عندما نتحدث عن سينما الرعب والإثارة، تبرز السينما الإسبانية، ولا سيما منذ مطلع الألفية، بوصفها واحدة من أكثر التجارب الأوروبية إثارة للاهتمام وقدرة على تقديم أفلام تتجاوز القوالب المألوفة. فمن «تيسيس» (1996)، الذي غاص في الجانب المظلم من الهوس بالتجارب النفسية والمواد المصورة العنيفة، إلى REC» (2007)»، الذي أعاد تعريف الرعب المصوَّر بالكاميرا المحمولة، و«مسكن فيرما» (2007)، الذي استهوى عشّاق الألغاز والرياضيات، وصولاً إلى «دار الأيتام» (2007)، بمزجه اللافت بين الرعب والدراما والخيال، قدّمت إسبانيا خلال العقود الأخيرة مجموعة من الأعمال التي أثبتت أن سينما النوع يمكن أن تكون ذكية ومبتكرة ومشحونة بالأفكار، لا مجرد وسيلة لإثارة الخوف.
وفي هذا السياق يبرز اسم أوريول باولو، الكاتب والمخرج الإسباني الذي استطاع خلال عدد محدود نسبياً من الأفلام أن يرسخ لنفسه مكانة خاصة في عالم الإثارة، وأن يكتسب لقباً غير رسمي يليق بأسلوبه: «ملك المفاجآت». واللقب ليس مبالغة، فالأفلام التي كتبها وأخرجها تقوم في جانب كبير منها على قلب توقّعات المشاهد، وإعادة ترتيب الحقائق، ودفعه إلى إعادة التفكير فيما شاهده قبل دقائق، وإذا كانت أفلام مثل «الآخرون» و«المشتبه بهم المعتادون» قد جعلت من الالتواءات السردية وحبكات المفاجأة فناً قائماً بذاته، فإن باولو ينتمي إلى الجيل الذي واصل تطوير هذا الفن، مستفيداً من أدوات أكثر حداثة في بناء الشخصيات والتلاعب بوجهة نظر المشاهد.
وُلد أوريول باولو عام 1975، ولم تكن سيرته السينمائية في بدايتها حافلة بالأفلام الطويلة، فقد عمل لفترة في مشاريع تلفزيونية، قبل أن ينتقل إلى السينما ويقدم «عيون جوليا» عام 2010 بوصفه أحد أبرز أعماله المبكرة في كتابة السيناريو. ثم جاء «الجثة» عام 2012، الذي كان أول أفلامه الطويلة كمخرج، قبل أن يبلغ أسلوبه درجة أكثر نضجاً وتعقيداً في «الضيف الخفي» عام 2016. وإذا جمعنا هذه الأفلام الثلاثة، سنكتشف مساراً واضحاً في تطور تجربة باولو، من الإثارة والرعب ذوي الملامح التقليدية إلى إثارة نفسية أكثر اعتماداً على الخداع الذهني، وتعدد وجهات النظر، وإعادة تشكيل الحقيقة أمام عيني المشاهد.
عيون جوليا: حين يصبح البصر مصدراً للرعب
يمكن النظر إلى «عيون جوليا» باعتباره العمل الأقل تعقيداً من حيث بناء المفاجأة بين أفلام باولو الثلاثة، لكنه في المقابل يتمتع بجرعة عالية من التشويق، ويقترب في أجوائه من أفلام الرعب الكلاسيكية التي تجعل الخوف نابعاً من الإحساس بالعجز أكثر مما ينبع من المشاهد الصادمة.
تبدأ الحكاية بعثور جوليا على شقيقتها التوأم ميتة في ظروف غامضة، فيما يبدو للوهلة الأولى أنها انتحرت، لكن جوليا، التي تعاني المرض نفسه الذي أصاب شقيقتها ويتسبب في فقدانها بصرها تدريجياً، ترفض التسليم بهذه النهاية، وتبدأ في البحث عن حقيقة ما حدث، ومع تراجع قدرتها على الرؤية، يتقلّص عالمها شيئاً فشيئاً، ويصبح الأشخاص المحيطون بها أقل وضوحاً، وأكثر إثارة للريبة، بينما تجد نفسها تقترب من المصير الذي عانت منه شقيقتها.
تظهر إحدى المفاجآت الأساسية قبل نحو نصف ساعة من نهاية الفيلم، لكن معرفة جانب من الحقيقة لا تلغي التوتر، بل على العكس، يستمر القلق حتى اللحظة الأخيرة، لأن باولو لا يعتمد على السؤال التقليدي: «ماذا سيحدث؟»، بل يجعل المشاهد يتساءل أيضاً: «من يمكن الوثوق به؟ وماذا تستطيع جوليا أن ترى فعلاً؟».
وهنا تكمن إحدى نقاط قوة الفيلم. فثيمة الرؤية، وأن تُرى، وأن تصبح غير مرئي تتحوّل إلى أداة سردية ونفسية في آن واحد. إن فقدان جوليا بصرها لا يمثل مجرد عنصر في الحبكة، بل يصبح وسيلة لوضع المشاهد داخل تجربتها نفسها، فعندما تعجز عن رؤية وجوه الأشخاص، أو لا ترى سوى أجسادهم من الخلف أو من أسفل الرقبة، نشعر نحن أيضاً بأن المعلومات التي تصل إلينا ناقصة، وبأن الحقيقة محجوبة عن أعيننا بقدر ما هي محجوبة عنها.
وهذا الجانب لا يعود إلى السيناريو وحده، بل يتعزّز بقوة من خلال الإخراج والأداء، ولا سيما أداء بيلين رويدا، التي تحمل العبء العاطفي والنفسي الأكبر في الفيلم، والنتيجة عمل لا يكتفي بإخافة المشاهد، بل يجعله يشعر بالعجز الذي تعيشه الشخصية، وكأنه عالق معها في ذلك العالم الضيق الذي يزداد ظلاماً دقيقة بعد أخرى.
وُلد أوريول باولو عام 1975، ولم تكن سيرته السينمائية في بدايتها حافلة بالأفلام الطويلة، فقد عمل لفترة في مشاريع تلفزيونية، قبل أن ينتقل إلى السينما ويقدم «عيون جوليا» عام 2010 بوصفه أحد أبرز أعماله المبكرة في كتابة السيناريو
الجثة: عندما تختفي الحقيقة مع الجثة
مع «الجثة» ينتقل أوريول باولو إلى مستوى آخر من اللعب بالسرد. الفيلم، الذي كان أول تجربة إخراجية طويلة له، يبدأ من واقعة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها كفيلة بفتح سلسلة لا تنتهي من الأسئلة: جثة امرأة ثرية تختفي من المشرحة في منتصف الليل، بينما يُعثر على حارس المشرحة مقتولاً بعد أن بدا أنه كان يهرب مذعوراً من شيء رآه.
ما الذي شاهده الحارس؟ أين اختفت جثة سيدة الأعمال التي توفيت في وقت سابق من ذلك اليوم؟ ولماذا تبدو كل إجابة ممكنة أكثر غرابة من سابقتها؟
يتولّى المحقق المخضرم خايمي بينيا، الذي يؤدي دوره خوسيه كورونادو، مهمة تفكيك اللغز، وفي البداية تبدو الصورة واضحة نسبياً: زوج شاب، زوجة ثرية ومتسلطة، وعشيقة شابة، ومن السهل أن يقود ذلك إلى فرضية الجريمة التقليدية، حيث يكون الطمع أو الرغبة في التخلص من الزوجة هو الدافع.
Foto: Pedro J Pacheco / CC BY-SA 4.0
لكن باولو يعرف جيداً أن أسهل تفسير ليس بالضرورة صحيحاً، وأن ما يبدو منطقياً في بداية الفيلم قد يتحوّل إلى فخ سردي بعد دقائق، ومع تقدّم التحقيق، يبدأ الماضي في الظهور تدريجياً، وتتبدّل صورة الشخصيات، ويصبح من الصعب معرفة من هو الضحية ومن هو الجلاد.
وفي مرحلة معينة، قد يتساءل المشاهد عما إذا كان الفيلم يتجه نحو تفسير خارق للطبيعة: هل هناك شبح يسعى إلى الانتقام؟ أم أن وراء الأحداث تفسيراً أكثر واقعية، لكنه أكثر قسوة؟ لا حاجة إلى كشف الإجابة، لأن متعة «الجثة» تكمن تحديداً في أن الفيلم يدفعك إلى بناء تفسيرك الخاص، ثم يختبر قدرتك على الاحتفاظ به حتى النهاية.
إنها حكاية انتقام تتخذ من لغز الجريمة غطاءً لها، وتستثمر الماضي باعتباره مفتاحاً للحاضر، حتى تصل إلى نهاية قادرة على إرباك أكثر المشاهدين شغفاً بالألغاز. وكما هو الحال في أفضل أفلام الإثارة، فإن ما يبدو واضحاً في البداية يصبح موضع شك عندما تبدأ القطع الحقيقية في الظهور.
الضيف الخفي: الحقيقة كما يرويها كل شخص
لكن أوريول باولو يصل في «الضيف الخفي» إلى مرحلة أكثر نضجاً في اللعب بعقل المشاهد. هنا لا يقوم التشويق فقط على سؤال «من القاتل؟»، وإنما على سؤال أكثر خطورة: أي رواية لما حدث هي الرواية الحقيقية؟
تدور الأحداث حول رجل الأعمال الشاب والناجح أدريان دوريا، الذي يجد نفسه في غرفة فندق مغلقة إلى جانب جثة عشيقته، بينما تبدو الأدلة كلها تقريباً وكأنها تشير إليه. وفي مواجهة احتمال خسارة كل شيء، يستعين بمحامية بارعة، فيرجينيا غودمان، لمساعدته على إعادة بناء ما حدث والدفاع عنه.
ومنذ اللحظات الأولى، يبدأ الفيلم في تفكيك الحقيقة إلى روايات متعددة. كل شخصية تروي الأحداث من زاويتها، وكل معلومة جديدة تعيد تشكيل ما سبقها، وكل إجابة تفتح باباً لسؤال آخر، وهنا يستغل باولو واحدة من أكثر أدواته السردية فاعلية: وجهة النظر، فالضحية قد تتحوّل أمامنا إلى قاتل، والمجرم إلى ضحية، والشخص الذي بدا صادقاً قد يكون الأكثر قدرة على التلاعب بالحقيقة. لا توجد صورة ثابتة للأحداث، لأن كل شيء يتغيّر تبعاً للعين التي تنظر إليه والطريقة التي تُروى بها القصة.
وفي هذا الجانب تحديداً تتجلّى براعة باولو في توزيع التفاصيل، فالفيلم لا يضع عناصره عبثاً، كل تفصيل تقريباً يمكن أن يعود لاحقاً بوظيفة جديدة، وكل جملة قد تكتسب معنى مختلفاً عندما تتغيّر زاوية النظر، ولذلك فإن «الضيف الخفي» من الأفلام التي تدفعك إلى مراقبة كل شيء بعناية، لا لأنك تريد معرفة النهاية فحسب، وإنما لأنك تشعر بأن أي تفصيل صغير قد يكون مفتاحاً للحقيقة. وهنا أيضاً يعود باولو إلى الفكرة التي تتكرر في أعماله: ليس كل شيء كما يبدو. غير أن هذه المرّة لا تكمن المفاجأة في كشف سر واحد، بل في جعل المشاهد يعيد النظر في القصة بأكملها.
من الرعب إلى الإثارة النفسية
إذا نظرنا إلى «عيون جوليا» و«الجثة» و«الضيف الخفي» بوصفها ثلاث محطات في تجربة واحدة، سنجد أن أوريول باولو انتقل تدريجياً من أجواء الإثارة والرعب ذات الطابع التقليدي إلى عالم أكثر اعتماداً على الإثارة النفسية والألعاب الذهنية. ومع مرور الوقت، أصبحت سيناريوهاته أقل اهتماماً بالعنف المباشر وأكثر اهتماماً بكيفية صناعة الوهم، وتوجيه انتباه المشاهد، وإخفاء الحقيقة أمامه رغم أنها قد تكون موجودة طوال الوقت.
ويبدو «الضيف الخفي» ذروة واضحة لهذا التطور، فالفيلم لا يعتمد على مفاجأته النهائية وحدها، بل يبني قوته على شبكة دقيقة من التفاصيل، بحيث يصبح من الصعب، بعد النهاية، معرفة أين بدأت الحقيقة وأين انتهى التلاعب بها. وربما لهذا السبب تختلف ردود أفعال الجمهور تجاه الفيلم اختلافاً كبيراً فبعض المشاهدين يرون أنهم اكتشفوا الحقيقة مبكراً، بينما يخرج آخرون وهم غير قادرين على الفصل بسهولة بين ما حدث فعلاً وما قيل لهم إنه حدث.
وهذا في حد ذاته إنجاز مهم في زمن أصبحت فيه المفاجآت السينمائية أكثر صعوبة، وأصبح الجمهور أكثر خبرة بحيل هذا النوع، فمفاجأة مشاهد اعتاد على «الآخرون» و«المشتبه بهم المعتادون» وسواهما من أفلام الحبكات الملتوية ليست مهمة سهلة، لكن باولو يثبت أن المفاجأة لا تحتاج دائماً إلى حيلة خارقة، يكفي أحياناً أن تعرف كيف تخفي الحقيقة في المكان الذي يراه الجميع.
قد لا نعرف إلى أي حد سيواصل أوريول باولو دفع تجربته نحو الإثارة النفسية، أو ما إذا كان سيعود إلى الرعب المباشر أو يغامر بأشكال سردية جديدة، لكن ما يبدو مؤكداً أن المخرج وكاتب السيناريو الإسباني لم يتخلَّ بسهولة عن موقعه كواحد من أبرز صانعي المفاجآت في السينما المعاصرة.
وربما تكون أجمل شهادة يمكن أن يحصل عليها مخرج من هذا النوع هي أن يجعل المشاهد يشاهد فيلمه بانتباه شديد، يراقب الوجوه والجمل والأشياء الصغيرة، ويحاول ألا يفوّت أي تفصيل، ففي عصر تتزايد فيه المشتتات ويصبح التركيز نفسه عملة نادرة، أن تنجح في انتزاع انتباه المشاهد حتى اللقطة الأخيرة ليس إنجازاً صغيراً.
لهذا تبدو تجربة أوريول باولو جديرة بالمتابعة، ليس فقط لأنه يعرف كيف يفاجئ، بل لأنه يفهم أن المفاجأة الحقيقية لا تأتي من الخدعة وحدها، وإنما من بناء قصة تجعل المشاهد يكتشف، في النهاية، أنه كان ينظر إلى الحقيقة طوال الوقت من الزاوية الخطأ، وفي عالم سينمائي تزداد فيه القوالب تكراراً وتتشابه فيه كثير من أفلام الإثارة، يظل باولو، ما دام محافظاً على هذا القدر من الذكاء والأصالة، واحداً من الأسماء التي تستحق أن نراقبها جيداً، فمن الواضح أن رحلته مع ألعاب العقل السينمائية لم تنتهِ بعد.
