السبت, 1 أغسطس 2026


كيف خسر أعظم نحّات سويدي شهرته العالمية؟

هناك فنانون يخسرون معاركهم، وهناك فنانون يخسرون التاريخ نفسه. أما يوهان توبياس سيرجل (1740-1814) ، فقد كان من أولئك الذين امتلكوا المجد في حياتهم، ثم غابوا عن الذاكرة العالمية بعد رحيلهم، فالرجل الذي قورن في روما بأبرز نحّاتي أوروبا، والذي احتفى به معاصروه بوصفه أحد ألمع وجوه الكلاسيكية الجديدة، يكاد اليوم يكون مجهولاً خارج السويد، رغم أن أعماله لا تزال شاهدة على موهبة استثنائية جمعت بين الصرامة الكلاسيكية والحس الإنساني العميق.

ولعلَّ المفارقة تكمن في أن سيرجل لم يكن فناناً هامشياً أو محلياً، بل كان في القرن الثامن عشر اسماً يتردد في الأوساط الفنية الأوروبية إلى جانب كبار النحّاتين والرسّامين. غير أن القدر الذي منحه المجد المبكر، كان أيضاً سبباً في انحسار شهرته لاحقاً، فقد استدعاه الملك غوستاف الثالث إلى ستوكهولم في ذروة نجاحه الإيطالي، ليصبح النحّات الأول للبلاط الملكي. وهكذا، بينما واصل فنانون آخرون ترسيخ حضورهم في العواصم الأوروبية، بقي سيرجل يصنع إرثه داخل السويد، لتظلَّ معظم أعماله حبيسة المتاحف الوطنية، بعيدة عن التداول العالمي الذي صنع أسماء غيره.

واليوم، وبعد أكثر من مئتي عام على وفاته، يحاول المتحف الوطني السويدي إعادة الاعتبار لهذا الفنان من خلال معرض كبير بعنوان «سيرجل: الخيال والواقع»، ترافقه سيرة جديدة للباحث والمؤرخ الفني ماغنوس أولاوسون، هي الأولى منذ خمسينيات القرن الماضي، وليس الهدف من هذا المشروع مجرد استعادة اسم منسي، بل إعادة قراءة فنان كان له دور حاسم في تشكيل الهوية البصرية للسويد الحديثة.

طفل وُلد بين الرخام

وُلد يوهان توبياس سيرجل في ستوكهولم عام 1740، في بيت لم يكن الفن فيه ترفاً، بل مهنة يومية. كان والده، كريستوفر سيرجل، نحّاتاً ألماني الأصل يعمل في خدمة البلاط السويدي، ولذلك نشأ الطفل بين كتل الرخام ورائحة الجص وأصوات الأزاميل. قبل أن يتعلَّم القراءة على نحو كامل، كان قد بدأ يتعرَّف إلى أسرار الكتلة الحجرية، وكيف تتحوّل بين يدي النحّات إلى وجه أو يد أو جسد.

لم يكن الطريق إلى الفن بالنسبة إليه قراراً اتخذه لاحقاً، بل كان امتداداً طبيعياً لحياته، فالمرسم كان مدرسته الأولى، والرخام كان لغته الأولى، غير أن الموهبة وحدها لم تكن كافية، فقد امتلك سيرجل فضولاً معرفياً مبكراً دفعه إلى دراسة التشريح والرسم والمنظور، وهي علوم كانت ضرورية لكل من يسعى إلى تجاوز حدود الحرفة التقليدية نحو الفن الرفيع، وسرعان ما لفت انتباه الأكاديمية الملكية للفنون، التي منحته فرصة متابعة دراسته، قبل أن يحصل على منحة ستغيّر حياته بالكامل: السفر إلى روما.

“فينوس ذات الأرداف الجميلة” نحو 1780، رخام، المتحف الوطني السويدي، ستوكهولم.
الصورة: Wikimedia Commons (Wikimedia Commons (CC BY-SA 4.0).

روماحيث يصنع الفنانون أسماءهم

في القرن الثامن عشر، لم تكن روما مجرد مدينة، بل كانت العاصمة الروحية للفنون الأوروبية. فمن أراد أن يصبح نحّاتاً كبيراً، كان عليه أن يمر عبرها. هناك، وسط الأطلال الرومانية، وتماثيل الإغريق، والكنائس التي احتضنت أعمال ميكيلانجيلو وبرنيني، تشكّلت رؤية سيرجل الفنية.

وصل الشاب السويدي إلى مدينة كانت تعيش صحوة فكرية غير مسبوقة، فقد كانت أفكار المؤرخ الألماني يوهان يواخيم فنكلمان قد بدأت تعيد تعريف مفهوم الجمال الكلاسيكي، داعية إلى العودة إلى البساطة والانسجام اللذين ميّزا الفن الإغريقي القديم، ولم يكن لهذا التحوّل تأثير في الرسم والنحت فحسب، بل أصبح أساساً لما سيُعرف لاحقاً بالكلاسيكية الجديدة.


تكشف دفاتر سيرجل الخاصة عن شخصية تختلف تماماً عن الصورة الرسمية التي رسخها التاريخ، فبينما خلَّد الرخام وجوه الملوك والنبلاء، احتفظ الورق بحياة أخرى، عالم من السخرية والإيروتيكا والمقاهي والاحتفالات والعلاقات الإنسانية العابرة. لم تكن تلك الرسومات فضيحة أخلاقية بقدر ما كانت إعلاناً مبكراً عن أن الفن لا يكتمل بتصوير البطولة وحدها، بل بجرأته على النظر إلى الإنسان كما هو

وجد سيرجل نفسه وسط هذا العالم المتغيّر، ولم يتعامل مع الآثار القديمة بوصفها نماذج جامدة ينبغي تقليدها، بل بوصفها كائنات حيَّة يمكن استعادة روحها. كان يقضي ساعات طويلة في رسم التماثيل الكلاسيكية، ثم يعود إلى محترفه ليبحث عن طريقته الخاصة في منح الرخام إحساساً بالحركة والحياة، وخلال سنوات قليلة، بدأ اسمه يتردَّد بين الفنانين المقيمين في روما، ليس بوصفه نحّاتاً موهوباً فحسب، بل باعتباره واحداً من أكثر الفنانين الشباب قدرة على الجمع بين الدقّة الأكاديمية والحيوية التعبيرية.

«الفون»… العمل الذي غيّر كل شيء

عام 1774 أنجز سيرجل عمله الأشهر «الفون المستلقي» (The Resting Faun)، وهو التمثال الذي فتح له أبواب الشهرة الأوروبية. لم يكن النجاح سببه براعة تقنية فحسب، بل لأن التمثال كسر الجمود الذي كانت تتسم به معظم المنحوتات الكلاسيكية آنذاك. بدلًا من تقديم شخصية أسطورية في وضع احتفالي رسمي، اختار سيرجل لحظة استرخاء وتأمل. بدا الفون كأنه يتنفس فعلاً، وقد استلقى فوق صخرة بعد عناء طويل، بينما انساب الضوء على سطح الرخام ليمنح الجسد ليونة نادرة جعلت بعض النقّاد يقولون إن الحجر فقد صلابته بين يدي الفنان.

كانت هذه القدرة على بث الحياة في المادة الجامدة هي السمة التي ميّزت سيرجل عن كثير من معاصريه، فقد لم يكن مهتماً بإظهار الكمال التشريحي وحده، بل بالسعي إلى التقاط اللحظة الإنسانية المختبئة داخل الجسد، ومنذ ذلك الحين، أصبح اسمه يتردَّد في الأوساط الفنية الإيطالية بوصفه أحد أكثر النحاتين الشباب وعداً، وكان كثيرون يعتقدون أن مستقبله سيكون في روما، حيث كانت أبواب المجد الأوروبي قد بدأت تُفتح أمامه، لكن التاريخ كان يخبئ له مساراً مختلفاً تماماً.

عندما استدعاه الملكوخسر العالم فناناً

كان يوهان توبياس سيرجل يعيش اللحظة التي يحلم بها أي فنان في القرن الثامن عشر، فقد فتحت له روما أبوابها، وأصبح اسمه يتردد في صالونات الفن وبين جامعي التحف والنقاد. لم يعد ذلك الشاب القادم من أقصى شمال أوروبا مجرد طالب موهوب، بل تحوَّل إلى فنان يُشار إليه بوصفه أحد الوجوه الجديدة للكلاسيكية الأوروبية، وكانت أعماله الأولى توحي بأن مستقبله سيكون إلى جانب كبار النحَّاتين الذين ستخلدهم القارة، لكن التاريخ لا يصنعه الفن وحده، بل تصنعه السياسة أيضاً.

“الحب والنفس”، 1787، رخام، المتحف الوطني السويدي، ستوكهولم.
الصورة: Osama Shukir Muhammed Amin / Wikimedia Commons (CC BY-SA 4.0).

في تلك السنوات، كان الملك غوستاف الثالث يسعى إلى تحويل السويد إلى دولة أوروبية كبرى ثقافياً. لم يكن يرى في الفنون ترفاً ملكياً، بل وسيلة لإظهار قوة المملكة وهيبتها. كان معجباً بالمشهد الثقافي الفرنسي والإيطالي، ويحلم بأن تصبح ستوكهولم مدينة تضاهي باريس وروما في مسارحها وأكاديمياتها وتماثيلها، ولتحقيق هذا المشروع، احتاج إلى أفضل الفنانين السويديين، ولم يكن هناك من ينافس سيرجل. وصلت الرسائل الملكية إلى روما تحمل عرضاً لا يمكن رفضه: العودة إلى الوطن وتولي منصب النحّات الأول للبلاط الملكي.

كان القرار بالغ الصعوبة، فالبقاء في روما يعني البقاء في قلب أوروبا الفنية، حيث تتشكّل المدارس الجديدة وتتنافس المواهب أمام جمهور عالمي، أما العودة إلى السويد فتعني الاستقرار، والمكانة الرسمية، لكنها تعني أيضاً الابتعاد عن مركز الحركة الفنية الأوروبية. اختار سيرجل العودة، وربما كان ذلك القرار هو أكثر القرارات تأثيراً في حياته كلها.

نحَّات المملكة

حين عاد إلى ستوكهولم، وجد نفسه أمام مهمة تختلف تماماً عما كان يقوم به في روما. لم يعد يعمل من أجل معارض الفنانين أو جامعي التحف، بل أصبح مسؤولاً عن تشكيل الصورة البصرية للدولة. أنجز تماثيل للملوك والقادة ورجال الدولة، وصمم النصب العامة، وأصبح اسمه مرتبطاً بالمؤسسات الملكية. وقد أكسبه ذلك احتراماً واسعاً داخل السويد، لكنه فرض عليه أيضاً نوعاً من الانضباط الرسمي الذي حدّ من الحرية التي عرفها في محترفات روما، ومع ذلك، لم يفقد سيرجل حسه الإبداعي، بل استطاع أن يمنح البورتريه الكلاسيكي روحاً إنسانية نادرة، فتماثيله النصفية لم تكن مجرد تسجيل دقيق للملامح، بل كانت تكشف عن الشخصية نفسها، عن الكبرياء، والتردد، والهدوء، والقلق، وكأن الرخام أصبح قادراً على حمل الانفعالات النفسية. هذه القدرة على التقاط ما وراء الوجه هي التي جعلت أعماله تتجاوز حدود النحت الرسمي، لتصبح وثائق إنسانية بقدر ما هي أعمال فنية.

الوجه الآخرالرسَّام الذي لم يكن أحد يتوقعه

لكن المتحف الوطني السويدي، حين جمع أعمال سيرجل بعد وفاته، اكتشف أن النحَّات الرسمي الذي كان يصنع تماثيل الملوك، كان يعيش حياة أخرى داخل مرسمه. هناك، بعيداً عن البلاط، كان يرسم، ولم تكن رسوماته تشبه تماثيله إطلاقاً. بدلاً من النبلاء والجنرالات، امتلأت دفاتره بالحانات، والشوارع، والراقصات، والعشاق، والسكارى، والموسيقيين، والنساء الهاربات من ضوء الشموع، والرجال المنهكين بعد ليالٍ طويلة. كان يرسم المجتمع كما هو، لا كما أرادت الطبقات الأرستقراطية أن تراه، ولهذا يرى عدد من مؤرخي الفن اليوم أن سيرجل سبق، في رسوماته، كثيراً من الفنانين الواقعيين الذين سيأتون بعده بعقود، فهو لم يكن يبحث عن الجمال المثالي فقط، بل عن الإنسان في لحظاته العابرة، في ضعفه، وسخريته، ورغباته، وتناقضاته، بل إن بعض هذه الرسومات بدت جريئة إلى درجة أنها بقيت بعيدة عن أعين الجمهور سنوات طويلة، ففي مجتمع القرن الثامن عشر المحافظ، لم يكن من السهل عرض رسومات تصوّر العلاقات الحميمة أو السخرية الاجتماعية بهذه الصراحة، لكن هذه الأعمال تكشف اليوم جانباً مختلفاً من شخصية سيرجل، فالفنان الذي صاغ الرخام بكل ذلك الانضباط الكلاسيكي، كان يمتلك في الرسم يداً حرَّة، وخيالًا ساخراً، ونظرة نافذة إلى الحياة اليومية.

يوهان توبياس سيرجل، «الفون» (The Faun)، 1774، رخام، المتحف الوطني السويدي، ستوكهولم. المصدر Wikimedia Commons. الترخيص CC BY-SA 4.0.

إنسان قبل أن يكون عبقرياً

تكشف رسوماته الخاصة عن حياة منزلية دافئة عاشها مع آنا ريلا، المرأة التي ارتبط بها وأنجب منها أبناءه. في هذه الرسومات لا نجد النحَّات الكبير، بل الأب، والعاشق، والرجل الذي يراقب أطفاله وهم ينامون، أو يرسم زوجته وهي تبتعد عن لهب شمعة صغيرة. إنها أعمال لا تسعى إلى الإبهار، بل إلى حفظ اللحظات العابرة، وهنا تتجلَّى عبقرية أخرى عند سيرجل، إذ يستطيع أن يمنح أكثر التفاصيل اليومية بساطة قيمة شعرية وإنسانية، دون أن يفقدها عفويتها.

ولهذا لا يمكن اختزاله في كونه نحَّاتاً كلاسيكياً فقط، بل ينبغي النظر إليه بوصفه فناناً متعدد الوجوه، عاش بين عالمين: عالم الرخام الذي يتطلب الدقة والخلود، وعالم الورق الذي يسمح بالسرعة، والارتجال، والاعترافات الشخصية. لقد كان لكل تمثال ينجزه وجه رسمي، ولكل رسم يخطه وجه خفي لا يراه إلا هو.، وربما لهذا السبب، بقيت رسوماته الخاصة أكثر الأعمال قدرة على تعريفنا بالإنسان يوهان توبياس سيرجل، لا بالنحَّات الذي عرفته الأكاديميات.

كيف طوى التاريخ واحداً من أعظم فناني أوروبا؟

حين توفي يوهان توبياس سيرجل في عام 1814، لم يكن مجرد نحَّات البلاط الملكي، بل كان الشخصية الفنية الأكثر حضوراً في السويد، فقد امتدت أعماله من القصور والحدائق الملكية إلى الساحات العامة والأكاديمية الملكية للفنون، وأصبح اسمه مرادفاً للنحت السويدي في نهاية القرن الثامن عشر، لكن المفارقة أن هذا المجد المحلي كان يخفي خسارة أكبر، فبينما كانت أوروبا تدخل مرحلة جديدة من تاريخ الفن، بقي سيرجل محصوراً داخل حدود بلاده، ولم يتحوَّل إلى اسم عالمي كما حدث مع معاصريه، ولعلَّ السبب لا يعود إلى موهبته، بل إلى الجغرافيا، ففي الوقت الذي واصل فيه الإيطالي أنطونيو كانوفا العمل في روما، واستقبل البابوات والأمراء والطبقات الأرستقراطية الأوروبية في محترفه، كانت أعمال سيرجل تُنجز في ستوكهولم، بعيداً عن الشبكات الثقافية التي صنعت شهرة الفنانين في القرن التاسع عشر. لقد بقيت منحوتاته في السويد، كما بقيت قصته أيضاً. ومع مرور العقود، تغيّر الذوق الفني الأوروبي، فقد تراجعت الكلاسيكية الجديدة أمام صعود الرومانسية، ثم جاءت الواقعية والانطباعية والحداثة، لتدفع كثيراً من فناني القرن الثامن عشر إلى هامش الذاكرة، ومع أن سيرجل كان أكثر تعقيداً من أن يُختزل في كونه نحَّاتاً كلاسيكياً، فإن التاريخ وضعه في هذا التصنيف الضيق، وغابت رسوماته الجريئة وحساسيته الإنسانية خلف صورته الرسمية بوصفه” نحّات البلاط”، لكن إعادة قراءة أعماله اليوم تكشف أن هذا التصنيف كان مجحفاً، فالنحَّات الذي صاغ الرخام بهذه الدقة، كان في الوقت نفسه رساماً يلتقط تفاصيل الحياة اليومية بجرأة نادرة، وبينما كانت تماثيله تبحث عن التوازن والجمال الكلاسيكي، كانت رسوماته تكشف الجانب الآخر من المجتمع، الحانات، والاحتفالات، والعلاقات الإنسانية، والضعف، والرغبة، والسخرية، وكأن شخصيتين عاشتا في جسد فنان واحد، الأولى تبحث عن الخلود في الرخام، والثانية تبحث عن الحقيقة في الورق، وهذا ما يجعل سيرجل أقرب إلى الفنان الحديث مما اعتقده كثير من مؤرخي الفن.

لقد أدرك مبكراً أن الإنسان ليس بطلاً أسطورياً دائماً، بل كائن متناقض، يحمل النبل والهشاشة معاً، ولذلك لم يكن غريباً أن تبدو بعض رسوماته أقرب إلى مذكرات بصرية منها إلى أعمال أكاديمية، فهي لا تمجد السلطة، بل تراقب الإنسان في لحظاته العابرة، حين يضحك أو يلهو أو يخطئ أو يحب، وهذه القدرة على الانتقال بين الرسمي واليومي هي التي تمنح تجربته خصوصيتها داخل الفن الأوروبي، ولم يكن تأثير سيرجل محصوراً في الأعمال التي أنجزها، بل امتد إلى المؤسسة الفنية السويدية نفسها، فمن خلال الأكاديمية الملكية، ساهم في ترسيخ تعليم النحت والرسم على أسس أكاديمية حديثة، وفتح الطريق أمام أجيال من الفنانين الذين وجدوا في تجربته نموذجاً يجمع بين الدراسة الصارمة والحرية الإبداعية، ولهذا لا يزال يُنظر إليه داخل السويد بوصفه الأب المؤسس للنحت الوطني، حتى وإن بقي اسمه أقل شهرة خارجها.

اليوم، يحاول المتحف الوطني السويدي أن يعيد هذه القصة إلى الواجهة، فالمعرض الحالي لا يهدف إلى الاحتفاء بفنان من الماضي فحسب، بل إلى مراجعة الطريقة التي يكتب بها تاريخ الفن نفسه، فكم من فنانين امتلكوا الموهبة نفسها، لكنهم لم يعيشوا في المدينة المناسبة؟ وكم من أسماء تراجعت لا بسبب ضعف أعمالها، بل لأن مراكز الثقافة العالمية انتقلت إلى أماكن أخرى؟

إن سيرة سيرجل تذكرنا بأن التاريخ ليس دائماً حكماً على القيمة الفنية، بل هو أيضاً نتيجة للظروف السياسية والجغرافية والمؤسسات الثقافية، فالفنان الذي استدعاه وطنه ليبني هويته البصرية، خسر في المقابل حضوره في الذاكرة الأوروبية، بينما واصل آخرون، أقل موهبة أحياناً، بناء شهرتهم في العواصم الكبرى، وربما لهذا السبب تبدو العودة إلى أعماله اليوم أكثر من مجرد اكتشاف لفنان منسي. إنها دعوة لإعادة النظر في الطريقة التي نقرأ بها تاريخ الفن، فليس كل من غاب عن الذاكرة أقل شأناً، وليس كل من بقي فيها هو الأعظم.

لقد عاش يوهان توبياس سيرجل بين عالمين، عالم المثال الكلاسيكي الذي منح الرخام سكونه الأبدي، وعالم الإنسان الحقيقي الذي رآه في المقاهي والشوارع والبيوت، وفي هذا التوتر بين المثال والواقع، بين النبل والهشاشة، تكمن القيمة الحقيقية لتجربته الفنية، وبعد أكثر من قرنين على رحيله، يبدو أن الزمن يمنحه أخيراً فرصة جديدة، فالمعرض الذي يحتضنه المتحف الوطني، والسيرة الجديدة التي أعادت قراءة حياته، لا يعيدان الاعتبار إلى فنان واحد فحسب، بل يعيدان فتح سؤال ظل حاضراً في تاريخ الثقافة: كم من العباقرة ينتظرون أن يتذكرهم العالم من جديد؟

ولعل يوهان توبياس سيرجل لم يخسر معركته مع الفن قط، بل خسر معركة الذاكرة، أما تماثيله ورسوماته، فما تزال حتى اليوم شاهدة على أن الموهبة الحقيقية لا تُقاس بحجم الشهرة، بل بقدرتها على مقاومة الزمن، وربما كان هذا هو إرثه الأهم، أن الفن العظيم قد يختفي طويلاً خلف ضباب التاريخ، لكنه لا يفقد أبداً قدرته على العودة حين يجد من ينظر إليه بعين جديدة.


اترك تعليقاً

Exit mobile version