السبت, 8 أغسطس 2026

يُقام في متحف الفن الحديث في ستوكهولم (Moderna Museet)، معرض “بيت نيسابا: حكايات جديدة للرسم” (House of Nisaba: New Stories of Painting) من 14 أيار \مايو إلى 30 آب \ أغسطس 2026، في الطابق الرابع من المتحف. ويجمع المعرض 29 فناناً وفنانة من أنحاء مختلفة من العالم، كُلّف 25 منهم بإنتاج لوحة جديدة خصيصاً لهذه المناسبة.

لا يحتفي المعرض بالرسم بوصفه تقليداً فنياً يعود إلى الواجهة فحسب، بل يطرح سؤالاً أكثر عمقاً: ماذا يستطيع الرسم أن يقول اليوم، في زمن تتغيّر فيه المعرفة بسرعة، وتتدفق المعلومات بلا توقف، وتتفتت فيه الروايات المشتركة؟

نيسابا… من ألواح الطين إلى اللوحة

يستعير المعرض اسمه من نيسابا، الإلهة الرافدية المرتبطة بالحبوب والحساب، ثم بالكتابة والكتبة وسرد القصص بعد اختراع الكتابة في بلاد الرافدين. وهنا تبدأ الفكرة المركزية للمعرض.

قبل آلاف السنين، أتاحت الكتابة للإنسان أن يمنح المعرفة والتجربة والخيال شكلاً مادياً، فصارت الأساطير والأناشيد والحكايات تُحفظ على ألواح الطين، واليوم، يستدعي “بيت نيسابا” تلك اللحظة القديمة ليطرح سؤالاً معاصراً: هل يستطيع الرسم أن يكون وسيلة جديدة لحفظ المعنى ورواية قصص عصرنا؟

الفنانون المشاركون لا يمثّلون مدرسة فنية واحدة، ولا يشكلون حركة بالمعنى التقليدي، لكنهم يلتقون حول اهتمام مشترك بالرسم التمثيلي والرمزية والسرد.

الرسم في زمن الصورة السريعة

نعيش في عالم أصبحت فيه الصورة أسرع من قدرتنا على تفسيرها. الأخبار تصل في لحظات، والمنصّات الرقمية تعيد ترتيب ما نراه، والخوارزميات تشارك في تحديد ما يظهر أمام أعيننا، بينما يفتح الذكاء الاصطناعي أسئلة جديدة حول معنى الصورة وصانعها. في هذا السياق، تبدو اللوحة فعلاً من أفعال التمهل.

لا تقدّم أعمال “بيت نيسابا” صوراً جاهزة للاستهلاك، بل عوالم تحتاج إلى وقت، وقد تستمد هذه العوالم رموزها من التاريخ والأسطورة والدين والأدب، لكنها تستفيد أيضاً من السينما والموضة والتنجيم والخيال العلمي والإعلام ومنصّات مثل Instagram وTikTok، وهنا تصبح اللوحة مساحة للتفكير في الطريقة التي نعيش بها وسط هذا التدفق الهائل من المعلومات.

عودة الرسم التمثيلي

ينظر المعرض إلى عودة الرسم التمثيلي من خلال عدسة الاستعارة، والاستعارة هنا ليست مجرد رمز زخرفي. إنها طريقة لجعل الصورة تقول أكثر مما يظهر فيها حرفياً. وجه يمكن أن يصبح ذاكرة، وجسد يمكن أن يحمل سؤال الهوية، ومشهد يومي يمكن أن يخفي تاريخاً من الحرب أو الهجرة أو الفقد، لهذا تبدو بعض الأعمال، وكأنها تنتمي في الوقت نفسه إلى عالمنا وإلى عوالم بعيدة: عالم الأساطير، والحكايات الدينية، وتاريخ الفن، والأحلام، والخيال العلمي.

لا تقدّم أعمال “بيت نيسابا” صوراً جاهزة للاستهلاك، بل عوالم تحتاج إلى وقت، وقد تستمد هذه العوالم رموزها من التاريخ والأسطورة والدين والأدب،

29 فنانًا… 29 احتمالًا للصورة

يضم المعرض أسماء عديدة من أجيال وخلفيات ثقافية مختلفة، من بينها محمد سامي العراقي-السويدي، وسلمان طور، ووانغيتشي موتو، ونيكول آيزنمان، وصوفيان عبابري، ومنيرة الصلح، وسينغا سامسون، وأغنيس شيرر وغيرهم. القائمة الرسمية للمتحف تضم 29 فناناً وفنانة.، وتكتسب مشاركة محمد سامي أهمية خاصة بالنسبة إلى الجمهور السويدي والعربي، إذ تأتي أعماله ضمن هذا الحوار العالمي حول الذاكرة والصورة والمكان.

ومن الأعمال المعروضة عمله (حرية مؤطرة)، الذي يصور سماء زرقاء تُرى من داخل إطار يشبه صندوقاً. صورة تبدو بسيطة، لكنها تفتح مجالاً واسعاً للتأويل: هل نحن أمام نافذة؟ أم حدود؟ أم صورة عن الحرية نفسها؟ أما سلمان طور، فيقدم في المعرض عمل The Studio، بينما يشارك سينغا سامسون بعمل Emothonjeni (A Spring)، وهما من الأعمال التي يبرزها المتحف نفسه في مواد المعرض.

البيت الذي لا يشبه بيتاً

لا يقتصر مفهوم “البيت” على الأعمال الفنية، فتصميم المعرض نفسه جزء من الفكرة. صمّم استوديو Formafantasma العمارة الداخلية للمعرض بحيث تستحضر تاريخ العمارة الرمزية والدينية: المعابد والكنائس والكاتدرائيات والمساجد، لكن هذه العناصر أُعيد تفكيكها وإعادة توزيعها بطريقة معاصرة، بحيث يصبح مسار الزائر جزءاً من تجربة قراءة اللوحات، فالبيت هنا ليس مكاناً مغلقاً، بل فضاءٌ متغيّرٌ، يتشكّل أثناء الحركة داخله، وكأن المعرض يقول إن معنى الفن نفسه لا يكتمل إلا عندما يدخل إليه المتلقي.

من بلاد الرافدين إلى ستوكهولم

بالنسبة إلى المتلقي العربي، يحمل اسم “نيسابا” طبقة إضافية من المعنى، فالمعرض يستعيد واحدة من أقدم لحظات التحوّل في تاريخ الحضارة الإنسانية: اللحظة التي انتقلت فيها المعرفة من الذاكرة الشفوية إلى شكل مكتوب يمكن حفظه وتناقله، واليوم، بعد آلاف السنين، يعود السؤال بصورة أخرى: كيف نحفظ ذاكرتنا في عصر تتغيّر فيه المعلومات قبل أن نستوعبها؟ ربما تكون الإجابة التي يقترحها “بيت نيسابا” هي أن الرسم ما يزال قادراً على القيام بهذا الدور، لكن ليس من خلال تسجيل العالم كما هو، وإنما من خلال إعادة تخيّله.

اللوحة بوصفها لغة جديدة

لا يقدم “بيت نيسابا” إجابة واحدة عن مستقبل الرسم، ولا يدّعي أن الفن يستطيع منافسة السرعة الهائلة للصورة الرقمية، بل ربما يفعل العكس تماماً. إنه يراهن على البطء. على الصورة التي تحتاج إلى تأمل، وعلى الرمز الذي لا يكشف معناه من النظرة الأولى، وعلى الحكاية التي لا تكتمل إلا عندما يشارك المشاهد في بنائها.

وفي زمن أصبحت فيه المعرفة أكثر سرعة، والمجتمعات أكثر تفتتاً، والروايات أكثر اضطراباً، يستعيد “بيت نيسابا” فكرة قديمة جداً: أن الإنسان يحتاج إلى الصور كي يفهم العالم، كما يحتاج إلى الكلمات كي يحفظه.

وهكذا يصبح المعرض جسراً رمزياً بين ألواح الطين في بلاد الرافدين ولوحات ستوكهولم المعاصرة، بين “نيسابا”، راعية الكتبة، وفنانين يحاولون اليوم اختراع لغات بصرية جديدة، وربما لهذا السبب تحديداً لا يبدو الرسم في “بيت نيسابا”»” فنّاً من الماضي، بل لغة قديمة تتعلَّم كيف تتحدَّث عن المستقبل.

اترك تعليقاً

Exit mobile version