السبت, 1 أغسطس 2026

في الأزمنة المضطربة، لا يظهر الأبطال دائماً في هيئة من يغيّرون العالم. أحياناً يظهرون في صورة أشخاص عاديين، يواصلون أداء واجبهم وسط الخراب، لا لأنهم يثقون في النصر، بل لأنهم يرفضون الاستسلام للهزيمة الأخلاقية.

هكذا يقدّم ألبير كامو شخصية الدكتور برنار ريو في روايته الطاعون. طبيبٌ يجد نفسه في مدينة يحاصرها الوباء، فيواجه سؤالاً يتجاوز المرض نفسه: كيف يمكن للإنسان أن يبقى إنساناً حين يبدو العالم فاقداً للمعنى؟

لم يكن ريو بطلاً بالمعنى التقليدي. لم يبحث عن المجد، ولم يتحدّث بلغة الشعارات، ولم يتوهّم أنه قادر على القضاء على الشر نهائياً. كان يعرف أن الموت سيواصل عمله، وأن الخسارة ستطال كثيرين، لكنه اختار أن يفعل ما يستطيع فعله، وأن يقف إلى جانب من يتألم، ومن هنا تبدأ قيمة هذه الشخصية، فهي لا تقدّم بطولة تقوم على الانتصار، بل بطولة تقوم على المسؤولية.

حين يصبح الخراب أمراً عادياً

كتب كامو روايته عن وباء، لكن الوباء فيها لم يكن مرضاً فقط، بل رمزاً لكل ما يهدد الإنسان: الخوف، والعنف، والاستبداد، واللامبالاة، وكل قوة تحاول أن تجعل الخراب يبدو أمراً طبيعياً، ولعلَّ هذا ما يجعل الرواية أكثر قرباً من عالمنا اليوم، فنحن نعيش في زمن تتزاحم فيه الحروب، وتتوالى الكوارث، وتتدفق صور الألم حتى يكاد الإنسان يعتادها. أصبح الخبر المأساوي يزاحم غيره قبل أن يجد الوقت ليترك أثره، وكأن كثرة المآسي تهدد قدرتنا على الشعور بها، وهنا لا يعود السؤال: كيف ننقذ العالم كله؟ بل كيف نحافظ على قدرتنا على التعاطف، بينما يحاول العالم أن يجعل القسوة عادة؟


أ
خطر ما في الكارثة ليس الخراب نفسه، بل أن يصبح الخراب مألوفاً

البطولة الصغيرة

لا يقود ريو ثورة، ولا يصنع معجزة، ولا يغيّر مجرى التاريخ. كل ما يفعله أنه يعالج مريضاً بعد آخر، ويخفف ألماً بعد آخر، ويواصل عمله حتى حين يعرف أن جهوده قد لا تغيّر النهاية. وفي هذا تكمن الفكرة التي أراد كامو الدفاع عنها: ليست قيمة الفعل الإنساني في ضمان نجاحه، بل في صدقه.

لقد اعتدنا أن نقيس البطولة بالنتائج، بينما تذكّرنا شخصية ريو بأن هناك أفعالاً تستحق أن تُفعل حتى لو لم تضمن الانتصار. أن تواسي مكلوماً، أو تحمي ضعيفاً، أو تتمسّك بالحقيقة وسط الضجيج، كلها أشكال من المقاومة، حتى لو بقي العالم ناقصاً كما هو.

مدينة وهران… ومدينة العالم

لم تعد وهران، في الرواية، مجرد مدينة جزائرية ضربها الطاعون، بل أصبحت صورة لأي مجتمع يكتشف فجأة هشاشته، وهذا ما نعيشه اليوم، فقد كشفت السنوات الأخيرة أن الإنسان، مهما بلغ من التقدم، يبقى كائناً يعيش وسط احتمالات لا يملك السيطرة عليها. تنهار يقينياته بسرعة، ويكتشف أن الأمن الذي ظنه دائماً قد يكون أكثر هشاشة مما تصور. لكن الكارثة لا تكشف ضعف العالم فقط، بل تكشف أيضاً معدن البشر، ففي كل أزمة يظهر من يضاعف الخوف، ومن يستثمر الألم، ومن يشيح بوجهه، كما يظهر من يختار الوقوف إلى جانب الآخرين دون ضجيج. هؤلاء هم أبطال كامو الحقيقيون، أشخاص لا يغيّرون العالم دفعة واحدة، لكنهم يمنعون العالم من أن يصبح أكثر قسوة.

مشهد من مدينة وهران (الجزائر): Foto: ALcommunita

ضد اللامبالاة

ربما لم يكن الطاعون، في نظر كامو، أخطر ما في الرواية. الأخطر هو الاعتياد. أن يعتاد الإنسان رؤية الألم حتى يفقد القدرة على التأثر به. أن تتحوّل المأساة إلى خبر عابر. أن يصبح الضحايا مجرد أرقام، وهذا هو التحدي الأكبر في زمننا. ففيض الصور والأخبار لا يجعلنا أكثر معرفة بالضرورة، بل قد يجعلنا أقل إحساساً إذا فقدنا قدرتنا على الإصغاء إلى معاناة الآخر، ولهذا تبدو مقاومة اللامبالاة فعلاً أخلاقياً لا يقل أهمية عن مقاومة الكارثة نفسها.

الإنسان قبل النصر

لا يمنح كامو قارئه نهاية مريحة، فالطاعون ينحسر، لكنه لا يختفي إلى الأبد، والشر لا يغادر العالم مرّة واحدة، بل يعود كلما وجد فرصة. غير أن الرواية لا تجعل الأمل قائماً على اختفاء الكوارث، بل على الطريقة التي يختار الإنسان أن يواجهها بها، لكن ما يبقى من شخصية ريو ليس انتصاره على الطاعون، بل طريقته في الوقوف أمامه، فقد أدرك أن بعض المعارك لا تُقاس بنتائجها، بل بما تمنعه من أن ينكسر داخل الإنسان.

ربما لم يكن ريو يحارب الطاعون لأنه كان يؤمن بالنصر، بل لأنه كان يؤمن بالإنسان، وحين يصبح الخراب جزءاً من المشهد، لا تعود البطولة أن نغيّر العالم كله، بل ألا نسمح للعالم أن يغيّر أفضل ما فينا.

ولعلَّ هذا هو السبب الذي يجعل ريو معاصراً لنا أكثر من أي وقت مضى، فالعالم لا يكف عن إنتاج صوره الجديدة من الطاعون، حروباً، وكوارث، وعنفاً، ولا مبالاة. لكن ما يبقى مطروحاً في كل مرة هو السؤال نفسه: كيف نحافظ على إنسانيتنا حين يبدو كل شيء من حولنا يدفعنا إلى فقدانها؟ ربما لا يملك الأدب القدرة على إيقاف الكوارث، لكنه يذكّرنا، كل مرة، بأن الإنسان لا يُقاس بما انتصر عليه، بل بما رفض أن يتحوّل إليه.

اترك تعليقاً

Exit mobile version