في مساءٍ صيفيٍّ بعيد في حيِّ جوبر الدمشقي، حين كانت أشجار الحديقة تتثاءب تحت ضوءٍ ذهبيٍّ خفيف، جلس طفلٌ في الشهر العاشر وأخته أمام عدسةٍ صغيرة. خارج الكادر كانت يدُ الأب تمسك يدَ الطفل كي لا يسقط، كما تمسك الأرضُ آخرَ سنبلةٍ قبل الريح. التُقطت الصورة في زمنٍ كان للكبار فيه يقينٌ عجيب… أن الغد ينتظرهم خلف الطريق، وأن البلاد البعيدة ستعود ذات يومٍ على أقدام الأبناء.
مرّت اثنتان وأربعون سنة..
كَبُرَ الطفل، وشاخت الأشجار، ومرّت حروبٌ كثيرة فوق الأسطح والقلوب. ثم جاء القصف، وانهار البيت، واشتعلت الخزائن، وضاعت الألبومات التي كانت تنام فيها الوجوه مثل عصافير ورقية.
كان ينبغي لهذه الصورة أن تموت مع ما مات،
لكنها نجت خرجت من الركام نسخةً باهتة، مصوَّرة بهاتفٍ رديء من صورةٍ أقدم منها، كأنها قمرٌ يعبر ليلاً طويلاً حاملاً آخر ما تبقّى من ضوء العائلة.
اليوم، حين أنظر إليها، لا أرى طفلين فقط.
أرى مساءً فلسطينياً كاملاً ما زال عالقاً في قبضة أبٍ هربت من هذا الكادر، ولم تهرب من الذاكرة. كانت هناك، في الصورة الأولى، قبل أن تأكل الحرب بيتها الورقي.
أمّا الطفل، فما زال واقفاً هناك منذ اثنتين وأربعين سنة، داخل تلك القبضة الغائبة التي ما زالت ترفعه عن الأرض… ولو قليلاً.

