الأحد, 2 أغسطس 2026

رحل شاعر «طعم الكرز» قبل ستة عشر عاماً، وفي جعبته أفلام كثيرة. من عرفه عن قرب يدرك أن المخرج الإيراني عباس كيارستمي كان كاميرا متوثبة لا تهدأ. فما بين الفيلم والفيلم يصنع فيلماً من أجل الحياة علّه يؤكد نظرته في فهم السينما التي يبحث عنها من نافذة سيارته. في دمشق 2001 التي عُرض فيها فيلمه الوثائقي عن جائحة مرض الأيدز في أفريقيا، «أ ب ث أفريقا» جاء كيارستمي مع مصوّر الفيلم سيف الله صماديان ونازي بيلار المذيعة الإيرانية في إذاعة «صوت أميركا»، وحضروا مع الجمهور السوري عرض الفيلم.

Foto: Wesam Sabaaneh

كان كيارستمي مخلصاً في فيلمه لروح السينما بكل إحباطات إنسانها ووهنه حين يرقص في حضرة الموت، وكأن شيئاً لن يحدث بعد ذلك. يمكن القول إن هذا الفيلم الذي يحضر في ذكرى رحيله المتجددة مع دزينة أفلام أخرى لمخرج «أين بيت صديقي؟» يشكل بلقطاته الرمادية المعتمة صورة مكبّرة عن روح الإنسان بغض النظر عن لونه وعقيدته ودرجات احتراقه في اللغة التي ينطقها بشاعرية اللقطاء المحاربين.

لطالما أراد كيارستمي في اللقطات القريبة أن يعيد تصنيف فهمه للسينما، في إحدى أهم اللقطات التي تميز انقضاض الكاميرا على جوانية الروح الإنسانية. يكاد يمكن القول إن اللقطة القريبة التي تمسح الوجوه هنا لا تتوسل أبعاداً جمالية درامية بغية الاثارة. ربما يمكن القول إنها تمتلك «بعداً أخلاقياً» أيضاً، وهذا ما يسَّره لنفسه في فيلمه الشهير «كلوز – أب». قصة الفيلم معروفة بالطبع: حسين سابزيان الذي ينتحل شخصية المخرج الإيراني محسن مخملباف ليدخل بيوت الناس ويسرقها، ولعل أقوى ما في الفيلم منظـــر المتهم، وهو يخوض حوارات مع القاضي والمخرج حول معنى اللقطة المقرّبة في السينما.

Foto: Fajr Yacoub

بعد هذا الفيلم لم يعد ممكناً القول إن كيارستمي لم يصنع هوية خاصة وضعته في مصاف السينمائيين الكبار. فأكيرا كوروساوا اطمأن إلى أن السينما ستظل بخير بعد رحيل ساتياجيت راي بحضوره، وجان لوك غودار قال إن السينما تبدأ من عند غريفيت وتقف عند كيارستمي.

في زيارة دمشق، وبعد الانتهاء من حوار صحافي مطوّل (نشر في جريدة «الحياة» في حينه) طلب كيارستمي زيارة مخيم للاجئين الفلسطينيين. هنا فضّلت نازي بيلار أن تزور مخيم اليرموك جنوب دمشق، فهي سبق لها وشاهدت فيلم «أطفال شاتيلا» للمخرجة الفلسطينية مي المصري. ربما أرادت أن تعقد مقارنات بين مخيم ومخيم. لم تقل شيئاً من هذا القبيل. لكن الدخول من جهة الطابة التي تميّز هذا المخيم غيّر عندها من الإحساس بطعم الفيلم الذي شاهدته. هنا تبدو الأمور مختلفة تماماً. همست بشيء باللغة الفارسية لكيارستمي الذي يعلق الكاميرا الفوتوغرافية برقبته، ويواصل حديثه إلى المصور صماديان الذي لم يتوقف لحظة واحدة عن التصوير.

Foto: Fajr Yacoub

صور جولة ما

جولة كيارستمي في المخيم من المؤكد أنها مصوّرة بالكامل، وهي موجودة في أرشيفه (قيض لي أن أعثر على 20 دقيقة فقط من المصور صماديان في 2020). ففي تلك اللحظات التي بدأت مشياً على الأقدام كان يخيل لمن يرى صاحب «سوف تحملنا الرياح» من خلال أحاديثه المقتضبة إلى المصور أنه يعد لإنجاز فيلم ما بالنظر إلى طبيعة فيلمه عن الأيدز في أفريقيا.

ومـــع التدمير الكلي الذي لحق به علــى أيدي المتناحرين وسقوط نظام بشار الأسد، وحلول نظام جديد محلَّه لم يعد المخيم إلى هويته الأولى، مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين الذي نعرفه في الحياة الواقعية وفي السجلات، كأن اللجوء بالنسبة للفلسطيني حين يُعقد العزم عليه لا يكتمل إلا بصور الحرب والدمار والموت الخراب.

لم يفصح في شكل مباشر عن رغباته. هو يدرك أن مشاريعه تظل في حركة الكاميرا التي لا تهدأ، وهو يصوّر لأنه يدرك أن كل شيء من حوله يتغيّر، فهل هو هنا ليخضع كل شيء لـ«ميثولوجيا» الأشخاص الواقعيين؟، لكن كيارستمي لم يعط إجابة واضحة حينها. ربما لم يكن على عجلة من أمره للإدلاء بأي كلمة. لكن المادة الأرشيفية التي صوَّرها صماديان ستظل تحكي عن مرحلة كان فيها مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين يشكل حالة «اللامخيم» في وعي من يزوره. لم يكن يرتبط بشيء مع بقية مخيمات اللاجئين. كان قريباً من ضاحية تحلم بأن تلتصق بالمدينة وتنزع عنها خطأ التسمية. ربما لم يكن أمراً طبيعياً. لكن دخول رأسمال المال الريعي العقاري إلى مخيم اليرموك دفعه لأنه يعيش حالة التردد في حسم هويته. وفي أقل من عقدين خسر هويته التي نشأ من أجلها في الحفاظ على هوية اللاجئ.

أين الصور

لا أحد – ربما – يعرف ما الذي حلَّ بكامل المادة المصوّرة غير كيارستمي نفسه باستثناء عائلة كيارستمي نفسه. لكن «اللامخيم» عاد إلى الواجهة في أكثر من مناسبة بعد سقوطه في أيدي مسلحي المعـــارضة السورية نهاية 2012، واطباق النظام السوري السابق عليه من كل الجهات التي قد تتيحها منافذه، ومـــع التدمير الكلي الذي لحق به علــى أيدي المتناحرين وسقوط نظام بشار الأسد، وحلول نظام جديد محلَّه لم يعد المخيم إلى هويته الأولى، مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين الذي نعرفه في الحياة الواقعية وفي السجلات، كأن اللجوء بالنسبة للفلسطيني حين يُعقد العزم عليه لا يكتمل إلا بصور الحرب والدمار والموت الخراب.

اترك تعليقاً

Exit mobile version