عندما حكم النازيون ألمانيا بين عامي 1933 و1945، كانت آلة الدعاية التابعة لـ أدولف هتلر تكرر باستمرار وصف الدولة بأنها «الرايخ الثالث». كلمة (رايخ) في اللغة الألمانية تعني إمبراطورية أو مملكة، وقد استُخدمت في الخطاب النازي لتوحي بأن ألمانيا ليست مجرد دولة حديثة، بل امتداد تاريخي لإمبراطوريات عظيمة سبقتها. كان الهدف واضحاً: إضفاء شرعية تاريخية على النظام الجديد وإقناع الألمان بأن حكم هتلر يمثل المرحلة الثالثة في مسار طويل من المجد الإمبراطوري.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما هما الرايخان الأول والثاني؟
الرايخ الأول: الإمبراطورية الرومانية المقدسة
يمتد تاريخ ما يُعرف بالرايخ الأول إلى الفترة بين 962 و1806، عندما كانت الأراضي التي نعرفها اليوم باسم ألمانيا جزءاً من كيان سياسي واسع يسمى الامبراطورية الرومانية المقدّسة.
لم تكن هذه الإمبراطورية دولة موَّحدة بالمعنى الحديث، بل كانت اتحاداً فضفاضاً من الإمارات والدويلات والمقاطعات التي تجمعها سلطة إمبراطور واحد ونظام سياسي معقد. أما سبب تسميتها «رومانية»، فيعود إلى ادعائها أنها الوريث الشرعي للإمبراطورية الرومانية القديمة، وأنها تستمد شرعيتها من التقاليد السياسية والقانونية لروما.
استمرت هذه الإمبراطورية ما يقرب من تسعة قرون قبل أن تنتهي عام 1806، عندما اضطر الإمبراطور فرنسيس الثاني الروماني المقدس إلى حلها خلال الحروب النابولونية بعد صعود قوة نابليون بونابرت في أوروبا. لكن فكرة الإمبراطورية الألمانية لم تختفِ. وبعد عقود قليلة فقط، ظهر الرايخ الثاني.
الرايخ الثاني: الإمبراطورية الألمانية
في عام 1871 تحقق حلم الوحدة الألمانية عندما توحدت الولايات الألمانية تحت قيادة بروسيا، معلنة قيام الامبراطورية الألمانية.
اعتلى العرش الإمبراطور فيلهلم الأول إمبراطور ألمانيا، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ ألمانيا كدولة قومية موحدة. لاحقاً خلفه الإمبراطور فيلهلم الثاني.
من المهم التذكير بأن ألمانيا قبل عام 1871 لم تكن دولة موحدة، بل مجموعة من الكيانات السياسية المتفرقة. ومع ذلك، كانت فكرة الأمة الألمانية وحركات الوحدة القومية تنمو منذ عقود.
استمر الرايخ الثاني حتى نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918، عندما هُزمت ألمانيا واضطر القيصر فيلهلم الثاني إلى التنازل عن العرش.
بعد ذلك تحولت البلاد إلى جمهورية ديمقراطية عُرفت باسم جمهورية فايمار، رغم أن الاسم الرسمي للدولة ظلَّ لفترة هو الرايخ الألماني.
الرايخ الثالث: حلم الإمبراطورية الألفية
بعد 17 عاماً فقط من قيام جمهورية فايمار، وصل أدولف هتلر إلى السلطة عام 1933، ليعلن بداية ما سماه النازيون «الرايخ الثالث». كان المشروع النازي يقوم على فكرة أن هذا الرايخ الجديد سيعيد لألمانيا مجدها الإمبراطوري، وسيستمر ألف عام.
وفي تقرير نشرته صحيفة The Times في 5 سبتمبر 1934، جاء أن هتلر تحدث عن «الألفية النازية»، مؤكداً أن ألمانيا لن تشهد ثورة أخرى خلال الألف عام القادمة. لكن التاريخ سار في اتجاه مختلف تماماً.
فبعد اثني عشر عاماً فقط، انهار الرايخ الثالث مع هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية عام 1945.
وهكذا انتهى حلم الإمبراطورية الألفية سريعاً، ليصبح أحد أكثر المشاريع السياسية كارثية في تاريخ أوروبا الحديثة.
