لم أتعرّف إلى محمد الوهيبي (1947-2015) أول مرَّة في معرض، ولم أقرأ اسمه تحت لوحة معلّقة في صالة فنون، ولم أحتج إلى موعد لأدخل عالمه. كان جاري، الحيط بالحيط، وكان ذلك، من دون أن أدرك يومها، امتيازاً إنسانياً وفنياً نادراً: أن تعيش سنوات من شبابك على بعد جدار واحد من الوهيبي، وأن تسمع اللوحة وهي تتشكّل قبل أن يراها جمهور المعارض.
كان الوهيبي يكبرني في العمر والخبرة والموهبة، لكنك لم تكن تشعر أمامه بالمسافة التي يصنعها بعض الفنانين حول أنفسهم. كان قريباً من الناس، ومن جيرانه، ومن الحارة، ومن الحديث البسيط. لم يكن يحتاج إلى منصة كي يبدو فناناً، كان الفنان فيه يظهر في طريقة نظره، وفي صمته، وفي الكلمات القليلة التي ينتقيها، وفي ذلك الهدوء الذي يسبق أحياناً جملة تبدو بسيطة، ثم تكتشف أنها تفتح أمامك باباً آخر لفهم الأشياء.
نافذة على عالم واسع
في مرحلة الشباب، كانت غرفتي تلاصق مرسمه في الطابق الأول. وأمام مرسمه فسحة صغيرة أو شرفة ــ “برندا” كما نسميها ــ تطل بحياء على الحارة الضيقة. لم تكن شرفة ذات منظر استثنائي بالمعنى التقليدي، لكنها أصبحت في ذاكرتي نافذة على عالم واسع، لم أدرك أبعاده إلا لاحقاً، ومن هناك كان يأتي صوت لناي شجي، ومع الوقت، تعلمت أن أقرأ ذلك الصوت. كنت أعرف تقريباً متى يكون محمد الوهيبي قد ابتعد قليلاً عن اللوحة ليأخذ استراحة، ومتى يكون عزفه امتداداً للرسم نفسه، كأنه لا يتوقف عن العمل على اللوحة عندما يترك الريشة أو الأداة، وإنما ينتقل إلى وسيلة أخرى للتفكير فيها. كنت أسمع الناي فأقترب من حافة شرفتي، لأستطلع إن كان مستعداً لحديث قصير.
وفي ليالٍ كثيرة، بعد أن تهدأ الحارة، وينام معظم أهلها، كنت أراه يقترب هو الآخر من حافة البرندا. يبدأ حديث قصير بين شرفتين متجاورتين، بصوت خافت حتى لا نوقظ أحداً، وحتى صوته كان يشبه الناي.. هادئاً، شفافاً، غير متعجّل.
لون يبحث عن مضيف
كنت أسمع منه في تلك اللحظات عزفاً آخر، ولكن بالكلمات. يحدثني عن لوحة يعمل عليها، عن فكرة دخلت إليها، عن رمز لم يستقر بعد في مكانه، عن لون لا يزال يبحث عن علاقته بما حوله. وأحياناً كنت أشعر أنه لم يكن يشرح اللوحة بقدر ما كان يفكر بصوت مسموع أمامي.
ولعلَّ هذه إحدى الصور التي بقيت معي طويلاً عن محمد الوهيبي: الفنان الذي لا تنتهي لوحته بمجرد أن يبدأ رسمها، بل يبدأ معها حوار طويل. كانت بعض أعماله تمكث معه طويلاً. يطول الرسم، ويطول التأمل، ويطول الوقوف أمام اللوحة، ويطول الناي معها.
لهذا لا أستطيع أن أفصل في ذاكرتي بين موسيقاه ولوحاته. لم يكن الناي، بالنسبة لي على الأقل، مجرد هواية جانبية لفنان تشكيلي. كان جزءاً من طقس التفكير. كأن الصوت يساعده على اختبار إيقاع الصورة: أين يترك فراغاً، أين يكرر شكلاً، أين يزيد الرمز كثافة، وأين يصمت.
كان محمد الوهيبي يدرك، بالفطرة أو بالتجربة، أن اللوحة تكتمل مرَّتين: مرَّة عندما ينهي الفنان عمله عليها، ومرَّة عندما يبدأ الآخرون في النظر إليها
لوحة على وشك الولادة
واليوم، عندما أعود إلى أعماله وأرى كثافة الإشارات والعلامات والأشكال وتجاورها، أفهم أكثر لماذا كان النقد الذي يتحدّث عن “الإيقاع” في لوحات الوهيبي قريباً من حقيقة تجربته، فالإيقاع عنده لم يكن استعارة نقدية فقط، لقد شاهدت شيئاً من ولادته بنفسي. كانت هناك بالفعل علاقة بين الناي واللون واللوحة والرموز، وبين الموسيقى والرسم، وبين تكرار النغمة وتكرار الإشارات والرموز. لكن أجمل ما أحتفظ به لم يكن فقط الاستماع من خلف جدار. فقد كان يُتاح لي، من حين إلى آخر، الدخول إلى المرسم. كانت زياراتي قليلة، ولذلك بقي لكل زيارة منها طعم خاص. أدخل فأجد لوحة على وشك الولادة، وكان يسعدني أن أراها قبل الآخرين. لم أفكر يومها في معنى هذا الامتياز كما أفكر فيه الآن. أن ترى لوحةاً قبل أن تصبح عملاً فنياً منشوراً أو معروضاً، وأن تشاهد التعديل والإضافة والحذف وهي تحدث أمامك، هو دخول إلى منطقة لا يراها عادةً متلقي الفن. كنت أعبّر له ببساطة عن سعادتي بما أراه، واليوم أقول: أيّ شرف كان ذلك. لكن محمد لم يكن يريد مني الإعجاب فقط، وهنا أعتقد أن جانباً مهماً من شخصيته الفنية يظهر.
كنت أتوقع أن يشرح لي هو اللوحة، لكنه كثيراً ما كان يبدأ بالسؤال: ماذا تحس؟ ثم: ماذا تفهم؟ ثم يواصل الأسئلة. ما الذي رأيته أولاً؟ ماذا تعني لك هذه العلامة؟ إلى أين أخذتك هذه العلاقة بين الأشكال؟ لماذا شعرت بهذا؟ كنت أجيبه بما أراه وأفهمه، وربما بأشياء لم يكن يقصدها هو أصلاً، ولم يكن يتضايق من ذلك، بالعكس، كنت أشعر أنه يصغي إليّ باهتمام حقيقي.
الرموز والنوايا
بعد سنوات، أدركت أن تلك الأسئلة لم تكن أسئلة مجاملة لجار أصغر سناً وأقل موهبة وخبرة. كانت جزءاً من طريقة محمد في اختبار حياة اللوحة خارج ذهنه هو. كان يريد أن يعرف ما الذي ستفعله الصورة عندما تغادر المرسم، فالفنان يستطيع أن يضع في العمل الرموز والنوايا، لكنه لا يستطيع أن يقرر وحده ماذا سيشعر المتلقي.
كان محمد يدرك، بالفطرة أو بالتجربة، أن اللوحة تكتمل مرَّتين: مرَّة عندما ينهي الفنان عمله عليها، ومرَّة عندما يبدأ الآخرون في النظر إليها، لذلك كان يستخدمنا بطريقة شديدة الإنسانية بوصفنا أول جمهور للعمل، ولعلَّني كنت أحياناً، من غير أن أعرف، واحداً من أولئك الذين يختبر معهم قدرة اللوحة على الكلام.
كان يسألني كثيراً، ثم يستمع، ثم يشرح، لكن شرحه لم يكن يلغي ما قلت. لم يقل لي، كما يفعل “بعض الفنانين: “أنت لم تفهم اللوحة. كان يبني فوق قراءتي قراءة أخرى، وهذا يكشف احتراماً عميقاً للمتلقي، فالعمل الفني بالنسبة له لم يكن لغزاً يمتلك الفنان وحده مفتاحه، بل مساحة لقاء.
قاموس بصري
كان يراقب الدهشة الأولى. يسأل عنها. يختبرها، وربما كان يعيد التفكير في شيء داخل العمل بناءً على هذا الحوار، ومن هنا أختلف قليلاً مع القراءة التي تختزل لوحات محمد الوهيبي في مجموعة رموز فلسطينية أو بدوية أو أسطورية فقط. نعم، كانت فلسطين حاضرة، وكانت الذاكرة حاضرة، وكانت المرأة والأم والحيوان والقمر والعلامة والحزن والغياب جزءاً من قاموسه البصري، لكن ما كنت أراه من قرب كان شيئاً أعمق من تجميع الرموز. كان هناك بحث طويل عن العلاقة بين الأشياء.
الرمز وحده لم يكن يكفيه. كان يسأل أين يوضع، وما علاقته باللون، وما الذي يحدث إذا اقترب من شكل آخر، وكيف يتغيّر إحساس اللوحة إذا أضاف شيئاً أو حذف شيئاً، لهذا كانت بعض اللوحات تستغرق وقتاً طويلاً. لم يكن الزمن عند محمد الوهيبي مجرد مدة إنتاج. كان جزءاً من العمل نفسه. كل لوحة تمر بالتأمل، والصمت، والتعديل، والعزف، والابتعاد عنها، ثم العودة إليها.
سياق فني
في ذلك الوقت كنت طالباً منشغلاً بدراستي وحياتي وأسئلتي، ولم أكن أعرف أن ما يحدث خلف الجدار سيصبح بعد عقود جزءاً من ذاكرتي الثقافية والشخصية، ولم أكن أعرف أنني سأعود يوماً لأبحث عن الوهيبي في المواقع والكتب والكتالوجات والصحف والمتاحف والمزادات والأرشيفات، بينما كانت إحدى أغنى وثائقه موجودة طوال الوقت داخلي، فالوثائق تخبرنا متى أقام معرضاً، وأين درس، وأين توجد بعض أعماله، والنقَّاد يساعدوننا على قراءة التقنية والرمز والأسطورة واللون، والمؤرخون يضعونه في سياق الفن الفلسطيني والسوري والعربي، لكن ثمة جزءاً من الفنان لا تحفظه الكتالوجات، ذلك الرجل الذي يخرج ليلاً إلى طرف البرندا. ذلك الصوت الهادئ. ذلك الناي الذي يعبر الجدار، وتلك الجملة البسيطة: ماذا تحس بهذه اللوحة؟ ربما كان هذا السؤال، أكثر من أي شرح آخر، مفتاحاً لفهم الوهيبي الذي عرفته.
على صوت الناي
لم يكن يريد أن يخبرك فقط ماذا رسم. كان يريد أن يعرف ماذا فعلت اللوحة بك.، ولهذا، عندما أكتب عنه اليوم، لا أكتب فقط عن فنان فلسطيني عرفتُه. أكتب عن جار جعل المسافة بين غرفتي ومرسمه أقصر بكثير من سمك الجدار، وأكتب عن صديق كان يكبرني خبرة وموهبة، لكنه بقي قريباً بما يكفي كي يقف على طرف شرفته ليحدث طالباً أصغر منه عن لوحة لم تولد بعد، وأكتب، قبل كل شيء، عن ذلك الامتياز النادر: أن تكون أحياناً واحدًاً من أوائل الذين شاهدوا اللوحة، وأن تسمعها، قبل ذلك، وهي تولد على صوت الناي.
