السبت, 1 أغسطس 2026

ثمة تجربة يكاد يجتمع عليها جميع الكتّاب، مهما اختلفت لغاتهم وأجيالهم وتجاربهم، لكنها نادراً ما تحظى بالنقاش الذي تستحقه: الرفض. فهو ليس مجرد رسالة اعتذار من دار نشر أو مجلة أدبية، بل مرحلة تكاد تكون جزءاً من التكوين الداخلي للكاتب، ومع ذلك، يبقى الحديث عنه خافتاً، وكأن الثقافة الأدبية اعتادت التعامل معه بوصفه شأناً شخصياً، لا قضية تمس بنية النشر نفسها.

منذ أكثر من قرن، لم يتوقّف الرفض عن مرافقة الكتّاب. تبدّلت دور النشر، وتغيّرت وسائل القراءة، وظهرت المنصّات الرقمية، لكن السؤال بقي على حاله: من يقرر ما يستحق أن يصل إلى القارئ؟

يصعب تناول هذه القضية دون التوقف عند تجربة الكاتب الأمريكي جاك لندن، الذي تحوّلت سيرته إلى نموذج كلاسيكي في تاريخ الكفاح الأدبي، فقد جاء من بيئة فقيرة، وعمل في مهن شاقة قبل أن يكرّس حياته للكتابة، إلا أن الطريق إلى النشر لم يكن أقل قسوة من حياته السابقة.

الإيمان بالكتابة

وقد انعكست تلك التجربة بوضوح في روايته الشهيرة «مارتن إيدن»، حيث يصوّر شاباً يكرّس أيامه ولياليه للكتابة، ثم يواجه سلسلة طويلة من رسائل الرفض التي تتعامل مع نصوصه ببرود إداري يكاد يخلو من أي اهتمام بالجهد المبذول فيها. لم يكن الرفض بالنسبة إلى إيدن مجرد عقبة مهنية، بل امتحاناً دائماً للإيمان بالكتابة نفسها.

أصبح الوصول إلى دور النشر أسهل من الناحية التقنية، لكنه لم يصبح أكثر عدالة بالضرورة

ومع ذلك، لم يستسلم جاك لندن. كان يقرأ ملاحظات المحررين بعناية، ويعيد كتابة نصوصه، ويقارنها بأعمال الكتّاب الذين نجحوا في الوصول إلى المجلات الأدبية الكبرى. وبعد سنوات من المحاولات، نشرت مجلة The Atlantic إحدى قصصه القصيرة، لتكون تلك اللحظة بداية التحوّل الحقيقي في حياته الأدبية، وليثبت أن الإصرار قد يفتح الأبواب التي تبدو مغلقة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ما زالت تجربة الكاتب المعاصر تشبه تجربة جاك لندن؟

من الصعب الإجابة بنعم أو لا. فالعالم الذي عرفه لندن لم يعد موجوداً. كانت المجلات الأدبية آنذاك تمثل المنصة الأساسية لاكتشاف الأصوات الجديدة، وكانت القصة القصيرة واحدة من أكثر الأجناس الأدبية حضوراً. أما اليوم، فقد تغيّرت منظومة القراءة جذرياً. السينما، والتلفزيون، والهواتف الذكية، ومنصّات التواصل الاجتماعي، كلها أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالنص المكتوب، وقلّصت المساحة التي كانت تحتلها القراءة في الحياة اليومية.

ضغطة زر

وفي المقابل، أصبح الوصول إلى دور النشر أسهل من الناحية التقنية، لكنه لم يصبح أكثر عدالة بالضرورة، فالكاتب لم يعد يطبع مخطوطته ويرسلها بالبريد، بل يرفعها بضغطة زر إلى منصّة إلكترونية، وقد تصله رسالة الرفض بعد ساعات قليلة، وربما خلال دقائق. لقد تسارعت الإجراءات، لكن ذلك لم يخفف من وطأة الرفض.

تتناول الكاتبة كافيتا دوس هذه الظاهرة من زاوية مختلفة، حين تحذر من تحويل الرفض إلى أسطورة رومانسية يتغنّى بها الكتّاب، فنجاح بعض الأسماء الكبيرة بعد عشرات أو مئات رسائل الرفض لا يعني أن الرفض في حد ذاته فضيلة، ولا أنه الطريق الطبيعي إلى الاعتراف الأدبي. وترى أن هذه السردية قد تخفي مشكلة أعمق تتعلّق بآليات النشر نفسها، وبالطريقة التي تُتخذ بها القرارات داخل المؤسسات الثقافية.

من يكتشف القارئ؟

وتشير دوس إلى أن كثيراً من دور النشر تبرر رفض الأعمال الجديدة بغياب الجمهور المتوقع لها، وهو منطق يحوّل الناشر من وسيط بين الكاتب والقارئ إلى حارس يقرر مسبقاً ما ينبغي أن يقرأه الناس، وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية: هل دور النشر تكتشف القراء، أم تصنع أذواقهم؟

ولا يقتصر هذا النقاش على الجانب التجاري وحده، بل يمتد إلى قضايا أكثر تعقيداً، مثل حضور الكتّاب المنتمين إلى الأقليات العرقية والثقافية، فقد أظهرت تجارب كثيرة أن التحيزات الثقافية ما تزال تؤثر في فرص النشر، وأن كثيراً من الأصوات المختلفة تجد نفسها مطالبة بإثبات مشروعيتها الأدبية قبل أن تُقرأ نصوصها على قدم المساواة.

أنا هنا أيها القارئ العزيز

في المقابل، يقدم الكاتب ستيفن مارش رؤية مغايرة، فهو يرى أن الرفض ليس استثناءً في حياة الكاتب، بل هو القاعدة. بل يذهب إلى القول إن ما يميّز حياة الكاتب ليس عدد النصوص المقبولة، وإنما عدد النصوص التي رُفضت، ويعتقد أن الكتابة نفسها تتشكل عبر هذا الاحتكاك المستمر بالفشل، وأن كثيراً من الأعمال الكبرى خرجت من رحم التجارب التي بدت في بدايتها محكومة بالإخفاق.

ورغم اختلاف الرؤيتين، فإنهما تلتقيان عند حقيقة واحدة: تاريخ الأدب لا يمكن فصله عن تاريخ الرفض.

غير أن النقاش لا ينبغي أن يتوقف عند قدرة الكاتب على الصمود، بل يجب أن يمتد إلى مراجعة البنية الثقافية التي تجعل الوصول إلى القارئ أكثر صعوبة. فالإبداع لا يزدهر فقط بإرادة المبدعين، وإنما يحتاج أيضاً إلى مؤسسات أكثر انفتاحاً، وإلى منظومة نشر لا تتحوّل فيها الاعتبارات التجارية، أو الصور النمطية إلى معايير وحيدة للحكم على النصوص.

لقد تغيّرت أدوات الكتابة والنشر، لكن الأسئلة الجوهرية بقيت كما هي. ما زال الكاتب يرسل نصه، وفي داخله الأمل نفسه الذي حمله جاك لندن قبل أكثر من مئة عام، وما زال ينتظر قارئاً مجهولاً على الطرف الآخر.

ولعل السؤال الذي طرحه الروائي التركي أوغوز أتاي ما يزال صالحاً حتى اليوم:

“أنا هنا، أيها القارئ العزيز… أين أنت؟”

إن الإجابة عن هذا السؤال لا تقع على عاتق الكاتب وحده، بل على عاتق الثقافة بأكملها، لأنها هي التي تقرر، في النهاية، إن كانت ستبني جسوراً بين النصوص وقرائها، أم ستواصل إقامة الحواجز بينهما.

اترك تعليقاً

Exit mobile version