الأربعاء, 16 سبتمبر 2026

هنا مقال عن اليوم الأخير في حياة رئيس الوزراء السويدي الراحل أولوف بالمه ..

لم يكن لأولوف بالمه (1927-1986) دائماً حرسٌ شخصي، فقد كان يفضل أحياناً أن يتدبّر أموره من دونهم. ذات مرة – وكان يريد السفر خارج البلاد- رافقه اثنان من رجال الأمن إلى المطار، ولكن حدث في الطريق عطب بإحدى عجلات السيارة، وتوقفوا لتغييره. وبينما كان الشرطيان منهمكين بالعمل كان أولوف بالمه يروح ويجيء في المكان منزعجاً. ربما كان قلقاً من أن يفوته موعد الطائرة. وفجأة فتح صندوق السيارة وأخذ حقيبة سفره، ووقف في الطريق مشيراً للسيارات العابرة. بعد دقائق توقّفت سيارة خاصة، وأقلّته وسط نظرات الشرطيين الذاهلة، وهما ينظران لرئيس الوزراء المكلّفين بحراسته، فيما هو يبتعد بسيارة غريبة.

لا يعرف المرء ماذا ينتظره خارج الشبّاك

في اليوم الذي سبق مقتله كان بالمه يتجوّل في المدينة دون حراسه الشخصيين، فقد قطع الشارع مشياً من مبنى الحكومة إلى شارع (الملكة) ليبتاع لنفسه بدلة جديدة. بعد ذلك عاد إلى مكتبه حاملاً كيساً بيده. الناس الذين تعرّفوا إليه في الطريق كانوا يلوحون له بأيديهم فرحين، وكان هو يبادلهم التحية. ربما كان هذا يشعره بالحرية والأمن كأي عمدة في مدينة صغيرة، فقد كان يسير وسط الناس بغير انزعاج. وهذا كان يشعره أنه واحدٌ منهم، فما حاجته إلى الحراس إذن؟

كان يوم 28 فبراير(شباط) 1986 يوم جمعة، وكان الهواء بارداً ورطباً. في الصباح ذهب بالمه كعادته في أيام الجمعة إلى إحدى الصالات الرياضية في المدينة ليلعب التنس. بعد اللعب أخذ حمّاماً ساخناً (ساونا) مع زميله في اللعب تاركاً حراسه يجلسون في الصالة بانتظاره. في الطريق إلى مبنى الحكومة نزل بالمه من سيارته في شارع (الملكة) ليعيد البدلة التي ابتاعها بالأمس إلى محل الألبسة التي اشتراها منه.

أولوف بالمه مع زوجته اليزابيث 1960
(Source: Swedish National Archives via Wikimedia Commons / Public Domain CC0)

كانت زوجته إليزابيث غير مرتاحة لهذا أبداً…

استمر يوم العمل كالمعتاد مشحوناً بالنشاط، فقد التقى بالمه بعض أعضاء الحزب وعقد لقاءين قصيرين مع سفيري العراق والنروج. في الساعة العاشرة والنصف صرف حراسّه الشخصيين إلى بيوتهم. بعد ذلك عقد لقاءً صحفياً مع إحدى الصحف المحلية، وقد امتنع لسبب غريب عن التقاط صورة له قرب الشباك.

– المرء لا يعرف أبداً ماذا يوجد هناك في الخارج. هذا ما قاله.

فيلم الأخوة موتزارت

عند الغداء لاحظ بعض الوزراء شيئاً من التوتر بادياً على وجهه، ولم يعرف أحد منهم سبب ذلك. هكذا انقضى ما تبقى من اليوم. كانت الساعة قد تجاوزت السادسة بقليل، حين غادر بالمه مكتبه متوجهاً إلى بيته في جانب المدينة القديم. حول المائدة تحدّث مع زوجته إليزابيث عن عزمه قضاء الأمسية في الذهاب إلى السينما. احتار الزوجان أي فيلم سيشاهدان، لكنهما عقدا العزم على مشاهدة فيلم (الإخوة موتزارت) للمخرجة سوزان أوستن، لاسيما وأن ولدهما (مورتين) وزوجته سيشاهدان نفس الفيلم.

– سنلتقي أمام السينما. قال بالمه لولده عبر التليفون.

قبل أن يأخذا طريقهما إلى السينما أجرى بالمه بعض المكالمات التليفونية مع رفاقه في الحزب، ومع أن المكالمات كانت قصيرة، إلا أن إليزابيث كانت تحثّه على الإسراع. حين خرجا من البيت كانت الساعة قد تجاوزت الثامنة والنصف بقليل. ذهبا إلى محطة مترو المدينة القديمة، واستقلا الخط 17 ليذهبا إلى شارع (رودمان). كان قطار مترو الأنفاق مزدحماً، فظلا واقفين طوال الطريق. من محطة (رودمان) سارا إلى مبنى السينما في شارع(سفيا)، كأي فردين عاديين من أبناء العاصمة، ومنحهما ذلك شعوراً ممتعاً بالحرية، فقد كانت ليلة دون إزعاجات الحراسة.

استمر يوم العمل كالمعتاد مشحوناً بالنشاط، فقد التقى بالمه بعض أعضاء الحزب وعقد لقاءين قصيرين مع سفيري العراق والنروج. في الساعة العاشرة والنصف صرف حراسّه الشخصيين إلى بيوتهم. بعد ذلك عقد لقاءً صحفياً مع إحدى الصحف المحلية، وقد امتنع لسبب غريب عن التقاط صورة له قرب الشباك

أمام السينما التقيا ولدهما (مورتين) وزوجته. كانت تذاكر السينما على وشك النفاد، إلا أن الحظ حالفهما وحصلا على آخر التذاكر المتبقية. هكذا دخلا ليشاهدا الفيلم معاً، وليقضيا معاً آخر أمسية في حياتهما. انتهى الفيلم في الساعة الحادية عشرة والربع، وبعد أن ودّعا ولدهما وزوجته، ذهب الزوجان بالمه جنوباً في شارع (سفيا) باتجاه محطة المترو القريبة. كانا يسيران الهوينى ويتحدثان عن الفيلم الذي شاهداه. كانت ليلة مدلهمة بدرجة حرارة دون الصفر بست درجات.

الشارع شبه فارغ. كانت العطلة الرياضية على وشك الانتهاء، والكثير من أبناء ستوكهولم كانوا في الخارج لتمضية العطلة الشتائية. بعد قليل اتجه الزوجان بالمه إلى الجانب الآخر من الشارع حيث كانت إليزابيث ترغب في رؤية بعض الملابس في الواجهة الزجاجية لمحل (ساري) الهندي. وقفا قليلاً ينظران إلى تلك الملابس ذات الألوان المبهجة، ثم واصلا طريقهما إلى محطة المترو القريبة. لدى مرورهما من أمام محل (ديكروميا) للألوان الواقع عند تقاطع شارعي (سفيا) و (تولين) كان هناك رجل، أربعيني، متوسط القامة بشعر وملابس داكنة، يقف قرب الجدار ويحدق بهما.

بعد أن تجاوز الزوجان الرجل ببضع خطوات، تحرّك هو ببطء تاركاً مكانه قرب محل الألوان، واقترب من رئيس الوزراء وأكمل بلمسه من كتفه، وحين التفت رئيس الوزراء ليرى من ذا الذي وضع يده على كتفه سُمع صوت إطلاق مسدس. في نفس اللحظة التي ظنّت بها إليزابيث أن الصوت جاء من مسدس لعبة للأطفال، سقط زوجها قربها مغشياً على الأرض. ثم تلا ذلك صوت عيار ناري آخر.

هنا قتل رئيس الوزراء أولوف بالمه (ستوكهولم)
(Foto: BKP / Source: Wikimedia Commons / Licensed under Creative Commons CC BY-SA 3.0)

وقع كل ذلك بخفّة وسرعة قرب إليزابيث دون أن تشعر به. نظرت إلى الرجل ذي الملابس الداكنة، وأدركت حينها أن زوجها قد أطلقت عليه النار، وأن القاتل يقف أمامها. بادلها القاتل التحديق لبضع ثوان، بعد ذلك دار القاتل حول رئيس الوزراء، ووضع المسدس في جيب معطفه الداكن، واستدار ماشياً في شارع (تولين). سار في البدء متمهلاً، ثم أسرع من خطوه، ليختفي ركضاً وسط الأزقة المعتمة من غير أن يستطيع أحد إيقافه.

أنا.. إليزابيث بالمه!

خرَّت إليزابيث على ركبتيها قرب زوجها المضرّج بالدماء، وأدركت أن حالته صعبة، وربما يكون ميتاً. في هذه الأثناء اتصل أحد سائقي الأجرة بالشرطة التي هرعت إلى المكان بعد بضع دقائق، فيما انتشر بعض رجال الشرطة في الشوارع المتفرّعة عن شارع (تولين) مشرعين سلاحهم بحثاً عن القاتل. اقترب أحد مفتشي الشرطة من المرأة الراكعة على ركبتيها وسألها من تكون.

-هل أنت بكامل وعيك؟؟

صرخت إليزابيث.

ـ أنا إليزابيث بالمه، وهذا زوجي أولوف بالمه.

على الفور قام مفتش الشرطة بالاتصال بمركز الشرطة من جهاز اللاسلكي الذي يحمله، وكان قلبه يخفق بقوة حين قال:

– أتعرفون من هي الضحية؟ حوّل.

– كلا لا نعرف من تكون؟ حوّل.

– إنه رئيس الوزراء! أكرر: إنه رئيس الوزراء أولوف بالمه. انتهى، حوّل

– واضح، انتهى.

كانت الساعة 11,21 حين أطلق الرجل ذي الملابس الداكنة النار على رئيس الوزراء. وفي الساعة 11,28 وصلت سيارة إسعاف، وحملت المصاب إلى المستشفى. أكدَّ طبيب التخدير أن أولوف بالمه قد مات سريرياً عند نقله، فقد كان جثة هامدة، ونبضه قد توقف، وكذلك تنفسه. وقد أجريت عدّة محاولات لإعادة الحياة إليه لكن دون جدوى. وفي الساعة 00,03 أعلن الأطباء أن رئيس الوزراء أولوف بالمه قد مات!.

*تنويه: هذا المقال مُعد ومترجم عن الأرشيف الصحفي والتوثيقي للجرائم التاريخية في السويد، وصيغ لصالح موقع (الكوميونيتا).




اترك تعليقاً

Exit mobile version