الذكرى الثلاثون لصدور الفيلم الهوليوودي “يوم الاستقلال”
“يوم الاستقلال” كان الفيلم الأكثر مشاهدة في السويد عام ١٩٩٦، حيث بيعت ٨٦٠,٥١٧ تذكرة. فيلم خيال علمي كارثي بنهاية سعيدة. فيلمٌ مُبالغ فيه، ميلودرامي، ساذج، ورائعٌ بكل معنى الكلمة. كنتُ في بداية مراهقتي، ربما في السنّ المُناسبة، لكنني لم أكن الوحيد الذي سحره الفيلم. وقف بعض روّاد السينما وصفّقوا طويلاً عندما تمكّن الطيارون الأمريكيون (بمن فيهم ويل سميث) أخيراً من إسقاط المركبات الفضائية وإنقاذ العالم، في اليوم الوطني الأمريكي أيضاً.
نسخة VHS للتذكير!
ملخصٌ مُختصر لمن لم يمتلكوا نسخة VHS من “يوم الاستقلال” وربما لا يتذكرون الفيلم كاملاً عن ظهر قلب: مركبات فضائية مُرعبة تُسيطر على مدن الأرض ثم تُدمرها بالنيران. وفي السياق يتضح أنهم زارونا سراً لسنوات عديدة، وأن هؤلاء الفضائيين ” نهمون كالجراد، ينتقلون من كوكب إلى آخر حتى يستنفدوا جميع الموارد الطبيعية”. تدافع البشرية عن نفسها بفضل الولايات المتحدة الأمريكية، التي يصادف أن رئيسها (الذي يؤدي دوره بيل بولمان) طيار مقاتل سابق يخوض بنفسه المعركة الأخيرة. وأخيراً، يُعلن أنه مع تحقيق النصر، سيصبح الرابع من تموز عيداً لجميع دول العالم. يا له من أمر رائع!
ظل الإمبريالية القاتم يخيم فوق أوروبا
اليوم، في أجواء الظلال القاتمة التي تُخيّم على أوروبا – ظلّ الإمبريالية – لم يعد الخضوع للنظام العالمي الأمريكي أمراً مريحاً. مع أن الولايات المتحدة كانت دائماً قوة عظمى هجومية، إلا أنه كانت هناك فترة بعد الحرب الباردة تفوقت فيها المزايا على العيوب، أو هكذا بدا الأمر. لقد مثّلت قيماً تتجاوز مجرد القوة المطلقة، وكان من غير المعقول أن يرفض الرئيس الاعتراف بالهزائم الانتخابية، أو أن يتدخل في أدق تفاصيل التحقيقات الجنائية، أو أن يهاجم وسائل الإعلام، أو أن يسمح للدعاية بأن تصبح حقيقة.
السلاح النووي … الشرير!
… كلما شاهدت هذا الفيلم الضخم، كلما برزت أمامي الهيمنة الأمريكية بأشكالها المختلفة. نرى كيف أن الأسلحة النووية شريرة، والرئيس يعاني ألماً شديداً – لكن الأمر الآن يتعلق بمستقبل البشرية ،ويُعتبر حالة طوارئ قصوى. يتمتم قائلاً: “ليغفر لنا أبناؤنا”، بينما تنطلق الصواريخ نحو المركبات الفضائية. ربما يندم بشكل غير مباشر على هيروشيما وناغازاكي؟ أخيراً يهمس قائلاً: لنقصف هؤلاء الأوغاد نووياً. معضلة صعبة، لكنها القرار الصائب! في فيلم “يوم الاستقلال”، تتحد جميع دول العالم في مواجهة خطر الإبادة. لفترة طويلة، كنا عاجزين تماماً أمام التكنولوجيا الفضائية المتفوقة، وبفضل الابتكار الأمريكي المتمثل في فيروس حاسوبي (من ابتكار خبير تكنولوجيا المعلومات الذي يؤدي دوره جيف غولدبلوم)، انفتحت أمامنا الفرصة الوحيدة للرد على سفن الفضائيين. لحسن الحظ، تم قصف الكونغرس ومجلس الشيوخ، لذا لم يكن على رئيس الفيلم أن يُبرر قراراته عبر مناقشات ديمقراطية مطولة. يُترك خبير تكنولوجيا المعلومات، والطيارون المقاتلون، والرئيس، والجنرال بين الحين والآخر، ليحلّوا الموقف بأنفسهم.
أين أوروبا والعالم؟!
أما بقية العالم؟ في مشهد قصير، نشاهد جندياً بريطانياً يُغني بلكنة بريطانية كيف أنه هُزم هزيمة نكراء على يد الفضائيين، وحان وقت تدخل الأمريكيين لإنقاذه، “لقد حان الوقت!” يصيح. هذه هي المرة الوحيدة التي تظهر فيها أوروبا في القصة، وكأنها طفل شريد ضائع.
لا تقتصر أهمية فيلم “يوم الاستقلال” على قضايا الحياة والموت الكبرى فحسب، بل تتناول أيضاً القيم العائلية. تقول فتاة مراهقة: “قد تكون هذه ليلتنا الأخيرة على الأرض. لا أريد أن أموت عذراء”. فيردّ عليها الشابُ الوسيمُ الجالس بجانبها: “إذا كان الأمرُ كذلك، فسنموتُ كلانا عذراوين”. حتى عندما يكون الكوكب على وشك الدمار، يبقى التمسك بالأمل أمراً بالغ الأهمية. بل إن الجنسانية تلعب دوراً هاماً في ذروة المعركة الأخيرة، إذ تعرَّض راسل (راندي كويد)، المحارب القديم في حرب فيتنام، للسخرية وعدم الثقة من المحيطين به لسنوات طويلة لأنه روى كيف اختطفته كائنات فضائية وأخضعته لـ”فحوصات” جسدية مهينة. في النهاية، يقتحم راسل المركبة الفضائية مباشرةً ويفجّرها من الداخل. يصرخ قبل أن يضحّي بحياته: “مرحباً يا رفاق، لقد عدت!”، وكلماته الأخيرة لا يمكن إساءة فهمها: “حسناً، أيها الأوغاد الفضائيون! إلى الجحيم!”. يستعيد راسل كرامته وسمعته: “ما فعله والدك كان شجاعاً جداً، فلتفخر به”، كما قيل للابن الذي فقد والده للتو. إنها قصة رقيقة عن معنى الرجولة، على عكس الرسالة المباشرة السائدة في ذلك الوقت: “أمسك بهن من أعضائهن التناسلية”.
يوم الاستقلال نصب تذكاري للهيمنة الأمريكية
بالنظر إلى الماضي، يُعدّ “يوم الاستقلال” بمثابة نصب تذكاري للهيمنة الأمريكية، ونافذة ثقافية تاريخية تُطلّ على حقبة كانت فيها الولايات المتحدة حامية العالم، وكان كل ما يحدث هناك يهمّنا. وإلا فلماذا تصدّرت عاصفة تقترب من نيويورك أو إغلاق وشيك لأجهزة الدولة السويدية صفحات الأخبار السويدية للمرة الحادية والخمسين؟ وكيف يُمكن إقناع الدنماركيين بإرسال أبنائهم وبناتهم في مهمات تُهدّد حياتهم في أفغانستان؟ ليس بالإكراه، بل بالولاء.
اليوم، ومع تزايد التوترات السياسية، لم يعد العالم يشعر بالراحة تجاه الانضواء تحت لواء نظام عالمي تقوده أمريكا. مؤشرات “القوة الناعمة العالمية” تظهر تراجعاً حاداً في الثقة والسمعة الأمريكية. وبعد أن كان الاتفاق الضمني أن أمريكا ستحمينا من “الغزاة القادمين من السماء”، بات السؤال المطروح حالياً في أوروبا أكثر قتامة: هل يمكن أن تصبح أمريكا نفسها هي العدو؟
*صحفي استقصائي ومؤلف، أحدث كتبه “الكتاب الأخير عن مقتل أولوف بالمه”
