السبت, 1 أغسطس 2026


تأتي المجموعة الشعرية «النزيل بمعماره في التيه» للشاعر السوري الكردي خضر سلفيج، الصادرة عن دار لاماسو في السويد 2025، بوصفها واحدة من التجارب التي تسعى إلى إعادة تعريف مفهوم المنفى في القصيدة العربية الحديثة، لا باعتباره حادثة جغرافية، أو تجربة سياسية منمّقة وعابرة، وإنما باعتباره حالة وجودية تتجاوز حدود المكان لتستقر في أعماق الكائن نفسه، ومنذ العنوان، يضعنا الشاعر أمام مفارقة شعرية لافتة، إذ يقرن مفردتين تبدوان، للوهلة الأولى، متناقضتين: المعمار والتيه. فالتيه، في الذاكرة الإنسانية والدينية والأدبية واللغوية، يرتبط بالضياع وفقدان الاتجاه، بينما يحيل المعمار إلى الثبات والتنظيم وبناء البيت. غير أن سلفيج يقلب هذه العلاقة الملتبسة رأساً على عقب، فلا يعود التيه فضاءً ينبغي الهروب منه، بل يصبح بيتاً داخلياً، يقيم فيه الإنسان ويعيد تشكيل وجوده.

علاقة جديدة مع الفقد

هذه المفارقة ليست مجرد حيلة لغوية أو جمالية، بل هي المفتاح الذي تنبني عليه الرؤية الشعرية في المجموعة كلها، فالشاعر لا يكتب عن المنفى بوصفه مأساة مكتملة أو خطاباً احتجاجياً، ولا يستثمر معجمه الشعري في استدرار التعاطف أو إنتاج مراثٍ مباشرة. على العكس، تتجه القصائد إلى بناء علاقة جديدة مع الفقد، قوامها تحويل الاغتراب إلى معرفة، والذاكرة إلى شكل من أشكال السكن والإقامة، والخراب إلى إمكانية لإعادة البناء، ولذلك يبدو العنوان أشبه ببيان شعري يُعلن منذ البداية أن القصيدة ليست رحلة للبحث عن الخروج من المتاهة، بل محاولة لتأثيثها، والعيش فيها، ومنحها ملامح البيت.

ومن هنا يمكن القول إن الإضافة الأولى التي يقدمها خضر سلفيج إلى القصيدة العربية الحديثة تتمثل في إعادة صياغة مفهوم المنفى نفسه، فمنذ تجارب محمود درويش وسعدي يوسف وسركون بولص، وحتى شعراء المنفى السوريين والعراقيين والفلسطينيين وسواهم من الشعراء العرب في العقود الأخيرة، ظلَّ المنفى في الغالب مكاناً لتشكيل الحنين و الفقد و القطيعة، أما عند سلفيج، فإنه يتحوّل إلى فضاء للتأمل وإعادة تشكيل الذات. لا يعود السؤال: كيف نغادر التيه؟، بل: كيف يمكن للإنسان أن يعيد بناء نفسه والتكوّر داخله؟ وهذه النقلة الشعورية تمنح المجموعة بعداً يتجاوز السيرة الذاتية إلى مساءلة الوجود الإنساني برمته.

مراكز بناء النص

وتنبع فرادة هذه التجربة أيضاً من الطريقة التي يتعامل بها الشاعر مع المكان، فالمدن والمقاهي والطرقات والغرف ليست مجرد خلفيات للأحداث أو فضاءات تتحرّك فيها الذات الشاعرة، بل تتحوّل إلى كائنات تشارك الإنسان غربته. الأشياء اليومية، مثل ساعة الجيب، أو الركوة القديمة، أو المعطف، أو النرد، لا تؤدي وظيفة وصفية، وإنما تصبح مراكز للمعنى، وهنا يبتعد سلفيج عن النزعة الرمزية التقليدية التي تحوّل الأشياء إلى إشارات مجردة، ليمنحها حياة خاصة، فتغدو جزءاً من البناء النفسي للنص.

يمكن تسمية هذه التقنية بـ “شعرنة الأشياء الصامتة”، إذ تبدو الموجودات الصغيرة أكثر قدرة على حمل الذاكرة من الشعارات الكبرى، فالمنفى لا يظهر في القصائد عبر الحدود والأسلاك الشائكة والخطب السياسية، بل من خلال فنجان قهوة بارد، أو مقعد خشبي قديم في مقهى بعيد، أو آلة كمان تستعيد أصواتاً غابت منذ زمن، وهكذا تتحوّل التفاصيل اليومية إلى خزانات للذاكرة، وإلى وسائط تنقل التجربة الإنسانية من مستوى الحدث إلى مستوى الأثر العميق الذي يتركه حفر الزمن في الأشياء.

ومن أبرز ما يلفت الانتباه في هذه المجموعة أن الشاعر ينجح في ما يمكن تسميته بـ”المعمار الشعري”، فالمفردات المرتبطة بالبناء والجدران والغرف والممرّات لا تؤدي وظيفة زخرفية، بل تتحوّل إلى لغة كاملة للتفكير في الوجود، فالإنسان، في هذه القصائد، لا يسكن البيت فقط، بل يسكن اللغة أيضاً، ويعيد تشييد ذاته بالكلمات كما يشيد المعماري بناءه بالحجارة، ومن هنا يغدو المعمار استعارة كبرى للقصيدة نفسها، فالقصيدة ليست انفعالاً عابراً، بل بناء هندسي دقيق، تتجاور فيه الصور والإيقاعات كما تتجاور الحجارة في جدار متماسك.

غلاف المجموعة: دار لاماسو-السويد 2025

سؤال إنساني عام

هذه العلاقة بين العمارة والقصيدة ليست جديدة تماماً في الشعر العربي والعالمي، لكنها عند خضر سلفيج تكتسب خصوصيتها لأنها ترتبط مباشرة بتجربة المنفى، فالمعمار ليس بديلاً عن الوطن، وإنما محاولة لإيجاد وطن داخلي حين يصبح الوطن الخارجي مستحيلاً، وهنا تتجلّى قدرة الشاعر على تجاوز المباشرة السياسية، ليحوّل التجربة السورية والكردية إلى سؤال إنساني عام، يمكن لأي قارئ أن يجد نفسه، وحتى أن يتوارى فيه، بغض النظر عن خلفيته الجغرافية أو الثقافية.

ومن الناحية اللغوية، تعتمد المجموعة على اقتصاد تعبيري واضح، فلا يميل الشاعر إلى الزخرفة البلاغية، أو ما يمكن أن نطلق عليه -تخففاً- الجمل المتورمة، وإنما يختار لغة هادئة، شفافة، خفيضة النبرة، تكاد تهمس أكثر مما تُعلن، وهذا الخيار الأسلوبي يمنح النصوص كثافة داخلية متماسكة، إذ يصبح الصمت جزءاً من المعنى، وتغدو الفراغات بين الكلمات مساهمة في بناء الإيقاع، تماماً كما تسهم البياضات في اللوحة التشكيلية في إبراز عناصرها الأساسية.

ترافلينج شعوري

إن هذه اللغة الهادئة تقودنا إلى واحدة من أبرز سمات المجموعة، وهي ، فمن يقرأ قصائد خضر سلفيج يلاحظ أنه لا يبني الصورة الشعرية وفق المنطق البلاغي التقليدي القائم على التشبيه أو الاستعارة فحسب، وإنما يقترب من بناء المشهد السينمائي، فالصورة لا تُلقى أمامنا دفعة واحدة، بل تتشكّل تدريجياً عبر حركة كاميرا متخيّلة تتنقل بين الأشياء والأمكنة والأجساد، فتمنح القصيدة بعداً بصرياً واضحاً. وهنا، لا يكتفي الشاعر سلفيج بوصف المشهد، بل يجعل القارئ يراه ويتحرّك داخله، ولهذا تبدو بعض القصائد أقرب إلى لقطات ترافلينج طويلة تتقدّم ببطء، حيث لا يظهر الحدث فجأة، وإنما ينمو داخل الصمت الأكثر بروزاً من الحدث نفسه، وتنبثق الدلالة من التفاصيل الصغيرة أكثر مما تنبثق من الانفعالات الكبرى.

هذه المشهدية تذكر أحياناً ببعض تجارب السينما الخالصة (أندريه وأرسين تاركوفسكي مثلاً) التي تمنح الزمن وزناً مساوياً للصورة، فلا تكون الحركة هدفاً بحد ذاتها، بل وسيلة للكشف عن هشاشة الإنسان أمام تقلبات طبقات الزمن، وهنا يلتقي البناء الشعري عند الشاعر سلفيج مع الحس التشكيلي أيضاً، فالألوان والظلال والفراغات ليست عناصر وصفية، بل مكوّنات أساسية في تشكيل المعنى، فالبياض، والرماد، وبرودة الأرصفة، وصمت المقاهي، كلها تتحوّل إلى مفردات بصرية تحمل ثقل التجربة الوجودية.

هذه المشهدية تذكّر أحياناً ببعض تجارب السينما الخالصة (أندريه وأرسين تاركوفسكي مثلاً) التي تمنح الزمن وزناً مساوياً للصورة، فلا تكون الحركة هدفاً بحد ذاتها، بل وسيلة للكشف عن هشاشة الإنسان أمام تقلبات طبقات الزمن

مم وزين

ولا يقل حضور التناص أهمية عن هذا البناء البصري، فالمجموعة تفتح حواراً واسعاً ومكثفاً مع طبقات متعددة من الذاكرة الإنسانية، من التراث الكردي، إلى الأساطير الإغريقية، وصولاً إلى التصوف الإسلامي. غير أن هذا الحضور لا يأتي بوصفه استعراضاً ثقافياً أو تراكماً معرفياً، وإنما يدخل في النسيج الشعري بصورة عضوية، فاستدعاء “مم وزين” لا يهدف إلى إعادة سرد الحكاية الكردية الشهيرة، بل إلى تحويلها إلى استعارة للمنفى والحب المستحيل والانكسار الإنساني، وكذلك حضور أورفيوس أو إيثاكا أو كافافيس لا يهدف إلى تزيين القصيدة بإحالات ثقافية، وإنما يضع التجربة الشخصية في سياق إنساني أوسع، حيث يصبح المنفى السوري امتداداً لمنفى الإنسان منذ الأزمنة الأولى.

ويزداد هذا البعد عمقاً حين يلتقي مع الإشارات الصوفية التي ينثرها الشاعر سلفيج في أرجاء المجموعة، فآثار ابن عربي لا تظهر بوصفها مرجعيات دينية أو فكرية، بل باعتبارها لغة أخرى للبحث عن المعنى، فالتصوّف عنده ليس هروباً من العالم، بل محاولة لإعادة اكتشافه من الداخل، لذلك تتكرر مفردات الطريق، والرحلة، والنور، والغياب، والعودة، ولكنها تُقدَّم بعيداً عن الخطاب الوعظي أو الميتافيزيقي المباشر. إنها تتحوّل إلى أدوات لتأمل الإنسان في هشاشته، وفي علاقته بالزمن والمكان والذاكرة.

محاولة في فهم أنساق الخراب

ومن هنا يمكن القول إن المجموعة لا تنتمي إلى ما يمكن تسميته بـ«شعر القضايا الكبرى» بالمعنى التقليدي، رغم أن الحرب -مثلاً- حاضرة في الخلفية، فهي، أي المجموعة، لا تصف المعارك، ولا تستعرض الخراب، ولا تبني خطاباً سياسياً مباشراً. إن الحرب، هنا، تظهر وتتجلّى في القصائد بوصفها أثراً نفسياً ومعرفياً أكثر من كونها حدثاً تاريخياً تقوم الجغرافيا عليها منذ عقود. إنها تُقرأ من خلال الفراغ الذي تركته، ومن خلال الصمت الذي خلّفته في الأشياء، ومن خلال الإنسان الذي يحاول أن يعيد ترتيب حياته بعد أن فقد يقيناته الأولى.

وهنا تكمن إحدى أهم الإضافات التي يقدمها خضر سلفيج إلى القصيدة العربية المعاصرة، فمنذ التحوّلات التي ترافقت مع الحروب الأخيرة، اتجه عدد كبير من الشعراء إلى تسجيل الوقائع أو تحويل القصيدة إلى وثيقة احتجاج، أما سلفيج فيختار طريقاً أكثر تعقيداً، وأقل صخباً، إذ ينقل الحرب من مستوى الحدث إلى مستوى الوعي، ويجعل القارئ يواجه آثارها العميقة على اللغة والذاكرة والوجود، وبهذا المعنى، لا تصبح القصيدة شهادة على الخراب، بل محاولة لفهمه وإعادة تشكيل أنساقه المتعددة الطبقات جمالياً.

خصوصية التجربة الكردية والسورية

أما على مستوى الإيقاع، فإن المجموعة تؤكد استمرار تطور قصيدة النثر العربية بعيداً عن سوء الفهم الذي اختزلها في مجرد كتابة بلا وزن. فالإيقاع هنا لا يُصنع من التفعيلة، وإنما من تكرار الصور، وتجاور المفردات، وتوزيع الجمل، ومن الاقتصاد في اللغة، وهذا ما يمنح النصوص موسيقى داخلية هادئة، لا تُسمع بالأذن بقدر ما تُحس بالإيقاع النفسي للنص.

ولعل القيمة الأبرز لهذه المجموعة تكمن في قدرتها على الجمع بين خصوصية التجربة الكردية والسورية وبين بعدها الإنساني، فهي لا تطلب من القارئ أن يعرف تاريخ المنطقة أو تفاصيل المأساة السورية حتى يتفاعل معها، لأن القصائد تنطلق من الإنسان قبل أي انتماء آخر. المنفى هنا ليس قضية قومية فحسب، بل تجربة وجودية يعيشها كل من فقد بيته، أو لغته، أو ذاكرته، أو حتى صورته القديمة عن نفسه.

وفي هذا السياق، تبدو «النزيل بمعماره في التيه» أبعد من أن تكون مجرد مجموعة عن الغربة أو المنفى. إنها محاولة لإعادة التفكير في العلاقة بين الإنسان والمكان، وبين الذاكرة والزمن، وبين اللغة والوجود. وما يميزها حقاً هو أنها لا تقدّم أجوبة جاهزة، بل تفتح أسئلة جديدة حول معنى السكن، ومعنى الرحيل، ومعنى أن يحمل الإنسان وطنه داخل اللغة حين يصبح الوطن الحقيقي بعيداً أو مستحيلاً.

أفق جديد

وفي المحصلة، ينجح خضر سلفيج في تقديم تجربة شعرية تمتلك صوتها الخاص داخل المشهد الشعري العربي المعاصر، فهو لا يقلد النماذج الحداثية الكبرى، ولا يكرر خطاب المنفى الذي استُهلك كثيراً، بل يقترح رؤية مختلفة، تقوم على تحويل التيه إلى معمار فني وشعوري، والخراب إلى لغة، والذاكرة إلى بيتٍ يمكن للإنسان أن يقيم فيه من جديد، ومن هنا تكتسب هذه المجموعة أهميتها، ليس لأنها تروي تجربة المنفى، وإنما لأنها تعيد ابتكار لغته، وتمنح القصيدة العربية الحديثة أفقاً جديداً للتأمل في الإنسان، وقدرته على بناء وطن داخلي كلما ضاقت به خرائط العالم.


اترك تعليقاً

Exit mobile version