في زمنٍ كانت فيه الكاميرات الغربية تُدير ظهرها عن الحقيقة الفلسطينية، أو تُشوّهها بإصرار المتواطئ، اختارت المخرجة الألمانية المستقلة مونيكا ماورر أن تحمل عدستها وتمضي صوب القلب النابض للقضية. لم تكن رحلتها مجرد مرور عابر في جغرافيا السينما، بل كانت التزاماً إنسانياً وسياسياً عميقاً امتدّ عقوداً، حوّلت خلالها الكاميرا من أداة تسجيلٍ محايدة إلى شاهدٍ حيّ على نكبةٍ مستمرة، وإلى صوتٍ مُجلجلٍ لمن أُسكتوا في ضجيج الإعلام الغربي المُرتّب.
من علم الاجتماع إلى سينما الانحياز الضروري
في قاعات ميونيخ وبرلين الجامعية، حيث درست علم الاجتماع وعلوم الاتصال، تشكّل لدى ماورر فهمٌ عميق للبنى الاجتماعية وآليات السلطة في تشكيل الوعي الجمعي. كانت تلك السنوات بمثابة تمهيدٍ لمعركة قادمة، معركة لا تُخاض بالمفاهيم النظرية وحدها، بل بالصورة الحيّة والشهادة المُلتقطة من قلب الحدث. عملُها كصحفية في عدة صحف ألمانية، ثم في مجلة “رامبارتس” الراديكالية الأمريكية، عرّفها على حدود الكلمة المكتوبة، على عجزها أحياناً عن اختراق الجدران السميكة للوعي المُستعمَر إعلامياً.
لكن الكلمة، مهما بلغت من بلاغة، لم تكن تكفي. منذ الستينيات، وجدت ماورر في السينما الوثائقية ملاذاً آخر، فضاءً أرحب للمقاومة البصرية. لم تكن تبحث عن بريق الأضواء أو ثقل الجوائز، بل عن سينما مستقلّة حقيقية، سينما لا تساوم، لا تتلوّن، سينما تضع نفسها بكامل ثقلها في كفّة العدالة، حتى لو كلّفها ذلك الكثير.
شراكة استثنائية: أن تعمل مع الفلسطينيين لا عنهم
ما يرفع تجربة مونيكا ماورر فوق مستوى الزيارات السينمائية العابرة هو ذلك الالتزام الطويل، العميق، شبه الوجودي بالقضية الفلسطينية. بين عامي 1977 و1982، لم تكن ماورر تلك المخرجة الغربية التي تحطّ رحالها لأسابيع قليلة، تلتقط ما يكفي من الصور المؤثرة، ثم تعود محمّلة بمادة خام تُشكّلها وفق رؤيتها الخاصة. كانت، على النقيض من ذلك، في قلب العمل المؤسساتي الفلسطيني، في تعاونٍ وثيق مع المؤسسة السينمائية الفلسطينية وقسم الإعلام في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني.
هذه الشراكة كشفت عن منهجٍ مختلف جذرياً في التعامل مع “الآخر”: ماورر لم تأتِ لتتحدّث عن الفلسطينيين من علٍ، لم تأتِ بوصفها الصوت الأوروبي المستنير الذي سيُفسّر للعالم ما لا يفهمه الفلسطينيون عن أنفسهم. جاءت لتضع كاميرتها، معرفتها التقنية، قدرتها على الوصول إلى الجمهور الغربي، في خدمة المؤسسات الفلسطينية نفسها، في خدمة أصواتهم التي طالما أُخرست.
هذا التواضع الأخلاقي والفني أنتج سلسلة من الأفلام الوثائقية التي وثّقت مراحل حاسمة من النضال الفلسطيني في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، تلك السنوات التي شهدت تحوّلات مصيرية وضربات موجعة. “الهلال الأحمر الفلسطيني” (1978) كان الخطوة الأولى في هذه الرحلة، يليه “أطفال فلسطين” (1979)، حيث الطفولة المسروقة تُقاوم بعنادٍ فطري، ثم “الحرب الخامسة” (1980)، ذلك العنوان الذي يختزل مأساة شعبٍ يُجبر على خوض حروبٍ متتالية من أجل مجرد البقاء.
شهادات على الحياة المنبعثة من رماد الموت
“ولدوا من الموت” (1981) – عنوانٌ يحمل في طيّاته كثافة التجربة الفلسطينية بأكملها: حياةٌ تنبثق من رحم الفاجعة، صمودٌ يتجدد بعنادٍ غريزي رغم كل محاولات الإبادة المنهجية. في العام نفسه، أنتجت “يوم الأرض”، ذلك اليوم الذي تحوّل إلى رمزٍ للمقاومة الفلسطينية داخل حدود 1948، حين أثبت الفلسطينيون الباقون على أرضهم أن النكبة لم تكسر إرادتهم. وفي “أشبال – نبض الحياة”، التفتت الكاميرا إلى الأطفال، إلى تلك البراعم التي تنمو في تربةٍ مسمّمة بالاحتلال والحصار، لكنها تُصرّ على الحياة، على اللعب، على الحلم، على المقاومة.
جاء “لماذا؟” (1982) في لحظة فارقة، في خضم الاجتياح الإسرائيلي الكاسح للبنان، ذلك الاجتياح الذي سيُنتج مجزرة صبرا وشاتيلا وتدمير البنية التحتية الفلسطينية في بيروت. السؤال الذي يطرحه العنوان ليس سؤالاً بلاغياً، بل هو صرخة إنسان أمام الوحشية، سؤالٌ يجب أن يطرحه كل ضميرٍ حي: لماذا؟ لماذا هذا الإصرار على سحق شعبٍ بأكمله؟ لماذا هذا الصمت الغربي المتواطئ؟
مختبر الحرب” (1984) كشف ما كان معروفاً لكنه غير موثّق بصرياً: أن لبنان، وتحديداً الفلسطينيون فيه، كانوا حقل تجارب للأسلحة الإسرائيلية والأمريكية، مختبراً حيًاً لاستراتيجيات القمع والتدمير. هنا، تتحوّل الكاميرا إلى أداة شهادة قانونية، إلى دليل إدانة لا يمكن تجاهله.
في “استمع!” (1985)، يحمل العنوان نفسه أمراً أخلاقياً: توقّف عن الكلام، توقّف عن إسقاط تصوراتك المسبقة، وأصغِ. استمع إلى الأصوات التي يتم إخراسها بشكل منهجي في الإعلام الرئيسي، استمع إلى الرواية المغايرة، إلى الحقيقة المُزاحة. ثم جاء “فلسطين تشتعل” (1988/89)، توثيقاً للانتفاضة الأولى، تلك الثورة الشعبية العفوية التي هزّت يقينيات العالم وأجبرته على رؤية الفلسطينيين لا كضحايا سلبيين ولا كإرهابيين مجرّدين من الإنسانية، بل كشعبٍ حيّ ينتفض من أجل حريته، بالحجارة ضد الدبابات، بالأجساد العارية ضد الآلة العسكرية.
المخرجون الغربيون: حلفاء في زمن الخذلان
السبعينيات والثمانينيات كانت عقوداً فاصلة في مسار القضية الفلسطينية. بعد نكسة حزيران التي أعادت ترتيب الخريطة السياسية للمنطقة، بعد أيلول الأسود حيث تمّ سحق الوجود الفلسطيني المسلّح في الأردن، بعد مجزرة صبرا وشاتيلا التي كشفت عن وحشية لا حدود لها، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان الذي دمّر البنية التحتية للثورة الفلسطينية، كان الفلسطينيون يخوضون معركة البقاء على كل المستويات: العسكرية، السياسية، والأهم من ذلك، معركة الرواية والذاكرة.
في هذا السياق الدامي، اكتسب دور المخرجين الغربيين الملتزمين أهمية استثنائية، تتجاوز مجرد التوثيق السينمائي لتصبح فعلاً سياسياً وأخلاقياً بامتياز. هؤلاء المخرجون، ومن بينهم ماورر، قدّموا خدمات حاسمة للنضال الفلسطيني:
أولاً، شقّوا ثغرات في الجدار الإعلامي الغربي المحكم. في حقبةٍ كانت فيه التلفزيونات والصحف الكبرى تعمل بانضباط شبه عسكري لتقديم رواية واحدة، منحازة بوضوح، كانت أفلامهم تُعرض في المهرجانات السينمائية، في قاعات الجامعات، في النقابات العمالية، في المراكز الثقافية المستقلة، فاتحة نوافذ ضوء في عتمة السردية الأحادية. كانت هذه العروض بمثابة مساحات تنفّس، فضاءات يمكن فيها للحقيقة المُقصاة أن تتنفّس، أن تُرى، أن تُسمع.
ثانياً، وفّروا غطاءً من المصداقية يصعب تجاوزه. عندما يأتي مخرج ألماني، لا ارتباطات سياسية له مع العالم العربي، لا مصالح اقتصادية في المنطقة، ويشهد على الواقع الفلسطيني بهذا الوضوح، يصبح من الصعب جداً رفض شهادته بسهولة باعتبارها “دعاية عربية” أو “معاداة للسامية”. الصوت الغربي المستقل، الآتي من قلب أوروبا التي تشعر بذنب تاريخي تجاه اليهود، كان له قدرة على اختراق الدفاعات الأيديولوجية المحصّنة للجمهور الغربي.
عملها الحالي على رقمنة أرشيفها السينمائي ليس مجرد إجراء تقني لحفظ مواد قديمة من التلف، بل هو فعل مقاومة واعٍ ضد النسيان المُمنهج، ضد الطمس المتعمّد للذاكرة
ثالثاً، وربما الأهم على المدى الطويل، وثّقوا لحظات تاريخية كان من الممكن، لولا كاميراتهم، أن تُمحى من الذاكرة أو تُشوّه في روايات المنتصر. أفلام ماورر وأمثالها أصبحت أرشيفاً بصرياً لا يُقدّر بثمن، شهادة مرئية للأجيال القادمة على ما حدث فعلاً، على الوجوه التي كانت هناك، على الأصوات التي ارتفعت، على الحياة اليومية في المخيمات، على الممارسات العسكرية الإسرائيلية، على الصمود الفلسطيني. هذا الأرشيف تحوّل، مع مرور الزمن، إلى سلاح في معركة الذاكرة، إلى دليل مادي ضد محاولات التزوير والإنكار.
من الشاشة إلى الشارع: السينما كأداة تعبئة
أفلام ماورر لم تكن موجّهة للاستهلاك الثقافي الهادئ في صالات السينما الفاخرة. كانت أدوات حرب في معركة الوعي، أسلحة في ترسانة حركة التضامن العالمية مع فلسطين. كانت تُعرض في تجمعات التضامن السياسي، في الاحتجاجات الطلابية، في قاعات النقابات العمالية، في الكنائس التقدمية، في كل فضاءٍ يمكن أن يُستخدم لفتح نقاش حول القضية الفلسطينية.
في السبعينيات والثمانينيات، قبل أن يُحدث الإنترنت ثورته في نشر المعلومات، قبل عصر الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، كان الفيلم الوثائقي أحد أقوى الأدوات المتاحة لنقل الواقع بشكل حيّ ومباشر. عندما يجتمع عشرات أو مئات الأشخاص في قاعة مظلمة، ويشاهدون معاً صور أطفال فلسطين، مخيمات اللاجئين، الحياة اليومية تحت الاحتلال، القصف، الصمود، يحدث شيءٌ أعمق من مجرد نقل المعلومات. يحدث تحوّل في الوعي، تحوّل يصعب تحقيقه عبر الكلمات المجردة أو الإحصائيات الباردة.
ماورر، بخلفيتها الأكاديمية في علم الاجتماع وخبرتها في الصحافة، كانت تفهم هذه الديناميكيات النفسية والاجتماعية بعمق. أفلامها لم تعتمد على العاطفية الرخيصة أو التبسيط المُخلّ بالحقيقة، بل كانت تحترم ذكاء المشاهد وتقدّم له السياق التاريخي والسياسي الضروري للفهم. كانت تتجنب الوقوع في فخ تصوير الفلسطيني كضحية سلبية تستحق الشفقة فقط، بل كانت تُظهره كفاعل سياسي واعٍ، كمقاوم له أهدافه ورؤيته. هذا النهج جعل أفلامها فعّالة ليس فقط في إثارة التعاطف اللحظي، بل في بناء فهم سياسي عميق يؤسس لتضامن طويل الأمد، لالتزام لا يتبخر مع أول أزمة إعلامية عابرة.
ليس الأفلام فقط
نشاطات ماورر المساندة للقضية الفلسطينية لم تقتصر على صناعة الافلام فقط، بل تعدته الى دعم العديد من النشاطات والمبادرات الفلسطينية. يكفي هنا أن أشير الى دورها المميز في تحضير مهرجان غزة الدولي للمرأة والذي شرفني أن أكون إلى جانبها أثناء هذه الفترة اضافة الى مجموعة رائعة من الفنانيين والناشطين الأوروبيين والعالميين التقدميين.
الأرشيف: فعل مقاومة ضد النسيان المُمنهج
عملها الحالي على رقمنة أرشيفها السينمائي ليس مجرد إجراء تقني لحفظ مواد قديمة من التلف، بل هو فعل مقاومة واعٍ ضد النسيان المُمنهج، ضد الطمس المتعمّد للذاكرة. في عصرنا هذا، حيث تُحذف الحسابات الفلسطينية على منصات التواصل الاجتماعي، حيث يُمنع المحتوى الذي يتحدث عن فلسطين أو يُصنّف كـ”محتوى حساس”، حيث تعمل خوارزميات قوية على إخفاء الرواية الفلسطينية، يصبح الأرشيف المستقل أكثر أهمية من أي وقت مضى.
مشروعها الجديد “تصوير الثورة”، الذي لا يزال قيد الإنجاز، يَعِد باستكشاف معنى السينما الثورية نفسها
هذه المواد البصرية من السبعينيات والثمانينيات تحمل قيمة تاريخية وسياسية وإنسانية هائلة. إنها تُظهر فلسطين والفلسطينيين في لحظات تاريخية حاسمة، تحفظ وجوه وأصوات شهود وشهداء، تُقدّم دليلاً بصرياً لا يمكن دحضه على حقائق يحاول البعض إنكارها أو التقليل من شأنها. هي أيضاً شهادة على شكل الحياة اليومية، على التفاصيل الصغيرة التي تُنسى في السرديات الكبرى، على الأحلام والمخاوف، على الحب والألم، على كل ما يجعل الإنسان إنساناً.
مشروعها الجديد “تصوير الثورة”، الذي لا يزال قيد الإنجاز، يَعِد باستكشاف معنى السينما الثورية نفسها: ما معنى أن تحمل كاميرا في خدمة التغيير؟ ما هي المسؤوليات الأخلاقية والسياسية للمخرج الوثائقي؟ كيف يمكن للصورة أن تكون فعلاً ثورياً بحد ذاتها، وليس مجرد تسجيل سلبي لأفعال الآخرين؟ هذه الأسئلة، التي رافقت ماورر طوال مسيرتها، تبقى ملحّة وراهنة في كل زمان.
إرثٌ حيّ لا يُطوى
اليوم، وماورر عضو في مجلس إدارة أرشيف حركة الطبقة العاملة، تواصل التزامها العميق بتوثيق نضالات المضطهدين والمهمّشين في كل مكان. رحلتها الطويلة من قاعات الدرس في ميونيخ وبرلين، مروراً بمكاتب التحرير الصحفي، وصولاً إلى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين وساحات المعارك في لبنان، من الستينيات حتى اللحظة الراهنة، تشكّل شهادة حيّة على إمكانية أن يكون الفنان الغربي حليفاً حقيقياً، ملتزماً، وطويل النفس للنضالات التحررية في العالم.
إرثها لا يقتصر على الأفلام التي أنتجتها، بل يمتد إلى النموذج الذي قدّمته للأجيال اللاحقة من المخرجين: نموذج المخرج المستقل الذي لا يساوم على قناعاته، الذي يختار الانحياز الواضح والصريح للعدالة دون تردد، الذي يعمل مع الناس وليس عليهم، الذي يرى في السينما أداة للفهم والتغيير وليست مجرد تجارة أو تسلية عابرة.
السينما التي لا تموت
مونيكا ماورر تجسّد جيلاً من المثقفين والفنانين الغربيين الذين رفضوا أن يكونوا متواطئين في الصمت، الذين قرروا أن يستخدموا امتيازاتهم كحاملي جوازات سفر غربية، كناطقين بلغات أوروبية، كأصحاب وصول إلى منابر إعلامية وثقافية، في خدمة المضطهدين لا في خدمة الظالمين. في السبعينيات والثمانينيات، عندما كانت القضية الفلسطينية في أمس الحاجة لأصواتٍ تكسر الاحتكار الخانق للرواية الصهيونية في الإعلام الغربي، كانت ماورر ورفاقها هناك، بكاميراتهم وضمائرهم الحيّة، يصنعون ثغرات في الجدار.
أفلامها تبقى شاهداً على حقبة، على نضال، على أناسٍ عاشوا وناضلوا وسقطوا شهداء من أجل فكرة الحرية، وفي كل مرّة تُعرض فيها هذه الأفلام، في كل مرّة يجلس فيها جيل جديد في قاعة مظلمة ليشاهد ما وثّقته عدسة ماورر، تستمر المقاومة، تستمر الذاكرة حيّة نابضة، ويستمر النضال ضد النسيان والتزوير.
هذا هو الإرث الحقيقي لمونيكا ماورر: سينما لا تموت لأن القضية التي تخدمها لم تُحسم بعد، لأن الظلم الذي وثّقته لا يزال مستمراً، لأن الشعب الذي أعطته صوتها وكاميرتها لا يزال يقاوم. وما دامت المقاومة مستمرة، ستبقى هذه الأفلام حيّة، ضرورية، راهنة، كأنها صُنعت بالأمس، وكأنها ستبقى ضرورية إلى الأبد، أو على الأقل حتى تتحقق العدالة التي وقفت ماورر طوال حياتها في خدمتها.
