الإثنين, 6 يوليو 2026

وُلدت الشاعرة سيبيلا أليكسوفا عام 1984 في مدينة بيرنيك البلغارية، وأنهت دراستها الثانوية في مدرسة متخصصة بتدريس اللغة الفرنسية. درست الأدب العربي في جامعة صوفيا، كما تابعت دراستها في مجال الكتابة الأدبية في المعهد الأدبي مكسيم غوركي.

صدر لها ثلاث مجموعات شعرية:

  • تأريض الصواعق (2007، دار «Пламък»)
  • عين من أجل السعادة (2013، دار «Пламък»)
  • مكان للأجنحة (2025، دار «Жанет 45»)

حازت على عدد من الجوائز الشعرية، وتعيش حالياً في ألمانيا.

تكشف مجموعة «مكان للأجنحة» للشاعرة البلغارية سيبيلا أليكسوفا عن مرحلة أكثر اكتمالاً وعمقاً في تجربتها الشعرية، فهي لا تبدو مجرد مجموعة من القصائد المنفصلة، بل مشروعاً شعرياً تتآزر داخله الثيمات والصور والأسئلة. وإذا كانت النصوص السابقة لدى الشاعرة قد حملت حضوراً واضحاً للجسد والقلق الداخلي، فإن هذه المجموعة تضيف إليهما بعداً وجودياً وزمنياً أكثر رسوخاً، حيث يصبح الإنسان كائناً معلّقاً بين ذاكرته الأولى وتحوّلاته الراهنة، بين ما فقده وما يحاول استعادته.

مساحات لاختبار معنى الوجود

تقوم شعرية أليكسوفا هنا على تحويل التفاصيل اليومية والعناصر الطبيعية إلى علامات تتجاوز معناها المباشر. فالمكان ليس خلفية، والجسد ليس مجرد مادة حسّية، والزمن ليس خطاً مستقيماً، بل جميعها تتحوّل إلى مساحات لاختبار معنى الوجود.

كهرباء الطفولة وزمن الفقد في ديوان “مكان للأجنحة” للشاعرة سيبيلا أليكسوفا – صورة خاصة بالكوميونيتا

في قصيدة «الأجمة البيضاء، الصقر الأسود» تظهر إحدى الثيمات المركزية في المجموعة: ازدواجية الهوية. فالذات الشعرية لا تقدم نفسها بوصفها كياناً ثابتاً، بل كوجود موزَّع بين قطبين متناقضين: خصوبة الأرض وذاكرة الجذر من جهة، واندفاع الحرية والعلو من جهة أخرى. فالغيضة البيضاء تشير إلى الأصل والاحتضان والحياة، بينما يحمل الصقر الأسود دلالة القوة والانطلاق والحدّة.

تتحرَّك القصيدة بين زمنين: ماضٍ يكاد يكون أسطورياً، حيث تقول الذات: «كان لي الأبد»، وحاضر فقد سحره الداخلي: «لي بيت، لكن ذاك العالم الخفيّ لم يعد لي». غير أن التحوّل لا يُعلن مباشرة، بل يتشكّل عبر الصور، فالزعرور الذي كان رمزاً للرائحة والحياة يصبح مصدر ألم: «كيف يخدش حلقي زهر الزعرور». هنا تتحوّل العلاقة مع العالم من الانسجام إلى الانفصال، فالشيء نفسه يبقى حاضراً، لكن الذات لم تعد تستقبله بالطريقة ذاتها.

تكشف مجموعة «مكان للأجنحة» للشاعرة البلغارية سيبيلا أليكسوفا عن مرحلة أكثر اكتمالاً وعمقاً في تجربتها الشعرية، فهي لا تبدو مجرد مجموعة من القصائد المنفصلة، بل مشروعاً شعرياً تتآزر داخله الثيمات والصور والأسئلة.

الخطأ الأخلاقي

أما قصيدة «بعد الطوفان»، فتنتقل بالمجموعة إلى مساحة أخلاقية وأسطورية أكثر اتساعاً، فصورة الحمل المذبوح الذي يعود في السماء تحمل قوة رمزية كبيرة، فهي تستدعي فكرة القربان والذبيحة، لكنها تتجاوز المرجعية الدينية نحو سؤال إنساني أعمق: كيف يتحوَّل العنف حين يُمارس تجاه البراءة إلى أثرٍ لا يزول؟

لا تقدم القصيدة إدانة مباشرة، بل تكشف عن مسؤولية الإنسان عبر صورة مؤلمة: نحن الذين «استفدنا من وداعة الحمل». وبعد الفعل تأتي النتيجة: الدم لا تمتصه الأرض، والطين ينتشر في العالم، وكأن الخطأ الأخلاقي لا يبقى داخل ضمير الفرد، بل يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والكون.

في «بعد الظهيرة» نصل إلى منطقة شعرية مختلفة، حيث تتحوَّل التفاصيل العادية إلى تأمل في الزمن. الماء، الذباب، الجريدة، العنب، الحجر، عناصر تبدو يومية وبسيطة، لكنها عبر تراكمها تصبح ذاكرة حسّية لزمن غائب. ثم تأتي الجملة المركزية: «ذلك الطفل أنا». عندها ينفتح النص على لحظة اكتشاف عميقة: الماضي ليس ذكرى فقط، بل تجربة جسدية كاملة لم تعد قابلة للاستعادة.

مستويات كونية من الأمومة

ويزداد هذا المعنى وضوحاً في حضور الأبناء؛ فالفقد هنا لا يتعلّق بما عاشته الذات فقط، بل بما لن يستطيع الجيل التالي أن يعيشه بالطريقة نفسها. إن المسافة بين الطفل القديم والطفل المعاصر تصبح صورة لتحول علاقة الإنسان بالعالم الطبيعي وبالزمن نفسه.

أما قصيدة «الصفعة» فعلى قصرها، تحمل كثافة استثنائية. إنها تبني عالماً كاملاً من لحظة واحدة: خوف أم على طفلها يتحوَّل إلى فعل عنيف عابر، ثم يتحوَّل الفعل نفسه إلى وعي بالذنب. في هذه القصيدة تتجاور الأمومة والحماية والخوف والهشاشة الإنسانية.

اللافت هو أن الشاعرة لا تتوقف عند التجربة الفردية، بل توسعها إلى مستوى كوني:

“وكلُّ جنين
في كلِّ امرأةٍ تنتظر،
ارتجف كسمكةٍ
وتجمّد.”

بهذه الصورة تتحول الصفعة من حدث شخصي إلى اهتزاز في فكرة الرعاية نفسها، فحتى أكثر الروابط نقاءً يمكن أن تحمل لحظة ضعف إنسانية، وحتى الحب يمكن أن يمر عبر الخوف.

تكشف هذه القصائد مجتمعة عن ملامح أساسية في شعرية سيبيلا أليكسوفا: القدرة على تحويل التجربة اليومية إلى سؤال وجودي، والاقتصاد اللغوي المصحوب بصور شعرية حادة، والتداخل العميق بين الجسد والأخلاق والذاكرة. فالجسد في عالمها ليس حضوراً مادياً فقط، بل حامل للزمن والتجربة، والطبيعة ليست مشهداً خارجياً، بل ذاكرة حيَّة للإنسان.

كما تتميَّز المجموعة بزمنها الدائري؛ حيث تعود الطفولة في مواجهة الشيخوخة، وتلتقي الأمومة بالذاكرة، ويتداخل الحاضر مع الفقد. إنها كتابة لا تحاول تجميل القسوة أو تخفيف ثقل التجربة، بل تواجهها بوضوح شعري يجعل من الهشاشة طريقاً إلى المعرفة.

في «مكان للأجنحة» لا تبحث أليكسوفا عن مكان للهروب من العالم، بل عن جناح داخل هذا العالم نفسه، جناح يسمح للإنسان بأن يرى ما فقده، وأن يعيد بناء علاقته بالأرض والآخر والذات.

من ألم الصفعة إلى طين الطوفان: رحلة سيبيلا أليكسوفا – صورة خاصة بالكوميونيتا

من قصائد المجموعة

*الأجمة البيضاء، الصَّقْرُ الأسود

يا ابنَ الخطّاف، ما أبهى طَلعتكَ ــ
ما أبهى قسوتك.

كم يفوح، بخشونةٍ لذيذة،
زهرُ الزعرور.

كنتُ يوماً أُزهرُ من العدم،
من جذعٍ يابسٍ منسيّ.

وكانت لي الغيضةُ البيضاء،
وكان لي الصقرُ الأسود.

وكان لي الأبدُ ــ أن أحدّق
في أسديةٍ يرتجفُ عليها المطر.

كنتُ أسمعُ همسَ البذور الرهيفة
في ترابٍ منتفخٍ بالحياة.

أما الآن، فلي بيت ــ
لكن ذاك العالم الخفيّ، لم يعد لي.

كيف يخدشُ حلقي
زهرُ الزعرور!

كيف تطير، يا ابنَ الخطّاف ــ
مسرعاً كنهارٍ عابر.

تارةً أسود، وتارةً مُوشّى،
وتارةً تومضُ بالأحمر.

ظلّك الحادّ يعدو
فوق التلّ العاري.

أنا الغيضةُ البيضاء.
أنا الصقرُ الأسود.

*الشيخ

كان مسمّراً إلى درابزين شرفته،
بفمٍ مدهوشٍ كفم طفل،
متروكاً ليخبو كقنديلٍ تحت أيقونة،
ويغفرَ لنا عبثنا.

رآه بعضهم شمعةً، وبعضهم طائراً عليلاً،
وبعضهم بصلةً جوفاءَ فقدت معناها.
طوفاناً إثر طوفان، كانت روحه تنزف
من وريدٍ مشقوقٍ في المزراب.

كنّا نصرف وجوهنا عن جراحه المسوّدة،
عن عظامه المثقوبة الملتوية،
حين كان، بعينين مغمضتين وكفّين متشابكتين،
يروي عنّا لله.

ولمّا انفكّ قيده أخيراً، ولمّا مضى
من العمر المرسوم له،
رآه بعضهم إنساناً،
ورآه بعضهم قدّيساً.

*الصَّفعة

بدافعٍ من فضوله الذكوريّ الغضّ،
اندفع ابني ــ كأن في حلمٍ مرعب ــ نحو الخطر.

وثبتُ، غافلةً من شدّة الفزع، وبلا صوت،
وصفعتُه مباشرةً على ابتسامته.

غاصت راحتي قليلاً في طينٍ لم يجفّ بعد.

وكلُّ رضيعٍ
في كلِّ امرأةٍ تنتظر،
ارتجف كسمكةٍ
وتجمّد.

*تلميذات

بريحٍ في رؤوسهنّ، وخصلٍ قشّية،
وتفّاحٍ مخبوءٍ عميقاً في الأكياس.

لا يُحسنّ ارتداء ثيابهنّ،
ولا يُحسنّ الحبّ أيضاً.
فاتناتٌ على نحوٍ مرتبك.

لن أكفّ عن تأمّلهنّ:
كيف يدندنَّ لحناً زائغاً،
كيف يأكلن الكرز والبوظة،
أو يمللن بعد الظهيرة،
كيف يتضاحكن من الضعفاء في لذةٍ خفيفة،
يوارين ابتساماتهنّ وراء الأكفّ،
في براءةٍ لا تؤذي.

وما زلن يثقُبن الأحزمة بالمِخراز،
ويقطعن شعورهنّ بالفأس.

يجلسن في الشمس كأنهنّ استرخين،
ساقٌ على ساق،
وترتفع ركبةٌ مستديرة
مبقّعةٌ ببياض جراحٍ قريبة.

كهرباء الطفولة
تطنّ في عضلاتهنّ.

وكما يلعق اللهبُ عيداناً نيئة في الموقد،
كذلك السماء
تسكب عليهنّ ناراً بلا رماد.

حرٌّ آخر ينضجهنّ، جحيمٌ آخر يمتحنهنّ.
عذريةٌ خفيّة ــ جمرةٌ في الفراش.

ذبابةٌ سوداء في وحدة الغرفة
تطنّ فجأة، بغضب.

تسقط الكتب وحدها من الأيدي.
تخفق القلوب بعنفٍ دوّار،
حتى تنفرج الستائر كالأفخاذ ــ
تلك الشُرَب الحريرية الحيّة.

تلك الخُصل المقطوعة بالفأس.

*بعد الطوفان

انقشع المطر ــ
ولم يبقَ سوى سوادٍ
يَلفُّ خيوطه في العلوّ.

ذاك الحَمَلُ الذي ذبحناه بالأمس
يمشي الآن في السماء.

هو الذي دسَّ رأسه الأقرن
في أكفّنا ــ ليُداعَب.

ونحن ــ
انتهزنا وداعةً عمياء،
وداعةَ حَمَلٍ فتيّ.

ثم، وقد اشتعلت فينا شهوةُ الأزمنة الأولى،
أكلنا، وشربنا.

غير أنّ هذه الدماء اللاذعة
لا تريد أن تتشرّبها الأرض ــ
لا تريد.

الطينُ يسيل في الطرقات،
وفي الأقبية، وفي القمح،
تتكاثر الضفادع والكارب.

ومن جرحٍ غائرٍ كأنّه،
يقطر من الصنابير
طينٌ أحمر.

من فقد حقلاً، أو بيتاً، أو حبيباً،
يُطرق نحو الأرض، ويرثي.

ومن فقد كلَّ شيءٍ في الماء،
يرفع عينيه إلى السماء.

اترك تعليقاً

Exit mobile version