الأربعاء, 10 يونيو 2026

في عوالم الشاعر الفلسطيني سعد الأبطح، لا تولد القصيدة من رغبة عابرة في التدوين، بل تنبثق من “عتمة فجوة صفرية”، فهو الشاعر الذي يرى في العتمة خزانة الله الكبرى، وفي الرياضيات الموسيقى الأصلية لبنية هذا العالم. من جرح اللجوء المتنقل من دمشق الحاضنة الأولى إلى ضباب برلين العنيد وعزلتها المفروضة، يكتب الأبطح نصوصاً ملساء ومحايدة في ظاهرها، لكنها تتدحرج أمام القارئ كشحنات إرباك وجودي لا تهدأ. .

في هذا الحوار الخاص بـ “الكوميونيتا”، نُبحر مع الشاعر الأبطح في جغرافيا المنفى الأوروبي، ونسأله عن وعي “برلين” المثقلة بالحروب والنهوض، وعن أسرار تدجين البشر في عصر الشاشات، وعن جدوى النشر في فضاء “الفيسبوك” الأزرق، واقتناص لحظات الخلود فيه. حوار يقلب مفهومنا للعزلة، ويعيد ترميم علاقة “رياضية” متعبة مع العالم عبر بوصلة الشعر وحده.

*تصف قصائدك بأنها ” بريئة ومحايدة وملساء، وتفتح بعد قراءتها فجوة في الفهم”. هل هذا الوصف ينسحب على كل ماتكتب، وفي هذه الحالة كيف يوازن سعد الأبطح في عملية الكتابة بين مايمكن وصفه ب”البرود الظاهري” للنص المكتوب، وبين هذه “الفجوة” في الفهم التي تتدحرج أمام القارئ؟

**لا بصراحة ، هي بعض قصائد فقط، والكثير منها منخرط  فيما يسمى القضايا الإنسانية الملحّة، وللتخفف من ثقل كلمة قضايا الثقيلة أكثر مما أحتمله  شعرياً، دعنا نقول أسئلة الإنسان الكبرى، والتي ليست كثيرة على أي حال، ففي النهاية هناك عدد محدود من هذه الأسئلة  يترأسها سؤالا الموت والحب، من جهة ثانية، وقد يفاجئك ما سأقول إنني في طفولتي كانت علاماتي بمادة الرياضيات مروعة، لم أفهم هذه المادة أبداً، وترك ذلك مايشبه ندبة في ذهني، وحثَّني (على كبر) أن أسعى بمساعدة صديق لامع في الرياضيات (انتحر لاحقاً)، ولأكتشف أنني من الشغف بها إلى حد الاعتقاد أنها اللغة الأصلية لبنية العالم، ويمكن القول  بشيء أكثر من  التحفظ أنها لغة الله، هذه اللغة التي قام (أينشتاين) بتحويلها إلى رموز وترجمها (باخ) إلى أصوات، ومن هنا نفهم أيضاً لماذا تحوّلت الفيثاغورثية إلى دين  حين نظرت إلى العدد كمبدأ لا كرقم،  وحين أقول إن العالم ينبثق من “عتمة فجوة”، فأنا أتحدث عن لحظة قبل التعيّن، قبل أن يصبح هناك زمن أو مكان ، نقطة صفرية لا يُقاس فيها شيء، لكنها تحمل إمكانية كل شيء. وفي المقابل، حين أتحدث عن القصائد التي تبدو محايدة وبريئة، فأنا أفكر أحياناً بصورة امرأة بهذه الصفات، لكنها تملك قدرة على الإرباك العميق، كأن البراءة نفسها قد تكون شكلاً من أشكال القوة. بالعموم وشخصياً أنا لا أميل إلى إغراق الشعر بالصور بمعناها الزخرفي، لأنني أقرب إلى التأمل منه إلى التكديس البصري، رغم أنني مفتون بالصورة ومشغول بها للغاية، لكنني أعتقد أن الشعر لا ينبغي له أن يتحوّل إلى سينما، بينما أرحّب بشدّة أن تتحوّل السينما إلى شعر .

*تقول: “إنما العتمة خزانة الله التي تتكدَّس فيها صور الأشياء”.. هل هذه العتمة متأتية من إقامتك الإجبارية في برلين بحيث أن الخزانة المذكورة هي المسؤولة عن توليد مثل هذه الصور؟!

**بالنسبة لخزانة الله التي تتكدّس فيها صور الأشياء، فأنا أواصل الفكرة نفسها: فكرة اللحظة التي تسبق التشكّل. ما أحاول تخيّله  هو نقطة أولى متفرّدة، لا معنى فيها للزمن أو السبب، أشبه بنبعٍ بكر، برحم أسود أو ثقب أسود يتسع لاحتمالات لا نهائية. في هذه الخزانة، الصور ليست أشكالاً ثابتة، بل نبضات، اهتزازات، أو احتمالات تتجه نحو التكوّن. كأن اللغة العربية تمنحنا كلمة جميلة هنا: “الهيئة”، من الفعل “يتهيأ”، قد يفهم على أنه يتخيّل أو يستعد لأن يصير شكلاً . في هذا التصور، ما يوجد هو حالات كمومية من الصورة قبل أن تستقر في شكلها النهائي، كما نراها لاحقاً في الفن، من الانطباعيين إلى التعبيريين، كأن الفن كله محاكاة لهذا التكوّن، وبينما أتابع هذه التأملات في الموت الحراري للكون أو احتمالات الارتداد العظيم، لا أنسى أنني أتكلم من موقع شخصي جداً: أنا لاجئ فلسطيني في برلين، بعد أن كنت لاجئاً فلسطينياً في دمشق. برلين ليست معتمة بالنسبة لي رغم غيومها العنيدة جداً، لكنها مدينة تضع الإنسان أمام طبقات من أسئلة المصير والمعنى. وربما يكون اهتمامي بالفيزياء وما ورائها، في جزء منه، محاولة للذهاب إلى سؤال أكبر من الجرح الشخصي والعائلي. أحياناً يكون الهروب من معضلة بحجم غرفة إلى معضلة بحجم الكون شكلاً من أشكال التفكير في ذلك الجرح، لا الهروب منه، وفي النهاية، فلسطين بالنسبة لي ليست فكرة  مجردة، بل حق أساسي وناقص، ولا أرى إمكانية للسلم مع النفس والآخر  من دون الاعتراف بهذا الحق .

*هل وظيفة الشعر برأيك هي “سحب” التاريخ من أيدي المؤرخين والسياسيين، وإعادة كتابته بمقاييس لا تخضع لمساطر العلم.. أنت تقول: “شعرياً، يمكننا هكذا أن نؤرخ العالم”؟
**أفهم ما تقصده رغم رعبي من كلمة وظيفة سيما أنني أصبحت موظفاً من فترة قريبة (يضحك). على الأرجح أن الشعر، وأقصد بالشعر أي الفنون كافة هو أول تأريخ يقوم به الإنسان، فقبل اختراع أو إتقان – وثمة من يقول تلقي- اللغة ذاتها وقبل الزراعة والصراع لاحقاً  بين الثقافة والطبيعة قام الإنسان بتأريخ صيده وأنشطته على جدران الكهوف،  لقد ترك أجدادنا من النياندرتال والهومو رسومات هي من الروعة وسريان القشعريرة؛ أننا كلما نظرنا إليها كأننا ندخل بوابات للزمن تنقلنا بلحظة إلى ذلك العصر. مرة أخرى أقول إن ما أكتبه هو منخرط  مع هموم الناس وتطلعاتهم حتى لو بدا شديد الانهماك بالذات كما وأحب بعض قصائد النواب المباشرة وخشونة الماغوط على حد سواء مع نعومة رياض الصالح حسين، إذاً في الشعر والشعر وحده ربما  يمكنك أن تجيب عن سؤالك لنفسك من أنت ؟ حين يجيبك الشعر: أنت ما لم تستطع أن تكونه، أنت ما تحلم، وأعتقد أنه لا حلَّ لمشكلة اغتراب الكائن البشري إلا في الشعر،  وبذلك سيثمر  القلق متحولاً من قلق فرويدي إلى قلق هايدغري، أي من عصاب إلى فلسفة، وبالنسبة لإمكانية تأريخ العالم شعرياً فما كتبته  هو أنه يمكننا القول منذ القبلة الأولى، بعدها أو قبلها كما نقول قبل الميلاد وبعده …  ومن الطريف ذكره أنني قرأت مرة طرحاً أنثروبولوجياً- نسيت مصدره -: أن القبلة  ربما تطورت من علاقة حيوية بين الأم والطفل، فقد كانت الأم تمضغ الطعام لتلقمه مباشرة في فم ابنها، مما يتطلّب تماساً طويلاً بين الشفاه، ولا يتمكن الطفل من لفظ الطعام حتى تتم عملية البلع، (وإن  صحَّ هذا أو لم يصح، فيا له من تاريخ  شعري لجسدنا البشري كله.

*هل تعتقد أن الحرية التي حظي بها جيلك تحوّلت مع مرور الوقت إلى مصيدة، وأن الكتابة أصبحت تجميع مراثي لجيل كامل تلاقت مع نذر سقوط الكثير من الأحلام الكبرى؟!

**أية حرية تقصد، وهل تتحوّل الحرية إلى مصيدة ؟ !!! وإن كانت الحرية مصيدة، فأنا أول فريسة ستنطلق نحوها بعينين مغمضتين. أنا فعلاً  صرت أتجنب الخوض في إبداء رأي عن مفاهيم كبرى كالحرية والعدالة والحقيقة، لأن من طببعة الناس أن يختلفوا حول كل شيء، وتحديداً التعريفات، ولا أحب أن تؤول هذه المفاهيم الكبرى إلى قياسات نسبية، لكن (الواقع) يقول إن الحرية  تعني لشخص يعيش الآن في غزة غيرها لشخص يعيش في برلين أو شنغهاي، وهذا لا يمنع أن يتفق الثلاثة على سمات عامة لنفس المصطلح. عموماً اليوم مثل الأمس  من حيث أن مقدار ما تملكه يعطيك استقلالية أكبر، والكثير من الناس يفهمون  هذا على أنه حرية. أما بالنسبة للأحلام، وهي (ملعبي)، فأستطيع أن أتحدَّث بثقة أكبر، فالأحلام لكي تبقى أحلام لا يعنيها أن تتحقق، وهذا لا يدعو للنواح أو  الرثاء  أبداً،  أما قولك بسقوط أحلام، فيفترض ضمنياً أن الأحلام تحققت لكنها لم تستطع البقاء فسقطت، وهذا يصح إن كان المقصود بالأحلام هنا تطلعات سياسية على الأغلب،  وبالنسبة لي لدي طريقتي الأخرى التي أحلم بها، وفهمي الآخر للحلم، وقد كتبت قصيدة بهذا الخصوص حبذا لو أوردها  بهذه الدردشة: في كل بيتٍ مرآةٌ . . يالها مصيدةٌ .. وكم هو موجعٌ ،أن نتفقد كل يوم، كم هي مقبولةٌ….  وجوهُنا . ننكرُ ما تقوله مرايانا، ونجبرها على إظهارِنا  أقوى، وأحلى، وأفتى، وإذ تضجرُ المرآةُ من هذهِ الوظيفةِ يوماً، تنكسر …. قلوبُنا. …. يفسدُ الحلمُ حين لا نميّزُ بينَ والرغبةِ والحلم، وإذْ نخلطُ بين الحلم والطموح … يستيقظُ الشرّ. من الرجاحة إذاً : ألاّ نفرضَ أحلامنا على الآخرين، بل ومن المحبة : أن  نتبادلها مع الآخرين ومن الشجاعة أن نبدّلها  حين نريد، حتى لو اتهمنا الآخرون بالخيانة.

ما يميز عصرنا أن الإنسان صار يضع الأصفاد بيده حول يديه معتقداً أن أطنان الخردة التي يستهلكها هي السعادة وآلاف المعلومات التي يتلقفها عبر الشاشات هي المعرفة، وصار مسموحاً له أن يطير، لكن داخل القفص.

*أنت تعيش تفاصيل اللجوء منذ عقد على الأقل.. ماذا قدّمت لك برلين ثقافياً وشعرياً، وهل العثور على منبر للقراءة في مدينة تمتلك تاريخاً مثقلاً بالحروب يمكن أن يضيف شيئاً لهارب من حرب، وليس أمامه سوى أن يكتب رغم الخوف والضجر واحتراف النجاة؟!

**برلين برلين ….أحياناً أشعر أنه لا يمكنني بالكلمات الإحاطة بهذه المدينة، وصدقني أن الوقت الذي قضيته فيها، ١٢ سنة، غير كافي لمعرفتها جيداً. أنا ممتن فعلا لهذه المدينة ذات الأوجه والطبقات العديدة ،  الشجر الكثير هنا كفيل لوحده يافجر  بأن أحب هذه المدينة ناهيك عن الماء، ولكم أحب أن أقول إنني أسكن بجوار نهر. عندما ترى من خلال الوثائقيات والصور كيف أبيدت هذه المدينة ثم صارت هكذا لا يسعك سوى أن تتفاءل. برلين مدينة بعدة نكهات، وأحد من هذه النكهات هو نكهة شرق أوسطية من حيث ديناميتها ليلاً ونهاراً،  وأنها مصهر ثقافات وطبائع بشرية دون أن تتخلّى عن رسوخها وتجهمها الألماني بذات الوقت.. برلين الفقيرة لكن المثيرة كما يصفها مثقفوها، أما برلين بالمعنى المنبري،  فحظي ليس جيداً فيها، لأن هناك حواجز كثيرة من أهمها اللغة الألمانية التي درستها إلى مرحلة أستطيع فهمها  أو قراءتها أكثر من التحدث بها بطلاقة، وثانياً غياب مؤسسات عربية تقدمك، أو تقوم بربطك بالمؤسسات الألمانية،  يوجد أشخاص كثيرون، ومنهم أصدقاء استطاعوا بطرق لا أعلمها ولا أستطيعها أن يحصلوا على منح ثقافية لكن ضمن معايير ومواضيع لا أستسيغها (وأُفضل في هذا المقام  أن لا أُفصل)، ولكن من المهم جداً لي أن أقول إنني على يسار اليسار بما يتعلّق بالكثير من هذه المواضيع،  كحقوق الاختلاف بالتفكير والرغبات والمعتقدات والتوجهات،  ولكنني لا أقبل أن يحدد لي أحد  ما هو المطلوب، وعن ماذا يجب أن أكتب.

*هل غيَّرت الجغرافيا الأوروبية من نظرتك لبعض الحقائق الثابتة، كأن تقول: “الثلج أبيض وصامت؟ هذا نصف حقيقة، أما بارد، فوجهة نظر”؟!
**من المؤكد أن الثلج فعل بروحي ما فعل، وإذا كان البرد يؤلم، فإنه يمنح كذلك  نشوة لم أختبرها من قبل، أسميتها  نشوة اليقظة، وفي بعض الليالي المهيبة حيث يسود الثلج بصمته الأبيض على كل شيء يصبح صوت انسحاق الثلج تحت الخطى باعثاً على الشعور بالأنس، وهذا مسلي أكثر من التفكير بالحقائق والمصير  .

*تكتب بنبرة ساخرة ومريرة: “من فرط ما يحلم الناس، تنمو لهم أجنحة.. كأجنحة الدجاج”. هل تعتقد أنه إلى هذا الحدّْ قد تمَّ تدجين الإنسان وتحجيمه في العصر الحديث، بحيث أنه لم يعد يولد مخلوقاً للطيران في الأعالي مثل الصقور، أو حتى طيور الحمام على أقل تقدير؟!

**العصور الماضية لم تكن أكثر رأفة بالإنسان، لكن ما يميز عصرنا أن الإنسان صار يضع الأصفاد بيده حول يديه معتقداً أن أطنان الخردة التي يستهلكها هي السعادة وآلاف المعلومات التي يتلقفها عبر الشاشات هي المعرفة، وصار مسموحاً له أن يطير، لكن داخل القفص.

لا أعتقد أنه تم تدجيننا وحسب، بل تجاوزنا التدجين إلى اغتراب أشد قسوة، فالتدجين بحد ذاته هو أحد وسائل تغريب النفس الإنسانية وفصلها قسراً عن طبيعتها وميلها الغريزي للانتماء و التعاون والتقاسم مع الآخرين، لقد بلغنا من الأنانية (تحت مسمى الفردية) والارتياب، إلى أعماق سحيقة حتى بات من المشروع أن نتساءل ما إذا كان الفن نفسه قادراً على انتشالنا منها وأخشى أن الجواب ليس مطمئناً.

*هل الشعر هو القدرة على اقتناص الخلود.. أنت تختتم أحد نصوصك بالقول: “يكفينا من الخلود، هذه الساعة من الليل حيث أسمع في صمتك تنفس البذور” ؟!
**نعود إلى الحديث عن الزمن، فقبل أن أسأل إن كان الشعر اقتناصاً للخلود، أسأل نفسي: هل الأبدية زمن أصلًا أم هي، بتعبير صوفي، مقام يتوقف فيه الزمن؟ أحياناً أفكر أن الأولى ببروميثيوس أن يسرق الخلود لا النار من الآلهة. أنا، مثل ملايين البشر، أعجز عن فهم الزمن فهماً كاملاً. لذلك لا أتصوّر الخلود باعتباره امتداداً لا نهائياً للأيام، بل باعتباره لحظة امتلاء أو انتشاء أو استغراق، لحظة يتلاشى فيها الإحساس بالتعاقب والزوال. في مثل تلك اللحظات يقارب الإنسان اللانهائي، حين لا يعود ثمة فرق بين تنفس الأشجار أو البحار أو السموات، وبين نفحات أنفاس من تحب حين تلامس صدر. إذا كان للشعر صلة بالخلود، فربما هي منحنا هذه اللحظات النادرة .

*تتميَّز نصوصك بكثافة رمزية عالية تحتاج إلى تمهُّل في القراءة، في ما يتسم “الفيسبوك” بالسرعة والاستهلاك والتشَّفي بالقارئ الحصيف. ماهي الجدوى من نشر نصوص مركّبة كهذه في فضاء تحكمه “خوارزميات غامضة”، وتفاعلات سريعة؟

**ليس في الأمر حكمة أبداً. أحياناً أستسلم فقط لرغبة إنسانية مشروعة في أن أكون مرئياً أو مسموعاً. حتى عام 2022 لم يكن لدي أي حساب إلكتروني، لكن بعض الأصدقاء كانوا يرغبون في قراءة ما أكتب، فأنشأت لي ابنتي حساباً على فيسبوك. مع ذلك لا أستطيع القول إنني شغوف بهذه المنصّات. كثيراً ما أجد نفسي عالقاً في مشهد من السخف أو العنف أو الضجيج يكفي لإفساد يوم كامل. لكن من جهة أخرى، أين يمكن أن أنشر ما أكتبه؟ لقد تحدثنا سابقاً عن غياب المنابر والمؤسسات القادرة على احتضان أصوات تشبه صوتي، وإن وجدت فهي تحتاج إلى مفاتيح لا أملكها. نحن نعيش في زمن سائل وسريع إلى حد يصيب المرء بدوّار دائم. وربما لهذا ألجأ إلى الترميز. فهو، من جهة، اقتصاد في اللغة وتوفير للطاقة، ومن جهة أخرى محاولة للقبض على أفكار شديدة الانزلاق، يصعب الإمساك بها بالعبارات المباشرة. الرمز بالنسبة إليّ ليس تعقيداً متعمّداً، بل وسيلة لمطاردة ما يهرب من اللغة العادية.

*في نصوصك، تمنح الخيبة والضجر مساحة كبرى، وفي المقابل، يقوم الفيسبوك على ثقافة الإعجاب(Like) مقابل الإعجاب والتفاعل الافتراضي المبهج. هل ثمة مفارقة هنا في تلقي “إعجابات” رقمية على نصوص تنضح بالمرارة جرَّاء الوقوع في مصيدة المنفى؟ وكيف يخدم هذا التفاعل المباشر عزلة الشاعر المقيم في برلين وبنائه لعالم خاص يمكن الاحتفاء به؟

**ما أعانيه من عزلة وشعور بالانسلاخ لا تواسيه ملايين إشارات الإعجاب أو الجوائز. في المقابل، لا أرى نفسي معزولاً إلى حدّ العواء في خلاء كذئب، أنا أحيا بكل قلبي في قلب العالم، ولا أتوقف عن متابعة ما يحدث حولي، أحياناً إلى درجة الهوس، لكنني، في الوقت نفسه، لا أتنازل عن تلك الخلوات التي أحقق فيها تواصلي العميق مع نفسي. وربما تكمن المفارقة في أنني انتقلت من عزلة مختارة إلى عزلة مفروضة، بعد الفرار من بلاد تحترق إلى بلاد يصعب فيها أحياناً حتى مجرد التواصل البسيط مع الآخرين. لقد ولدت في أسرة كبيرة، وفي بيت كان من النادر أن يُغلق بابه، ليلاً أو نهاراً. ومع ذلك، أحتاج اليوم إلى الهدوء الذي تمنحه العزلة أكثر مما أحتاج إلى العزلة نفسها، هدوء أستعيد فيه ذاكرتي ومخيلتي، وأرمم به علاقتي المتعبة مع العالم. أما عن “الإعجابات”، فلا أراها معياراً ولا أبحث عنها. نصوصي لا تنتظر تصفيقاً رقمياً، وهي في النهاية لا تتجاوز بضع عشرات من التفاعلات. ما أتمناه ببساطة هو أن يصل النص ولو إلى  قارئ واحد، من بين هؤلاء القلائل، يقرأه بالتمهل الذي يستحقه.

اترك تعليقاً

Exit mobile version