الأربعاء, 17 يونيو 2026

في زمن لم تعد فيه الصورة مجرد أداة دعائية، بل خطاباً سياسياً كاملاً، لم يكن ظهور الممثلة الأميركية غوينيث بالترو في حملة ترويجية لمشروع عقاري فاخر في إسرائيل حدثاً عابراً في صناعة الترفيه. لم يكن الأمر يتعلّق بإعلان جديد لممثلة اعتادت أن توظف صورتها العامة في خدمة مشاريع تجارية، بل بمشهد أكثر تعقيداً: نجمة هوليوودية تبيع فكرة الرفاهية المطلقة بينما تقف فوق أرض ما تزال تعيش على وقع الإبادة الجماعية.

الإعلان الذي روّج لمشروع 51 Park الفاخر في مدينة هرتسليا الإسرائيلية أثار موجة غضب واسعة على المنصات الرقمية، ليس بسبب وجود اسم مشهور يروّج لعقار فاخر، بل بسبب التوقيت والسياق. ففي اللحظة التي تتصدر فيها صور الدمار والتهجير والموت القادم من غزة نشرات الأخبار العالمية، ظهرت بالترو لتقدم نسخة أخرى من الواقع: شقق فاخرة، مساحات خضراء، هندسة معمارية مترفة، وحياة مصممة بعناية للنخبة القادرة على شراء الهدوء.

لكن ما يكشفه هذا المشهد يتجاوز الجدل السياسي المباشر. نحن هنا أمام نموذج متكرر في الثقافة المعاصرة: تحويل المشاهير إلى أدوات لإعادة إنتاج الشرعية الأخلاقية لرأس المال. فالمشاهير اليوم لا يبيعون منتجات فقط، بل يبيعون شعوراً ضمنياً بأن كل شيء طبيعي. حين تظهر شخصية مثل غوينيث بالترو — التي بنت صورتها العامة عبر علامة Goop القائمة على ثقافة العافية والرفاهية — داخل حملة كهذه، فإن الرسالة غير المعلنة تصبح واضحة: استهلك، اشترِ، استمتع، ولا تنظر إلى ما يوجد خارج إطار الصورة.

هذا ما يمكن تسميته بـ الرأسمالية التجميلية، ذلك الشكل من السوق الذي لا يكتفي ببيع السلع، بل يعيد تغليف الواقع نفسه. هنا لا يعود العقار مجرد مساحة للسكن، بل يصبح وسيلة لإخفاء التاريخ. يصبح البحر منظراً طبيعياً فاخراً، لا جغرافيا شهدت التهجير والقتل الإبادي الممنهج. تصبح العمارة الحديثة رمزاً للنجاح، لا امتداداً لاقتصاد سياسي بذيء يقوم على الإقصاء وإعادة توزيع المكان.

لم تكن غوينيث بالترو تبيع شققاً فقط. كانت تبيع الوهم الأقدم للرأسمالية بنسختها الأحدث المنفلتة من عقالها: أن بإمكان الرفاهية أن توجد بمعزل عن التاريخ، وأن الجمال يمكن تسويقه حتى فوق الخراب.

ما يثير القلق في هذه الحالة ليس الإعلان نفسه، بل ما يكشفه عن طبيعة الثقافة الجماهيرية المعاصرة. لقد أصبحت صناعة الترفيه قادرة على إنتاج انفصال كامل بين الصورة والواقع. يمكن للمشاهير أن يبيعوا منتجات الرفاهية بينما تدور الحروب العدوانية في الخلفية، ويمكن للجمهور أن يستهلك هذه الصور كما لو أنها منفصلة تماماً عن السياق السياسي الذي تنتج داخله.

المفارقة أن صناعة الرفاهية نفسها تعتمد دائماً على محو شيء ما: محو العمل الذي ينتجها، محو الفوارق الطبقية التي تسمح بها، وأحياناً — كما في هذه الحالة — محو التاريخ ذاته.

ليست القضية هنا في موقف غوينيث بالترو الشخصي، بل في البنية الثقافية التي تجعل من الشهرة سلطة قادرة على إعادة تعريف ما يبدو مقبولاً أخلاقياً، فحين يصبح المشهور واجهة لعقار فاخر في لحظة مأساة إنسانية مستمرة، فإننا لا نشاهد إعلاناً تجارياً، بل نشاهد كيف يستطيع النظام الاقتصادي العالمي أن يحوّل حتى الألم البشري إلى خلفية صامتة لمشهد استهلاكي أنيق.

ربما لم تعد المأساة الكبرى مقتصرة على الحروب نفسها، بل في قدرتنا المتزايدة على التعايش معها بصرياً. أن نشاهد صور الدمار صباحاً، ثم إعلاناً فاخراً فوق الأرض ذاتها مساءً، دون أن نشعر بأن هناك تناقضاً يستحق التوقف.

وهنا تحديداً تكمن قوة هذه الواقعة: لقد كشفت كيف أصبحت الثقافة الشعبية العالمية جزءاً من هندسة النسيان. ليس عبر إنكار المأساة، بل عبر إنتاج صور أكثر لمعاناً تجعلنا نتوقف عن رؤيتها.

في النهاية، لم تكن غوينيث بالترو تبيع شققاً فقط. كانت تبيع الوهم الأقدم للرأسمالية بنسختها الأحدث المنفلتة من عقالها: أن بإمكان الرفاهية أن توجد بمعزل عن التاريخ، وأن الجمال يمكن تسويقه حتى فوق الخراب.


اترك تعليقاً

Exit mobile version