الثلاثاء, 15 سبتمبر 2026

يلومني بعض النقّاد على التشويه في بعض أعمالي الفنية وبخاصة البورتريهات، ولكن أرسطو كان مع حرية التعبير بدلاً من التقليد والمحاكاة (الفوتوغرافية). ما جاء به ارسطو يوضح الأبعاد الفكرية والفلسفية من الصياغة الفنية والبصرية للموضوعات الفنية.
طالبنا الفيلسوف الإغريقي أرسطو بالتعبير في الفن بدلاً من المحاكاة، وأضاف بأن “تشويه الملامح” أحياناً قد يصبح وسيلة للوصول إلى حقيقة تعبيرية أعمق، ولكن ينبغي التمييز بين “النصوص التي قالها أرسطو فعلاً حول الفن التشكيلي”، و”اللون والفراغ والكتلة في الفن”، وبين “الإسقاط النقدي المعاصر” على الفن التشكيلي. فعلياً، أرسطو لم يكتب “نظرية في الفن التشكيلي” بشكل مستقل، وإنما المصدر الأساسي لحديثه عن الفن التشكيلي هو كتاب “فن الشعر”.
بتقديرنا، أن أرسطو طاليس يمثل إحدى المحطّات المؤسسة في تاريخ التفكير الفلسفي حول الفن، ولا سيما من خلال “مفهوم المحاكاة” الذي يشكل أحد المفاهيم المركزية في كتابه “فن الشعر”. ومع أن الكتاب يركز أساساً على الشعر (قام أرسطو بتفكيك الشعر إلى عناصر أساسية كالموسيقى والكلمات والقافية والصورة الشعرية، وغير ذلك) والمأساة ( التراجيديا)، إلا أن الفيلسوف الإغريقي استعان بالرسم والنحت والفنون البصرية لتوضيح طبيعة المحاكاة وطرائقها، ولذلك يمكن قراءة بعض أفكاره بوصفها الأساس المبكّر للتفكير في “الصورة الفنية”، وإن كان من الخطأ نسبُ مفهوم «التعبيرية» أو «التجريد» الحديثين إليه مباشرة، فمصطلح «علم الجمال» نفسه حديث نسبياً، ولم يكن أرسطو يستخدمه بالمعنى الاصطلاحي الذي استقر لاحقاً.

أشارت بحوث معاصرة إلى أن ترجمة “المحاكاة” بكلمة “تقليد” قد تكون مضللة أحياناً لأنها لا تستوعب كل دلالات المصطلح اليوناني، الذي يمكن أن يتضمّن التمثيل والتصوير وإعادة الحضور


نحن نعتبر أن “المحاكاة” ليست نسخاً آلياً للواقع، وقد ميّز أرسطو في «فن الشعر» بين الفنون المختلفة بحسب وسائل المحاكاة وموضوعاتها وطرائقها، وهنا تكمن أهمية الفكرة الأرسطية، فالعمل الفني لا يساوي الشيء الذي يمثّله، بل هو بناء فني للشيء عبر وسيط معين، والفنان لا يقدّم الواقع مباشرة، وإنما يعيد تشكيله من خلال أدواته: الخط، والشكل، والألوان، والتكوين، وبالتالي، يمكن النظر إلى اللوحة بوصفها علاقة ثلاثية بين: الواقع – رؤية الفنان – العمل الفني. وهذه النقطة تتيح لنا عملياً الانتقال من مفهوم المحاكاة بوصفها «تقليداً» إلى مفهوم أكثر تعقيداً هو “التمثيل وإعادة البناء”، وقد أشارت بحوث معاصرة إلى أن ترجمة “المحاكاة” بكلمة “تقليد” قد تكون مضللة أحياناً لأنها لا تستوعب كل دلالات المصطلح اليوناني، الذي يمكن أن يتضمّن التمثيل والتصوير وإعادة الحضور. ويرى أرسطو أن الفنان لا يرسم الإنسان بالضرورة كما هو، وتأتي هنا واحدة من أهم الفقرات بالنسبة إلى الفن التشكيلي، وخصوصاً فن البورتريه. يقول أرسطو إن الفنانين يمكن أن يمثلوا الأشخاص: “أفضل مما هم عليه، أو أسوأ مما هم عليه، أو كما هم”. ثم يستشهد بثلاثة رسامين يونانيين: الفنان بوليغنوتوس كان يصوّر الأشخاص أفضل مما هم عليه، بينما الفنان بوسون كان يصورهم أسوأ مما هم عليه، في حين كان الفنان ديونيسيوس يصورهم كما هم تقريباً.استنتاج نقدي
ووفق المنطق الأرسطوي، فإن السؤال هذا “هل يشبه العمل الواقع؟” يتحوّل إلى سؤال أعمق: “أي واقع يريد الفنان أن يقدمه؟”. فالفنان يستطيع أن يرفع من شأن الشخصية، أو يقلل منها، أو يقترب من مظهرها الواقعي، وبالتالي فإن الاختلاف بين الأعمال الفنية لا يكمن فقط في درجة التشابه، بل في موقف الفنان من موضوعه.
لقد فكّر لنا أرسطو من قبل حول تشكيل البورتريه (المظهر والحقيقة الداخلية)، ويمكننا تطبيق هذه الفكرة الأرسطوية على البورتريه بصورة مباشرة، ومقارنة بالصورة الفوتوغرافية، فالفوتوغرافيا قد تسجل: شكل العين، وحجم الأنف، و شكل الفم، ولون البشرة، وتفاصيل الوجه، أما الفنان التشكيلي فيستطيع أن يتجاوز هذه العناصر ليبحث عن شيء آخر مثل: الشخصية، والانفعال، والذاكرة، والحضور النفسي. ومن هنا يمكن أن يصبح تشويه الملامح أحياناً وسيلة للوصول إلى حقيقة تعبيرية أعمق، لكن ينبغي التأكيد علمياً على أن هذه الجملة الأخيرة استنتاج نقدي معاصر من أفكار أرسطو، وليست قولاً لأرسطو نفسه.

العمل الفني لا يساوي الشيء الذي يمثّله، بل هو بناء فني للشيء عبر وسيط معين، والفنان لا يقدّم الواقع مباشرة، وإنما يعيد تشكيله من خلال أدواته: الخط، والشكل، والألوان، والتكوين


هذا، وقد طرح أرسطو في أحد فصول كتابه «فن الشعر» فكرة بالغة الأهمية، حول “متعة النظر” إلى الصور ومسألة “الدهشة”، أي (جدل المعرفة والتعرّف). ويشير الفيلسوف الإغريقي المادي أرسطو إلى أن الإنسان يجد متعة في رؤية المحاكاة لأنه يستطيع من خلالها أن يتعرّف إلى ما تمثله الصورة ويفهمها، ويعطي مثالاً لصورة الإنسان الذي يستطيع المشاهد أن يتعرّف إليه، لكن أرسطو أضاف نقطة مهمة: إذا لم يرَ المشاهد الشخص من قبل، فقد لا تأتي المتعة من التعرف إليه، ولكن الألوان والتشويه وحلاوة التنفيذ أو أي سبب آخر من هذا النوع، قد تحدث الدهشة المطلوبة، وهنا نجد عند أرسطو عنصرين في استقبال العمل التشكيلي: المعنى / التعرّف، و القيمة الحسية / التشكيلية للعمل. وهذا الأمر مهم جداً، لأنه يعني أن اللون والشكل ليسا مجرد أدوات ثانوية، بل يمكن أن يكونا مصدران مستقلان للمتعة الجمالية.

اترك تعليقاً

Exit mobile version