الإثنين, 6 يوليو 2026

في العديد من أفلام المخرج السويدي إنغمار برغمان، يبرز الأطباء كشخصيات متكررة، لكنهم نادراً ما يكونون لطفاء. في هذه القراءة، يستكشف البروفيسور خيل آسبلوند، رئيس جمعية تاريخ الطب في السويد نمط “الطبيب البارد عاطفياً” — وهو النموذج الأكثر شيوعاً في سينما برغمان — متقصّياً الينابيع الإبداعية، والشخصية التي استقى منها المخرج إلهامه لصياغة هذه الصور القاسية.

لم يكن إنغمار برغمان مهووساً بـ “شياطينه” الداخلية فحسب، بل كان مسكوناً أيضاً بعالم الأطباء، ففي مجمل أعماله السينمائية، نجد نحو 40 دوراً لطبيب، سواء في الأفلام التي تولَّى إخراجها، أو تلك التي كتب سيناريوهاتها، ولم يكن من قبيل المصادفة أن ينتمي معظم هؤلاء الأطباء إلى تخصصي “الطب النفسي”، و”طب التوليد وأمراض النساء”، وهي مجالات تضع الطبيب وجهاً لوجه أمام أعقد الأسئلة الوجودية للإنسان.

واللافت للانتباه أنه عند عرض هذه الأفلام، لم يصدر عن الأوساط الطبية أي رد فعل يُذكر تجاه الطريقة التي صورَّهم بها برغمان: كشخصيات بليدة المشاعر، أنانية، ساخرة (عادمة للضمير)، غير أخلاقية، عقلانية حدّْ التعصب، بل وحتى سادية. هذا الصمت الطبي جاء متناقضاً تماماً مع العاصفة والجدل العام الواسع الذي أثارته شخصيات رجال الدين في أفلامه، والتي قادتها الكنيسة، والمؤسسات الدينية آنذاك.

يركز هذا المقال على فحص شخصية “الطبيب البارد عاطفياً” عبر تشريح ثلاثة من أبرز أفلام برغمان: (توت الأرض البري- 1957)، (الوجه – 1958)، و(بيضة الثعبان- 1977)، محاولاً تتبع كيف تحوَّلت تجارب برغمان الشخصية، وصراعاته النفسية، إلى مادة درامية لهؤلاء الأطباء.

فيلم (توت الأرض البري-1957) .. عُزلة العالم البليد

قبل تصوير فيلم (توت الأرض البري)، أمضى برغمان قرابة شهرين في مستشفى معهد “كارولينسكا” الجامعي جرَّاء ما أسماه “فحصاً شاملاً وإعادة ترميم” بعد عام شغل مجهد انتهى بانهيار نفسي وجسدي حاد، وخلال تلك العزلة الطويلة في المستشفى، غرق برغمان في تأملات عميقة حول جدوى الحياة، والشيخوخة، والموت، وهي التيمات الوجودية التي شكَّلت العصب الرئيسي للفيلم.

في الفيلم، ينطلق طبيب وعالم الأحياء الدقيقة العجوز إيزاك بورغ (77 عاماً) برفقته زوجة ابنه في رحلة بالسيارة من ستوكهولم إلى لوند ليتسلّم شهادة الدكتوراه اليوبيلية. تتحوَّل هذه الرحلة عبر عدسة برغمان إلى سفر داخلي عبر الزمن، واسترجاع للمواقف من خلال الأحلام والتأمل الذاتي.

خلال الرحلة، تواجه زوجة الابن البروفيسور العجوز بحقيقة مريرة: أن زوجته الراحلة كانت تشكو دوماً من بروده العاطفي القاتل، وأنانيته، وغروره المتعالي، وأنه كان يتصرَّف أحياناً كما لو كان “الإله” نفسه، ليكون عقابه الحتمي الآن هو الوحدة المطلقة. يسأل العجوز بيأس مستسلم: ألا يوجد علاج لهذا؟”.

ارتبط البرود العاطفي في هذا الفيلم — كما في أعمال برغمان الأخرى — بالعجز التام عن التعاطف مع واقع الآخرين، أو كما يُقال: “الجهل بكنه الحياة نفسها”، ويصف بورغ حالته بتأمل حزين قائلاً: “إنني ميت.. رُغم أنني أتنفس”. وفي مشهد حلم شهير، يمثل إيزاك بورغ أمام ممتحن قاسي للحياة، وعندما ينظر في المجهر (الميكروسكوب)، لا يرى سوى عينه هو شخصياً متضخّمة بشكل غريب ومخيف — وهي الصورة البصرية التي اعتمدها برغمان لتجسيد الأنانية المفرطة.

يبدو أن برغمان كان يمرر من خلال بورغ حالته النفسية الخاصة في تلك الفترة، إذ كتب لاحقاً أن جوهر الفيلم كان تصفية حساب مع ذاته: “كنت في السابعة والثلاثين من عمري، معزولاً عن العلاقات الإنسانية، متمحوراً حول ذاتي، منغلقاً، ولم أكن مجرد فاشل عادي، بل فاشل مع مرتبة الشرف.. رُغم كل النجاح الذي حققته“.

وعند إعادة مشاهدة الفيلم، يتجلّى بوضوح هذا الشرخ الكبير بين صورة إيزاك بورغ العجوز الذي يثير تعاطفنا، وبين حياته الماضية التي يحاكمها في أحلامه وجلده لذاته، ويظهر البرود العاطفي هنا كـ لعنة وراثية اجتماعية، فعندما يزور بورغ والدته البالغة من العمر 96 عاماً أثناء الرحلة، يجدها امرأة جافة وعارية من أي عاطفة. أما ابنه إيفالد (وهو طبيب أيضاً)، فيظهر في الفيلم بصورة أكثر بروداً، وعقلانية، وعدمية من والده.

المفارقة العجيبة التي يصنعها برغمان هنا هي المقارنة بين هذا البروفيسور الأكاديمي البارد، وصورة “طبيب الريف” المحبوب والناجح التي كان عليها بورغ في شبابه. فعندما يتوقَّف في محطة وقود، يمتدحه صاحب المحطة قائلاً: “أنت أفضل طبيب في العالم”. ومن خلال هذه اللمسة الذكية، يهمس لنا برغمان بأن الأكاديمية والعلوم الجافة هي التي مسخت طبيب الريف الطيب، وحوَّلته إلى كائن عقلاني بارد، وحيد، ومعزول عن بني جنسه.

فيلم (الوجه-1958) .. العلم الجاف في مواجهة السحر

تدور أحداث الفيلم في عام 1846، حيث تصل فرقة مسرحية متجوّلة تُدعى “مسرح فوغلر المغناطيسي الصحي” إلى مدينة ستوكهولم (التي صُورت كبلدة ريفية نائية). يدَّعي قائد الفرقة، ألبيرت فوغلر، امتلاك قوى سحرية وقدرة على التنويم المغناطيسي.

في هذه البلدة، يصطدم فوغلر بالمستشار الطبي الصارم أندرس فيرغيروس، الذي يستقبله بعبارة حاسمة تجسّد غطرسة العلم: “أنت تمثل أكثر ما أمقته في هذا الوجود.. الشيء غير القابل للتفسير”. كان المستشار طبيباً بارداً، متغطرساً، ومؤمناً بشكل دغمائي لا يتزحزح بسلطة العلم والعقل.

يسعى المستشار الطبي بكل قوته إلى تعرية ادعاءات فوغلر وكشف زيفه. لكن خلال جلسة تنويم مغناطيسي أمام أعيان المدينة، ينجح فوغلر بطريقة مذهلة في التلاعب بالحاضرين والسيطرة على عقولهم. تنتهي الجلسة بنهاية دراماتيكية مفاجئة، حيث يسقط فوغلر ميتاً جرَّاء الإجهاد الذهني الفائق، ويُنقل في تابوت.

يقوم الطبيب فيرغيروس بتشريح جثة الساحر المفترض في غرفة العلّية، وفجأة، وبشكل مرعب، يخرج فوغلر حيَّاً من بين الظلال، مستخدماً كل حيله المسرحية والسينمائية المرعبة ليبدأ في تحطيم تماسك المستشار الطبي وتفكيك كبريائه العقلاني خطوة بخطوة. يتضح لاحقاً أن الطبيب لم يشرّح جثة فوغلر، بل جثة ممثل آخر مات مخموراً.

تغادر الفرقة المسرحية المدينة في وئام وانتصار، بعد تلقيها دعوة لتقديم عرضها في القصر الملكي. هنا، ينتصر الفن — أو على الأقل فن الإيحاء والتخييل — على العلم البارد والمتغطرس.

فيلم (بيضة الثعبان-1977) .. الطبيب بوصفه وحشاً نازياً

يعتبر البروفيسور هانس فيرغيروس، عالم النفس، والباحث في فيلم (بيضة الثعبان)، الشخصية الطبية الأكثر وحشية وسوداوية وبشاعة في تاريخ سينما برغمان بالكامل. كان هذا الفيلم هو العمل الأول لبرغمان بعد مغادرته السويد عام 1976 إثر أزمة اتهامه بالتهرّب الضريبي الشهيرة، والتي وصفها بـ “انهيار عالمي الخاص”.

تدور أحداث الفيلم في برلين عام 1923، في مناخ سوداوي خانق سمح بنمو حركات فاشية كالنازية، وهو مناخ يعكس بدقة الحالة النفسية والجسدية المتدهورة لبرغمان في تلك الفترة. ينتقل تركيز الفيلم سريعاً من البيئة الخصبة للنازية إلى ممارساتها غير الإنسانية، وهنا، يجسّد بروفيسور الطب النفسي هانس فيرغيروس الفلسفة الوجودية الشائهة للنازية، حيث يضع برغمان على لسانه العبارة المحورية في الفيلم: “من خلال الأغشية الرقيقة، يمكن للمرء بالفعل رؤية الزاحف (الريبتايل) الكامل يتشكَّل”.

يظهر البروفيسور بنظرات جليدية، وسلوك صارم لا يعرف الرحمة. يقود تجارب سيكولوجية قاتلة على البشر داخل مصحته العقلية، وفي مونولوج طويل ومرعب، يتقيّأ فيرغيروس بأبشع العبارات الساخرة والعدمية مثل: “الإنسان ليس سوى تشويه خطأ، زلَّة من زلَّات الطبيعة”. ويتنبأ بمستقبل سيطلب فيه العلم نتائج تجاربه هذه ليتم تطبيقها على نطاق بشري هائل ومنظم.

لكن سرعان ما تحاصر الشرطة هذا الطبيب الوحش. ينهي مونولوجه بابتلاع كبسولة سيانيد، ولأنه “عالم” حتى في لحظة حتفه الأخيرة، يرفع مرآة أمام وجهه ليرصد ويراقب ببرود علمي جاف كيف تتلاشى مؤشراته الحيوية أثناء الاحتضار والموت.

رغم أن برغمان ذكر في كتابه (صور) أنه كان يعتقد أنه صنع أحد أفضل أفلامه، إلا أن (بيضة الثعبان) مُني بفشل ذريع نقدياً وجماهيرياً.

من “التعالي الأخلاقي” إلى “النزعة النازية”.. إنفوغرافيك يرصد بالتفصيل كيف تحول الأطباء في أفلام إنغمار برغمان من أدوات للشفاء إلى كائنات جليدية مجردة من الرحمة، يواجهون مآسي الإنسان بعقلانية باردة جافة

هل التقى برغمان حقاً بهؤلاء الأطباء القساة؟

في كتب سيرته الذاتية مثل (الفانوس السحري) و (صور)، وفي دفاتر عمله اليومية، يتحدّث برغمان بإسهاب لافت ومستمر عن معاناته النفسية وأعراضه الجسدية الكثيرة. كانت دفاتر عمله في النصف الثاني من السبعينيات تضج بالشكاوى من أعراض مقلقة، وكان يفسرها لنفسه قائلاً: “غالباً كل هذا ليس سوى عَرَض ضخم للتوتر” أو “هو وسواس مرضي خالص”، وهو التفسير الذي كان يوافقه عليه الكثير من المحيطين به.

ومنذ منتصف الخمسينيات فصاعداً، تحوَّلت زياراته وإقاماته في المستشفيات إلى بروتوكول روتيني شبه دائم. وبمقاييس عصرنا الحالي، كانت فترات بقائه في المستشفى لعلاج مشاكل المعدة، والاكتئاب، والإنهاك العصبي، طويلة ومثيرة للدهشة، إذ كانت تمتد أحياناً لشهور. هذه الفترات الطويلة منحت برغمان فرصة ذهبية لمراقبة ودراسة سلوك الأطقم الطبية عن كثب.

أثناء كتابة فيلم (توت الأرض البري)، خطّ في دفتر عمله عبارة بليغة تلخص فلسفته: “إنني أدرك كم هو ضروري أن أستخدم نفسي كشجرة وفأس في آن واحد”

ولم تكن المستشفيات بالنسبة له مجرد مكان للاستشفاء، بل كانت واحة تتفجَّر فيها رغبته في الكتابة والإبداع. والمثير أن سيناريوهات اثنين من أهم وأعمق أفلامه: (توت الأرض البري) و(برسونا) (Persona)، كُتبا بالكامل داخل أسوار المستشفيات (مستشفى معهد كارولينسكا الجامعي، ومستشفى صوفياهيميت على التوالي).

كان أحد أقرب أصدقاء برغمان هو ستور هيلاندر، الطبيب المساعد في مستشفى معهد كارولينسكا الجامعي، وخلال فترة مكوث المخرج هناك عام 1957، دعاه صديقه الطبيب لحضور محاضرات حول “الطب النفسي الجسدي” السايكوسومات. وجد برغمان في هذه المحاضرات ضالته كمريض وكمبدع سينمائي على حد سواء، وعلّق عليها قائلاً: “كانت تلك بالنسبة لي الثورة الكبرى. أنا كائن سايكوسوماتي للغاية.. لقد كان ذلك تفسيراً حاسماً غيّر مجرى حياتي، وجعلني أفهم تعقيداتي الجسدية”.

لكن، وبالعودة إلى كل ما خطّه برغمان في مفكراته الشخصية، يتبيّن بوضوح أنه — ورغم لقاءاته التي لا تحصى بالأطباء — لم يلتقِ في الواقع بأي طبيب يشبه تلك النماذج الباردة، الساخرة، أو المنفوخة ب”الايغو” التي ملأت شاشاته السينمائية. إذن، لماذا اختار هذه الـ “بروفايلات”؟ يبدو أن برغمان كان مدفوعاً برغبة أولية لتشريح هذه الأنماط البشرية السامَّة، ووجد في مهنة الطب — بما تحمله من مواقف وجودية، وعلاقات إنسانية، وسلطة على الحياة والموت — البيئة المثالية، والمسرح الأقوى لتجسيد صراعاته.

من بئر الذات: الطبيب هو “أنا”

إذا لم يكن أطباء مستشفيات السويد هم الإلهام وراء هذه الصور المشوّهة، فمن أين استقى برغمان هذا البرود؟ الجواب يكمن في بئر داخله المعقَّد، والمتشابك.

إن حياة برغمان وأعماله الفنية كيانان يصعب الفصل بينهما. ويتفق نقّاد السينما على أن المخرج كان يغرف شخصياته من مستودع نفسه، وفي مقابلات عديدة، اعترف بأن البطل الحقيقي لجميع أفلامه هو “هو نفسه”. وأثناء كتابة فيلم (توت الأرض البري)، خطّ في دفتر عمله عبارة بليغة تلخص فلسفته: “إنني أدرك كم هو ضروري أن أستخدم نفسي كشجرة وفأس في آن واحد”. كان يرى أن عملية التشظّي وتقسيم ذاته إلى شخصيات هي المفتاح لفهم حياته وفنه معاً.

وفي عام 1960، نشرت مجلة تايمالأمريكية بروفايلاً مطولاً عن برغمان، أطلقت عليه فيه لقب رجل الجليد“. ووفقاً للمقال، فإن برغمان نفسه، والنساء اللواتي عشن معه، اتفقوا جميعاً على حقيقة واحدة: “إن برغمان يمتلك قلباً من طراز جليدي“.

وفي الختام، يمكنني القول إن هناك مفارقة صارخة وصادمة في برود برغمان الوجداني المفترض، فالمخرج الذي يتحدَّث بشغف هائل وعاطفة متقدة عن البرود واللامبالاةلا يمكن أن يكون كائناً بليداً بالكامل. إن مشاعر السخرية، والأنانية، والغرور، وجلد الذات، والشعور الدائم بالعجز والتي ألبسها لأطبائه السينمائيين، شُخّصت وصيغت في كتبه ومقابلاته بحيادية وانغماس مفرطين ينفيان عنه تهمة البرود.

إن الطبيب البارد عاطفياًفي نهاية المطاف، ليس سوى قناع من الأقنعة الكثيرة التي كان برغمان يستدعيها ويخرجها، متى شاء، من مخزنه الداخلي الثري بالشخصيات والأنفس المتصارعة.

اترك تعليقاً

Exit mobile version