الأحد, 21 يونيو 2026

إيلاريا جوفيناتسو شاعرة وكاتبة ورسّامة إيطالية، وُلدت في روما عام 1979. حاصلة على شهادة في الآداب، ومتخصصة في الأنثروبولوجيا وباحثة في مجال الأديان المقارنة. تعمل مدرّسة للآداب في المرحلة الثانوية، وتعيش حالياً في منطقة سابينا بإيطاليا.

صدر لها عدد من الروايات والمجموعات الشعرية، من أبرزها: “كزهرة لوتس”(2020)، و”تناظر الأجساد”(2021)، و”دين الجمال”(2023). كما نشرت كتاب الأطفال المصوّر “الحياة: عشرة أشياء مهمة”(2022)، وترجمت إلى الإيطالية قصائد المتصوفة الكشميرية لال ديد في كتاب “نور خالص: أناشيد صوفية من التانترا الكشميرية”(2024).

نُشرت قصائدها في العديد من المجلات والمختارات الأدبية الإيطالية والعالمية، وحصلت على عدد من الجوائز الشعرية، منها الجائزة الدولية للشعر غير المنشور “أوسي دي سيبيا”وجائزة لورينزو مونتانو. وقد تُرجمت أعمالها إلى عدة لغات، من بينها العربية والإنجليزية والإسبانية والبنغالية.


كاتدرائية الغيم: مختارات من شعر العزلة والدهشة


تمثل الشاعرة الإيطالية إيلاريا جوفيناتسو أحد الأصوات الشعرية المعاصرة التي تنظر إلى القصيدة بوصفها فعلاً معرفياً ورؤيةً للعالم أكثر من كونها ممارسة جمالية خالصة. ففي نصوصها لا يقتصر الشعر على التعبير عن التجربة الذاتية أو وصف الواقع، بل يتحوّل إلى وسيلة للتأمل في الوجود واستكشاف العلاقات الخفية التي تربط الإنسان بذاته وبالآخرين وبالعالم من حوله.

ومن خلال هذه الرؤية تتبلور ملامح عالمها الشعري في عدد من المرتكزات المتداخلة، فالشعر عندها ليس وصفاً للعالم بقدر ما هو محاولة لفهمه، والطبيعة ليست مجرد خلفية للأحداث أو إطار للمشهد الشعري، بل حضور حيّ تشارك الذات في حركته وتحولاته. كما تميل لغتها إلى الاقتصاد التعبيري والتكثيف الدلالي، وتعتمد صوراً تنبع من عناصر الطبيعة ــ كالغيوم والرياح والضوء والصمت ــ لتغدو هذه العناصر أدوات للتفكير في الوجود أكثر من كونها موضوعات للوصف.

ويحتل الجمال موقعاً محورياً في مشروعها الشعري، ولا سيما في ديوانها «La religione della bellezza / دين الجمال». غير أن الجمال هنا لا يُطرح بوصفه قيمة زخرفية أو متعة بصرية عابرة، بل باعتباره قوة إنسانية قادرة على تهذيب الحساسية الأخلاقية وإعادة اكتشاف المعنى في تفاصيل الحياة اليومية. إنه شكل من أشكال الانتباه العميق إلى العالم، وممارسة روحية تقوم على الإنصات لما هو عابر وهشّ وخفيّ في التجربة الإنسانية.

ولا تنفرد هذه الرؤية بموقعها في الشعر المعاصر، بل تجد صدى لها في بعض التصورات الجمالية الحديثة التي ربطت بين الفن والأخلاق. وفي هذا السياق يمكن استحضار أفكار جون رسكن (John Ruskin)، الذي رأى أن الجمال الحقيقي لا ينفصل عن البعد الإنساني والروحي. ومن هذا المنظور يغدو «دين الجمال» عند جوفيناتسو ليس عقيدة بالمعنى التقليدي، بل موقفاً وجودياً يسعى إلى الارتقاء بالذات عبر اكتشاف الجمال وصيانته بوصفه قيمة تمنح الحياة معناها الأعمق.

وتقوم تجربتها الشعرية على توتر خلاّق بين أقطاب متقابلة ومتداخلة في آن واحد: الضوء والعتمة، الشفاء والجرح، الحضور والغياب، الانتماء والغربة. ففي قسم «الغيوم» نلمح نزوعاً نحو الصفاء والتأمل والاندماج في الطبيعة بوصفها فضاءً للمعرفة الروحية، بينما تكشف نصوص «الظلال» و«الأشباح» و«الأكاذيب» عن الوجه الآخر للتجربة؛ حيث الألم والانكسار والأمومة الجريحة والصراع مع الذاكرة والذات. غير أن هذه العوالم لا تتناقض بقدر ما تتكامل، إذ لا يكتسب النور معناه إلا بوجود الظل، ولا يصبح الجمال قيمة إنسانية كاملة إلا حين يواجه الهشاشة ويحتضنها.

ومن خلال هذا التوتر المستمر بين الجمال والجرح، وبين الرغبة في الانتماء إلى العالم والشعور بالغربة داخله، تطرح جوفيناتسو سؤالها الشعري الأعمق: كيف يمكن للإنسان أن يعيش داخل الجمال من دون أن يفقد هشاشته؟ وكيف يمكن للقصيدة أن تحوّل هذه الهشاشة نفسها إلى شكل من أشكال المعرفة والنجاة؟

وتسعى المختارات التالية، من خلال نماذج منتخبة من قصائدها، إلى أن تفتح أمام قرّاء العربية نافذةً على هذا العالم الشعري الذي تتجاور فيه الغيوم والظلال، ويتحوّل فيه الألم إلى لغة، واللغة إلى محاولة دائمة لفهم الوجود وإعادة اكتشاف معناه.

*الكاتدرائية

إنه في صوت الصمت،
وفي ماء الجدول العكر،
وفي عناق الأشجار،
حيث تكتمل
السكينة الطبيعية للوجود.

*جسد من بلور

أسكن جسداً من بلور،
لي عظام زجاجية تحت جلدي.
تعامل معي بحذر:
مع كل خطوة
أخاطر بالتحطم.

*الانتماء إلى الغيوم

أن تنتمي إلى الغيوم…
أن تقف مثل زهرة عبّاد الشمس في مواجهة الضوء،
أن تذوب وتبتسم،
مثل جليدٍ وقع في حبّ الشمس،
بلا وجع.

*نحن غبار…

نحن غبار…
في سماءٍ سخيّةٍ بالصمت،
ننعكس فيها بلا صوت،
نسيجٌ سماويّ من غيمٍ شفاف.

*حين يموت شاعر

حين يموت شاعر
تُهدى الورود.
فوق الهاوية الصامتة
للأرض التي تبتلعه،
ينهار
السماء كلها.
تمطر.

*زمن الانتظار

زمن الانتظار ثقيل،
ينهار ببطءٍ قطرةً قطرة،
ويبرد الدم في الأيدي المضمومة
كأنه يصلّي.

*الرصيف 27

نعيب غراب
يتردد بين قضبان المحطة.
نجلس على مقعد بارد،
يدٌ في يد،
وأصابع متشابكة،
أراقب القطارات تمر.

*الظلال

في هذا العالم نمشي فوق الجحيم
وننظر إلى الأزهار.
أنا المرأة المنقسمة إلى نصفين،
شقوقي عميقة،
لا يراها إلا الضوء.

*سكنتُ الصمت

وحين فتحتُ النافذة
دخل الضوء،
وانزلقت السماء إلى الغرفة
فملأتها بالكامل
بالدهشة.

*لا أريد حريراً

لا أريد ثياباً داخلية من حرير،
اتركوا لي قميصي المثقوب
القطني،
البسيط،
والرخيص،
والبالي قليلاً،
مثلي.

*بتلات بيضاء على الرصيف

بتلات بيضاء على الرصيف.
أي وردة
قُطعت
اليوم؟

*لهذا الحب

لهذا الحب
رقة وردة قديمة،
ابتسامات ضاعت في الزمن،
وأشياء التقطناها من الطريق،
رميناها بعيداً،
ثم عدنا نطاردها.

أسكن جسداً من بلور،
لي عظام زجاجية تحت جلدي.
تعامل معي بحذر:
مع كل خطوة
أخاطر بالتحطم.

*خلف سحابة

مختبئةً خلف سحابة،
أعيش في انسجامٍ كامل
مع الزهرة…
والريح…
والعصفور…
والسماء.

*في البيت الكبير

في البيت الكبير،
بين ستائر حريرية
جميلة للنظر،
يبقى العصفور الصغير
في القفص
ويغني…
بلا حياة.

*بتلات حمراء

بتلات حمراء،
آخر بقايا ربيع سعيد
تبقى عالقة بين الأصابع،
الآن، وسط دوامة شتاء متعب،
أجلس على الأرض
وأرقّع
ألف غطاء قديم.

اترك تعليقاً

Exit mobile version