في تلك السنوات، كنا أصغر من أن نفهم الجوع، وأكبر من أن ننساه. 1958 “مطرٌ مطرٌ مطر… وفي الرقة جوع”*
أفرغت السماء غيومها دفعة واحدة، ففاض النهر إلى مستوى لم تشهده الرقة منذ عقود. جرفت السيول التربة وأتلفت الزرع، ونفقت المواشي، ولم ينجُ سوى بعض الماعز. لم تكن على الضفتين أشجار تؤوي العصافير ولا ما يطمئن القلوب الخائفة. كنت شاهداً على ولادة أفواه جائعة؛ أيامٌ حبلى بالمطر أنجبت الألم. منع أيوب الحزن من دخول البيت، وبحث بعناد عن رزق يسد جوع العائلة، فيما جفّ حليب الأم وخمد التنور. كانت سنوات الوحدة بين سوريا ومصر ثقيلة على الفقراء، حتى شاع أن السماء نفسها لم تكن راضية عما جرى. صار كيس الطحين حلماً يومياً. وكانت مؤسسات الإغاثة توزع الطحين والملح والزيت والسكر وعلب السردين وكيساً من الحليب ما زلت أذكر طعمه. واستمر الجوع حتى ربيع 1961، حين اخضرَّت الأشجار وأينعت الحقول. عاد الفرح تدريجياً إلى القرية؛ تزوّج ديكران، وأحيا عليكو حفلات الزفاف، وزار الأب نيقولا لإقامة المعموديات. تناثرت السكاكر والنقود، وزغردت النساء، بينما رقص أيوب في رأس الدبكة كمن يفاوض الهزيمة على فرصة أخرى. أشرقت الشمس مجدداً على «هيكو» والعائلات الأرمنية الناجية. وقف أيوب أكثر صبراً ودفئاً، مؤمناً بأن الأيام لا تبقى على حال. ذلك بعض ما ورثناه من رجل علّمنا كيف ننجو دون أن نفقد إنسانيتنا
. * اعتذار إلى بدر شاكر السياب
.
المقالات ذات الصلة
تواصل معنا
إشترك الآن
إشترك الآن في مجتمع الكوميونيتا.. و احصل علي كل ما يهمك عن السويد بالعربية
جميع الحقوق محفوظة © 2026 الكوميونيتا. التطوير OCTET CARBON LTD.

