الأربعاء, 16 سبتمبر 2026

من العبث تصوّر أن يعرف الكتابةَ أناسٌ لم يعرفوا الكلام…

تبدو الجملة للوهلة الأولى ملاحظةً عن العلاقة بين الكلام والكتابة، لكنها تخفي سؤالاً أعمق: ماذا يحدث للكلام حين نكتبه؟ وهل نكتب كي ننقذه من الزوال، أم كي نضعه في قبر أكثر أناقة؟

الكلام يولد حيّاً. يخرج من الجسد قبل أن يصل إلى الورق. يحمل ارتجافة الصوت، وانقطاع النفس، والتردد، والخوف، والرغبة، ونظرة العين التي ترافقه. إنه ليس كلمات فقط. إنه حدث.

حين نتكلم، لا نقول الكلمات وحدها. نقولها ونحن نرى وجه الآخر، ونصغي إلى صمته، ونلتقط ما يتغيّر في عينيه. قد نبدّل كلمة لأن حاجبه ارتفع، أو نتوقف لأن الدمع سبَق الجملة. الكلام يعيش إذن في المسافة بين شخصين، وفي الزمن القصير الذي يجمعهما، أما الكتابة، فتأخذ هذا الحدث كله وتترك منه أثراً.

محاولة للنجاة من الموت

الأثر ليس الشيء، وهذه هي مأساة الكتابة الأولى. الكتابة تحفظ ما حدث، لكنها لا تحفظ حدوثه. تستطيع أن تقول: “بكى”، لكنها لا تعيد اللحظة التي انكسر فيها الصوت قبل أن تسقط الدمعة. تستطيع أن تكتب “أحبك”، لكنها لا تستعيد اليد التي ارتجفت وهي تقولها، ولا الصمت الذي جاء بعدها، ولا الخوف من أن تكون الكلمة متأخرة، لهذا تبدو الكتابة أحياناً مثل محاولة للنجاة من الموت بواسطة شيء يشبه الموت.

نحن نكتب لأن الأشياء تمضي. نكتب أسماء الذين رحلوا، لأن الاسم معرض للنسيان. نكتب المدن التي غادرناها، لأن المدينة بعد الرحيل لا تعود المدينة نفسها. نكتب الحب لأننا نعرف، في مكان غامض من القلب، أنه قابل لأن يتحوّل إلى ذكرى، ونكتب طفولتنا لأن الطفل الذي كنّا عليه لا يستطيع العودة إلينا إلا من خلال اللغة. الكتابة، بهذا المعنى، أرشيف للخسارة.

عبور الزمن

لكن الأرشيف لا يعيد الموتى. إنه يمنح غيابهم شكلاً يمكن النظر إليه، وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة: هل نحن نكتب كي ننقذ الكلام، أم كي نؤجل موته؟ ربما الأمران يحدثان في اللحظة نفسها، فالكتابة تنقذ الكلام من النسيان، لكنها تحرمه من جسده. تحوّله من صوت إلى علامة، ومن حضور إلى أثر، ومن شيء يحدث بين اثنين إلى شيء يستطيع شخص غريب أن يقرأه بعد عشرين عاماً، ومع ذلك، فإن ما تفقده الكتابة من الحضور تكسبه من الزمن.

هنا لا تعود الكتابة قبراً للكلام فقط. تصبح قبراً يفتح أبوابه باستمرار. القبر مكان للنهاية، لكن الكتابة قبر غريب: ندفن فيه الكلام، ثم يأتي قارئ ويفتحه، فتخرج الكلمات من جديد

الجملة التي قيلت ذات مساء قد تموت مع صاحبيها. أما الجملة المكتوبة فتستطيع أن تعبر زمنها، وتصل إلى قارئ لم يكن موجوداً حين ولدت. قد يقرأ شخص، بعد عقود، كلمات كتبناها في العشرين، فيجد فيها ما لم نكن نعرفه عنها، وربما يمنحها معنى لم يخطر لنا قط.

هنا لا تعود الكتابة قبراً للكلام فقط. تصبح قبراً يفتح أبوابه باستمرار. القبر مكان للنهاية، لكن الكتابة قبر غريب: ندفن فيه الكلام، ثم يأتي قارئ ويفتحه، فتخرج الكلمات من جديد. غير أنها لا تخرج بالصوت نفسه. تخرج بصوت القارئ. وهنا تقع المفارقة: الكتابة لا تنقذ الكلام كما هو، إنها تنقذه بعد أن تغيّره.

ملجأ أخير

نحن لا نكتب الأب نفسه حين نكتب “أبي”. نكتب صورته التي بقيت فينا، ولا نكتب الوطن، بل المسافة التي صارت بيننا وبينه، ولا نمسك الحب حين نكتب عنه، نمسك ما بقي منه بعدما عبر الجسد والزمن والخوف.

لهذا كانت الكتابة قريبة من الحزن. الحزن يعرف أن الأشياء لا تعود، والكتابة تعرف الشيء نفسه. كل نص، بطريقة ما، محاولة لاستعادة شيء لا يمكن استعادته. نحن لا نكتب لأن اللغة قادرة على إعادة العالم، بل لأننا نعرف عجزها، ومع ذلك نصر على المحاولة، وهنا يكمن أحد أسرار الكتابة: أن تفعل المستحيل وأنت تعرف أنه مستحيل.

ثم إن هناك أشياء لا تستطيع أن تُقال، لكنها تستطيع أن تُكتب. جمل تخنقها الحنجرة، ويعجز الصوت عن حملها، فتجد في الورق ملجأها الأخير. في هذه اللحظة لا تكون الكتابة قبراً للكلام، بل ملجأً له. لكن الملجأ نفسه قد يتحوّل إلى قبر إذا توقفت اللغة عن أن تكون حيّة.

فالذي لم يعرف الكلام قد يعرف ترتيب الكلمات، وقد يتقن قواعد الكتابة، لكنه لن يعرف بالضرورة لماذا تموت جملة حين تكون زائدة، ولماذا تستطيع كلمة واحدة أن تقول ما تعجز عنه فقرة، ولماذا قد يكون الصمت بين كلمتين أكثر امتلاءً من الكلام نفسه. والمفارقة أن الكتابة الحقيقية تبدأ من الإصغاء. إصغاء إلى الكلام قبل أن يصبح كتابة. وإصغاء إلى الصمت الذي يختبئ خلفه، لذلك تعود الجملة الأولى لتصبح أكثر قسوة: من العبث تصوّر أن يعرف الكتابةَ ناسٌ لم يعرفوا الكلام!.

حياة أخرى

ليس المقصود أن يكون الكاتب خطيباً، أو أن يملك بلاغة شفوية. المقصود أن يعرف للّغة نبضها قبل أن يعرف شكلها. أن يعرف متى تصمت الجملة. متى تتلعثم. متى تخونها الكلمة، ومتى تكون كلمة واحدة أصدق من صفحة كاملة، فاللغة ليست قاموساً. إنها حياة. ربما لهذا لا تكون الكتابة في النهاية إنقاذاً للكلام ولا قبراً له. إنها تحويل لمصيره.

الكلام يموت لكي تستطيع الكتابة أن تعثر عليه، والكتابة تموت لكي يستطيع قارئ آخر أن يعثر على نفسه فيها. في هذه الدائرة الغامضة، لا أحد ينجو تماماً: لا الكلام، ولا الكاتب، ولا القارئ، لكن شيئاً ما يبقى. ليس الصوت، وليس الصمت، بل تلك الرجفة الصغيرة بينهما، حين تتحوّل الكلمة من فمٍ غائب إلى قلبٍ لم يكن قد وُلد بعد، وربما لهذا نكتب، لا لكي ننقذ الكلام من الموت، بل لكي نمنح موته حياةً أخرى.

اترك تعليقاً

Exit mobile version