تمرّ اليوم، الذكرى الثالثة عشرة لرحيل الشاعر الكردي الكبير شيركو بيكس (4 آب/أغسطس 2013). غير أن حضوره يبدو اليوم أكثر رسوخاً من غيابه، فالشعراء الحقيقيون لا يُقاسون بتاريخ رحيلهم، بل بما يتركونه من أثر في اللغة والرؤية. و بيكس لم يكتب الطبيعة بوصفها مشهداً يُرى، بل بوصفها كائناً يتكلم، ولم يجعل من القصيدة مرآةً للعالم، بل نافذةً نطل منها على عالم أكثر حرية وإنسانية.
الشجرة ليست شجرة بل ذاكرة
لقد كان شيركو بيكس أحد أبرز الأصوات التي أعادت تشكيل القصيدة الكردية الحديثة، ليس لأنه كسر الأوزان أو غامر في الشكل فحسب، بل لأنه غيّر العلاقة بين الشاعر والعالم. فقبله، كانت الطبيعة كثيراً ما تُستدعى خلفيةً للقصيدة أو إطاراً للمشاعر، أما في تجربته فقد أصبحت شريكاً في إنتاج المعنى. الشجرة ليست شجرة، بل ذاكرة. والطائر ليس استعارةً، بل شاهداً. والجبل ليس رمزاً للصمود فقط، بل كائناً حيّاً يصغي إلى آلام البشر ويحفظ أسماء الغائبين.
ولعل هذا ما منح شعره تلك القدرة النادرة على العبور بين المحلي والكوني. فقد ظل وفيّاً لجغرافيا كردستان، لجبالها وأنهارها وقراها ولهجاتها وأحزانها، لكنه لم يحوّلها إلى حدود مغلقة، بل جعل منها لغةً يفهمها كل من عرف معنى المنفى، أو اختبر الفقد، أو حلم بالحرية. كان يدرك أن الطريق إلى العالمية لا يمر عبر التخلّي عن الجذور، بل عبر تعميقها حتى تصبح خبرة إنسانية مشتركة.
القصيدة تحمي اللغة
لم يكن شيركو شاعراً سياسياً بالمعنى الضيق، على الرغم من أن حياته ارتبطت بتاريخ شعبه وما عرفه من قمع وتشرد ومقاومة. لقد تجنَّب أن تتحوّل القصيدة إلى بيان، لأن البيان ينتهي بانتهاء المناسبة، أما الشعر فيبقى ما دام الإنسان قادراً على الدهشة. لذلك كتب الحرية بصور أكثر مما كتبها بالشعارات، وجعل القصيدة نفسها فعل مقاومة، لا لأنها ترفع صوتها، بل لأنها تحمي اللغة من التكلّس، والإنسان من الاعتياد.
لم تكن الطبيعة في عالمه ملاذاً رومانسياً من قسوة الواقع، بل ضميراً أخلاقياً في مواجهة العنف. كان يثق بالشجرة أكثر من السلطة
ومن يقرأ أعماله يكتشف أن البطولة الحقيقية في شعره ليست بطولة المقاتل وحده، بل بطولة الإنسان البسيط، الراعي، والطفل، والأم، والعصفور، والوردة، والنهر. لقد منح الكائنات الصغيرة مكانةً أخلاقية وجمالية، كأنه كان يقول إن العالم لا يُقاس بما تصنعه الإمبراطوريات، بل بما تحفظه زهرةٌ من معنى، أو بما يقوله طائرٌ في صباحٍ لا يسمعه أحد.
مقاومة الزمن
في هذا المعنى، كان شيركو شاعر التفاصيل. كان يلتقط ما يمر أمام الآخرين من دون انتباه، ويمنحه حياةً جديدة داخل القصيدة. لم يكن يصف الأشياء، بل يكشف جوهرها، لذلك تبدو قصائده بسيطة في ظاهرها، لكنها تخفي بناءً بالغ الدقة، يعتمد على الاقتصاد اللغوي، وشفافية الصورة، والإيقاع الداخلي، أكثر مما يعتمد على الزخرفة البلاغية.
ولم تكن الطبيعة في عالمه ملاذاً رومانسياً من قسوة الواقع، بل ضميراً أخلاقياً في مواجهة العنف. كان يثق بالشجرة أكثر من السلطة، وبالنهر أكثر من الحدود، وبالطائر أكثر من الخطب. ولهذا بقي شعره قادراً على مقاومة الزمن، لأن ما كتبه لم يكن عن حدث عابر، بل عن الإنسان في هشاشته، وعن الحياة في عنادها، وعن الأمل الذي يولد حتى في أكثر اللحظات ظلمة.
اسم كبير
واليوم، بعد ثلاثة عشر عاماً على رحيله، لا يبدو شيركو بيكس شاعراً من الماضي، بل معاصراً لكل الأسئلة التي ما زالت تؤرق الإنسان: سؤال الحرية، وسؤال الهوية، وسؤال العلاقة بالطبيعة، وسؤال الشعر نفسه. وما تزال قصائده تذكّرنا بأن اللغة ليست أداةً لوصف العالم فحسب، بل وسيلة لإعادة اكتشافه، وأن القصيدة ليست ملاذاً من الحياة، بل شكلاً أعمق من أشكال عيشها.
إن استذكار شيركو بيكس ليس استعادةً لاسم كبير في تاريخ الأدب الكردي، بل استعادةٌ لفكرة الشعر نفسها، ذلك الفن الذي يستطيع أن يمنح الحجر صوتاً، والشجرة ذاكرة، والريح لغة، والإنسان قدرةً متجددة على الحلم.
ولهذا، فإن الغياب لا ينتصر على شاعرٍ مثل شيركو بيكس، فالقصائد التي كتبها ما تزال تمشي بين الأشجار، وتطل من النوافذ، وتعبر الجبال، وتهمس في آذان من يقرأها بأن الشعر، في جوهره، ليس ما يكتبه الشاعر فحسب، بل ما يتركه حيّاً في أرواح الآخرين بعد أن يرحل.
