الجمعة, 7 أغسطس 2026

ثمة فنانون يصنعون منحوتات، وثمة فنانون يعيدون تعريف النحت نفسه، ويقف النحّات البريطاني أنتوني دوغلاس كراغ في الفئة الثانية، فهو لا يتعامل مع الكتلة بوصفها مادةً جامدة، بل بوصفها كائناً حياً يحمل ذاكرةً داخلية، ويتحرّك في الزمن حتى وهو ساكن. ومنذ أكثر من أربعة عقود، استطاع كراغ أن يفرض اسمه بوصفه أحد أهم النحّاتين المعاصرين في العالم، لا لأنه ابتكر أشكالاً غير مألوفة فحسب، بل لأنه أعاد طرح السؤال القديم: ما الذي تستطيع المادة أن تقوله إذا تحررت من وظيفتها؟

العودة إلى الأم

وُلد كراغ عام 1949 في مدينة ليفربول البريطانية، لكنه لم يصل إلى النحت عبر الأكاديميات مباشرة، بل عبر المختبر، فقد عمل في شبابه مساعداً في مختبر كيميائي، وهناك نشأت علاقته الأولى بالمادة، قبل أن تتحوّل الكيمياء إلى جمال، والتجربة العلمية إلى تجربة تشكيلية. كان يرى أن المادة ليست شيئاً خاملاً ينتظر يد الفنان، بل تمتلك طاقتها الخاصة، وعلى الفنان أن يصغي إليها قبل أن يفرض عليها شكلاً. وربما لهذا السبب ظل يؤكد دائماً أن الأفكار لا تسبق المادة، بل تولد منها.

المادة تتذكر الحركة قبل أن تصبح شكلاً نهائياً Foto: Faruq Faaiq Omer

ليست مصادفة أن يعود كراغ دائماً إلى الأصل اللغوي لكلمة Matter، فبالنسبة إليه ترتبط المادة بكلمة Mater اللاتينية، أي “الأم”. ومن هذه الفكرة البسيطة بنى فلسفة فنية كاملة: كما تولد الحياة من الأم، تولد الأفكار أيضاً من المادة، لذلك فإن النحت عنده ليس عملية تصنيع، بل عملية اكتشاف لما تخبئه المادة من إمكانات لم تكن مرئية من قبل.

حياة داخل الفن

منذ بداياته في أواخر سبعينيات القرن الماضي، رفض كراغ المفهوم التقليدي للمنحوتة بوصفها كتلة صلبة مغلقة، ففي أعماله الأولى استخدم بقايا البلاستيك، والألعاب المكسورة، والأدوات المنزلية، وقطع الأثاث، ورتبها على الأرض أو الجدران في تشكيلات بصرية مدهشة. لم يكن ذلك احتفاءً بالنفايات، بقدر ما كان محاولة لإعادة الاعتبار إلى الأشياء التي فقدت وظيفتها، فالشيء، بعد أن ينتهي استعماله اليومي، لا يموت، بل يبدأ حياة أخرى داخل الفن.

ومن أشهر هذه الأعمال المبكرة منحوتته الشهيرة «بريطانيا من الشمال» (1981)، التي أعاد فيها تشكيل خريطة الجزر البريطانية من بقايا المواد البلاستيكية والنفايات، واضعاً الشمال في الجهة اليسرى من الخريطة، في إشارة ذكية إلى التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية التي عاشتها بريطانيا في عهد مارغريت تاتشر. لقد كانت منحوتة سياسية، لكنها لم تتحوّل إلى شعار، بل بقيت عملاً جمالياً مفتوحاً على التأويل.

حين يتحوّل الحجر إلى ذاكرة تتأمل الإنسان بصمت Foto: Faruq Faaiq Omer

البرونز الذي يذوب

لكن التحوّل الحقيقي في مسيرته بدأ عندما انتقل إلى ألمانيا عام 1977 ليستقر في مدينة فوبرتال، التي أصبحت مختبره الإبداعي الدائم. هناك أخذ يبتعد تدريجياً عن الأشياء الجاهزة، ويتجه نحو البرونز والخشب والرخام والفولاذ والزجاج، غير أنه لم يستخدم هذه المواد بالطريقة التقليدية، فالبرونز عنده لا يبدو صلباً، بل يكاد يذوب، والخشب يلتف كأنه ينمو أمام العين، أما الفولاذ، فيتحوّل إلى موجة تتحدى قسوته المعدنية.

ولعلَّ أكثر ما يلفت النظر في منحوتاته تلك الحركة الحلزونية التي تكاد تكون توقيعه الشخصي. تبدو الأعمال وكأنها تدور حول نفسها، أو تخرج من داخل ذاتها في حركة لا تنتهي. إنها لا تستقر على شكل نهائي، بل تمنح المشاهد إحساساً بأن الكتلة لا تزال في طور التكوين، ولهذا قال كراغ مرة: “هناك فكرة شائعة بأن النحت ثابت أو ميت، وأنا أرفض ذلك تماماً.”

تجميد الزمن في لحظة

في الحقيقة، لا يصنع كراغ منحوتات ساكنة، بل يصنع زمناً متجمداً في لحظة واحدة، فعندما يدور المشاهد حول العمل، تتبدَّل الوجوه والملامح والأشكال باستمرار، وكأن المنحوتة ترفض أن تُرى من زاوية واحدة. كل خطوة تكشف عملاً جديداً، وكل التفاف حولها يشبه قراءة فصل جديد من كتاب لا ينتهي.

في ربيع عام 2026، شهدت غوتنبرغ حدثاً ثقافياً استثنائياً عندما افتتح معرضه في غاليري ويترلينغ، وهو آخر معرض يقيمه صاحب الغاليري الشهير بيورن ويترلينغ في المدينة قبل إغلاقه نهائياً

وهذا ما يجعل أعماله أقرب إلى الكائنات العضوية منها إلى الأشياء المصنوعة. غير أن كراغ يرفض تماماً القول إنه يحاكي الطبيعة. يقول بوضوح: “قد تبدو أعمالي عضوية، لكنني لا أقلد الطبيعة، ولا أريد أن أقلد أي شيء.” إنه يستلهم قوانين النمو، لا أشكال النباتات أو الحيوانات، فالحركة، والالتفاف، والتحوّل، والتولد المستمر، هي ما يجذبه في الطبيعة، لا صورتها الخارجية.

مناصب أكاديمية

وربما لهذا السبب أيضاً تبدو منحوتاته مألوفة وغريبة في آن واحد. فمن بعيد قد ترى وجهاً، أو صدفة بحرية، أو أذناً بشرية، أو جذع شجرة، لكنك كلما اقتربت اختفت هذه الصور لتحل محلها صور أخرى. إنه فن يقوم على المراوغة البصرية، وعلى إشراك المتلقي في إنتاج المعنى، لا على تقديم معنى جاهز.

ولم يكن كراغ فناناً منعزلاً عن الحياة العامة، فقد شغل مناصب أكاديمية مهمة، أبرزها رئاسة أكاديمية دوسلدورف للفنون، ودرّس في برلين وباريس، كما حصد أهم الجوائز العالمية، وفي مقدمتها جائزة تيرنر عام 1988، التي تعد أعلى تكريم في الفن البريطاني المعاصر. واليوم تضم أعماله متاحف كبرى مثل تيت مودرن في لندن، ومتحف الفن الحديث (MoMA) في نيويورك، ومركز بومبيدو في باريس، فضلاً عن عشرات المجموعات العامة حول العالم.

البرونز يلتف كأنه زمنٌ يبحث عن بداية جديدةFoto: Faruq Faaiq Omer

علاقة خاصة مع السويد

أما علاقته بالسويد، فهي علاقة خاصة تتجاوز المعارض العابرة، فمنذ سنوات طويلة يقضي جزءاً من كل عام في جزيرة تيورن على الساحل الغربي، حيث يمتلك مرسماً صيفياً، ولذلك لا تبدو السويد بالنسبة إليه مجرد محطة عرض، بل فضاءً إبداعياً آخر. وقد استضاف متحف الألوان المائية النوردي معرضاً كبيراً لأعماله، كما أصبحت منحوتاته جزءاً من المشهد الحضري في مدن مثل مالمو وأوبسالا وبوروس.

وفي ربيع عام 2026، شهدت غوتنبرغ حدثاً ثقافياً استثنائياً عندما افتتح معرضه في غاليري ويترلينغ، وهو آخر معرض يقيمه صاحب الغاليري الشهير بيورن ويترلينغ في المدينة قبل إغلاقه نهائياً. لم يكن المعرض مجرد عرض لأعمال فنان عالمي، بل بدا، وكأنه احتفال بتاريخ طويل من العلاقة بين النحت الأوروبي المعاصر والجمهور السويدي. ضمَّ المعرض منحوتات من البرونز، والخشب، والزجاج، والعقيق الأسود، أبرزها أعمال مثل Mask وSail و Incident Vertical، التي جسدت قدرة كراغ على تحويل أكثر المواد صلابة إلى أشكال تبدو خفيفة، راقصة، ومفتوحة على الحركة.

آخر المدافعين الكبار عن النحت

لكن ما يمنح توني كراغ مكانته الحقيقية ليس الجوائز، ولا عدد المعارض الذي تجاوز المئتين والخمسين معرضاً فردياً، بل طريقته في إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والمادة. إنه يذكرنا بأن العالم ليس مجموعة أشياء صامتة، بل إمكانات لا نهائية لإعادة الاكتشاف، فالمادة، في نظره، لا تكتمل إلا عندما تصبح شكلاً، والشكل لا يكتمل إلا عندما يوقظ فينا سؤالاً جديداً.

وهكذا، يبدو توني كراغ اليوم آخر المدافعين الكبار عن النحت بوصفه فناً للفكر، لا للزينة، فناً يجعل البرونز ينمو، والخشب يتنفس، والزجاج يحلم، ويقنعنا بأن أكثر المواد صمتاً قد تكون، في يد الفنان الحقيقي، أبلغ اللغات.

اترك تعليقاً

Exit mobile version