرجون عرب يحملون جنسيات أجنبية، ويتمتعون بعلاقات جيدة مع جهات إنتاجية ومحطات تلفزة قادرة تساعد على التنقل وجوب الأصقاع بغية تسليط الضوء على مثل هذه المعاناة التي يعيشها طالبو اللجوء في أستراليا وغيرها من البلدان، كما فعلت ايفا اورنير في فيلمها الشجاع، حتى لا تظل مثل هذه المعالجات بعيدة عما يحدث في العالم من انقلابات جذرية في الرؤى والمفاهيم وشرعة حقوق الإنسان.
هويات مفخّخة صغيرة
بالطبع ليس هنا مجال توجيه النقد للاستغراق الكلي الذي تعيشه فضائيات عربية في برامج الترفيه، والسباب والسباب المعاكس، وهي في معظمها تكشف عن انفصال عن الواقع المحيط بها، مع ما يتبع ذلك من رفض لمحاورة الآخر، والقبول به، وإطلاق تلك التعميات التي تطال كل مالايتفق مع الهويات الصغيرة القاتلة التي نتزنر بها. الهويات المفخّخة التي تهدد كل شيء حواليها بالانفجار.
اللجوء له أسبابه الكثيرة. لا يمكن معرفتها دون حس الاستقصاء الشجاع، كما لا يمكن التوغل به دون تعزيز اللحمة الإنسانية لمعرفة متى سيكون هذا الهروب حميداً، ومتى سيكون غير حميد، وفي الحالتين من الضروري فتح هذا القوس إلى حده الأقصى حتى يمكن القول إن فن الاستقصاء له مريدوه هنا، في بلادنا المنكوبة أيضاً، الأكثر تصديراً للاجئين برغم “سعادة” حكامها وملوكها وجنرالاتها.
