فلسطين ليست خبراً عاجلاً، وليست رقماً في نشرة، ولا صورةً عابرة لطفل تحت الركام، ولا اسماً يظهر في الإعلام كلما اشتعلت حرب ثم يختفي عندما تهدأ الكاميرات. فلسطين حياة كاملة، هي بيت وشارع ومدرسة وحقل وميناء ومقهى ومكتبة. هي أسماء العائلات، ورائحة الخبز، ولهجة الجدّات، وأغاني الأعراس، ومواسم الزيتون، وصور معلّقة على جدران بيوت بعيدة عن الوطن، وهي أيضاً قصة شعب حاولت قوى كثيرة أن تختصره في مأساة، لكنه ظلَّ ينتج الشعر والفن والعلم والتعليم والحياة. من هنا تأتي أهمية السردية الثقافية الفلسطينية.
السردية ليست مجرد حكاية نرويها كي نتذكر. إنها الطريقة التي نفهم بها أنفسنا، ونقدم بها فلسطين إلى العالم، ونحمي بها حقنا من النسيان والتشويه والمحو والاضمحلال. فمن يملك القصة، يملك جزءاً من الوعي العام، ومن يحدد الكلمات والصور والسياق، يستطيع أن يؤثر في الطريقة التي يرى بها الناس فلسطين والفلسطينيين.
مفتاح البيت الأول
عندما تظهر فلسطين في الإعلام، غالباً ما تظهر في لحظة الخوف أو الدم أو النزوح. يرى العالم الصواريخ والبيوت المهدمة والطوابير الطويلة، لكنه لا يرى دائماً الحياة التي كانت هنا قبل القصف، ولا يعرف الناس الذين عاشوا في هذه البيوت، ولا يسمع أحلامهم ومهنهم وقصصهم.
لا يعرف المتلقي أن البيت الذي تهدم كان يضم مكتبة صغيرة جمعها صاحبها خلال أربعين عاماً، أو أن العائلة التي نزحت كانت تحتفظ بمفتاح بيتها الأول منذ عام 1948، أو أن الطفل الذي يظهر في الصورة كان يحب كرة القدم، ويريد أن يصبح مهندساً، وهنا تصبح السردية الثقافية ضرورية، فهي تعيد الاسم إلى صاحبه، والقصة إلى سياقها، والإنسان إلى الصورة. إنها تقول إن الفلسطيني ليس رقماً، ولا مجرد ضحية، ولا شخصية سياسية جاهزة للاستخدام في الخطابات. هو معلم وطبيب وفلاح وفنان وصحفي وعامل وباحث وطالب وأم وطفل وشاب يحلم بحياة طبيعية وآمنة وكريمة.
الإعلام لا يكتفي بنقل ما يحدث. هو يختار ما يعرضه، وما يخفيه، وما الكلمات التي يستخدمها، ومن يتحدث، ومن يبقى صامتاً. هناك فرق كبير بين أن يقال إن “اشتباكاً وقع”، وبين أن يقال إن قوة احتلال دخلت منطقة مأهولة وأجبرت سكانها على النزوح. وهناك فرق بين أن يقال إن “منزلاً دُمّر”، وبين أن نعرف أن هذا المنزل كان ملكاً لعائلة تعيش فيه منذ أجيال، وأن تدميره لم يكن خسارة مادية فقط، بل اقتلاعاً لذاكرة ومكان وعلاقة اجتماعية.
الرواية الفلسطينية
السردية الثقافية لا تلغي السياسة، لكنها تمنع السياسة من ابتلاع الإنسان. هي تمنح الصحفي والباحث والقارئ صورة أوسع. تشرح كيف ترتبط الأرض بالهوية، ولماذا يحمل اللاجئ مفتاحاً بعد مرور عقود، ولماذا تبقى القرية المهجرة حاضرة في أسماء الأبناء وفي الطعام والأغاني والذاكرة.
وعندما تكون هذه السردية موثقة بالصور والخرائط والشهادات والسجلات والبحوث، فإنها لا تبقى مجرد رواية عاطفية. تتحوّل إلى معرفة يمكن تدريسها، والاستناد إليها في الإعلام والبحث والقانون.
الدفاع عن الرواية الفلسطينية لا يعني ترديد الشعارات بصوت أعلى، بل يحتاج إلى دقة وصبر وعمل طويل. نحتاج إلى مؤرخين يعودون إلى الأرشيفات، وباحثين يوثقون أسماء القرى والعائلات، ومتخصصين في القانون يشرحون حقوق الملكية والعودة والتعويض، وباحثين في الإعلام يكشفون أنماط التحيز، ومختصين في البيئة يوثقون ما يحدث للأرض والمياه والزراعة.
نحتاج أيضاً إلى جمع ما لا يوجد في الكتب. ذاكرة جدة تتحدث عن قريتها، وصورة قديمة يحملها مهاجر في تشيلي، ورسالة أرسلها أب إلى ابنه قبل سبعين عاماً، ودفتر مدرسي، وعقد أرض، ووصفة طعام، واسم عين ماء، وحكاية عن موسم الحصاد.
لغات جديدة
كل ذلك معرفة. لكن هذه المعرفة قد تضيع إذا بقيت في الأدراج أو في ذاكرة شخص واحد، ولهذا فإن تحويل الذاكرة إلى أرشيف، والشهادة إلى وثيقة، والصورة إلى مادة موصوفة ومحفوظة، هو عمل ثقافي وعلمي في الوقت نفسه.
حمل الفلسطينيون وطنهم معهم إلى أماكن كثيرة. إلى الأردن ولبنان وسوريا والخليج، وإلى أوروبا والأميركيتين وأستراليا وأفريقيا. عاشوا في مخيمات ومدن وعواصم بعيدة، وتعلموا لغات جديدة، ودخلوا جامعات ومهن ومؤسسات، وبنوا عائلات وحيوات جديدة، لكن فلسطين بقيت حاضرة. بقيت في أسماء الأبناء، وفي الطعام، وفي اللهجة، وفي الصور، وفي القصص التي يرويها الكبار للصغار.
الشتات الفلسطيني ليس مجرد نتيجة للتهجير القسري. يمكنه أن يصبح قوة عالمية للمعرفة والتواصل والتأثير. في كل بلد توجد طاقات فلسطينية قادرة على فتح أبواب جديدة: أكاديميون في الجامعات، اعلاميون في وسائل الإعلام، أطباء ومهندسون ومحامون، كتّاب ومترجمون وفنانون ومخرجون، رجال ونساء يعملون في المؤسسات العامة والمجتمع المدني والتكنولوجيا والاقتصاد وكل المجالات. هؤلاء لا يحملون القضية فقط. هم يحملون أيضاً القدرة على تقديمها إلى مجتمعات مختلفة، بلغات وأساليب يفهمها الناس هناك.
السردية الثقافية لا تلغي السياسة، لكنها تمنع السياسة من ابتلاع الإنسان. هي تمنح الصحفي والباحث والقارئ صورة أوسع. تشرح كيف ترتبط الأرض بالهوية، ولماذا يحمل اللاجئ مفتاحاً بعد مرور عقود، ولماذا تبقى القرية المهجرة حاضرة في أسماء الأبناء وفي الطعام والأغاني والذاكرة
الفلسطيني في السويد يستطيع أن يربط فلسطين بقضايا حقوق الإنسان واللجوء والمساواة، والفلسطيني في جنوب أفريقيا يستطيع أن يتحدث من داخل تجربة شعب عرف الفصل العنصري، والفلسطيني في أميركا اللاتينية أو آسيا وافريقيا يستطيع أن يبني جسوراً مع المجتمعات التي عاشت الاستعمار والعنف والتهجير، والفلسطيني في الولايات المتحدة أو بريطانيا يستطيع أن يدخل إلى فضاءات الجامعات والإعلام والنشر وصناعة السياسات. هذه ليست أدواراً رمزية. إنها أدوات تأثير حقيقية.
التوثيق
أول ما يستطيع فعله هو حفظ الذاكرة. في بيوت الفلسطينيين حول العالم صور ووثائق ورسائل وشهادات قد لا توجد في أي أرشيف رسمي. كثير من هذه المواد معرض للضياع مع رحيل الجيل الأول وكبر السن وتشتت العائلات.
كل عائلة تستطيع أن تبدأ من نفسها. من أين جاء أجدادنا؟ ما اسم القرية أو الحي؟ ماذا كانوا يعملون؟ أين كانت أرضهم؟ ما الذي حملوه معهم؟ إلى أين نزحوا؟ ما الصور والوثائق التي بقيت؟ تسجيل هذه التفاصيل ليس عملاً عائلياً صغيراً. هو جزء من حفظ التاريخ الفلسطيني.
الدور الثاني هو الترجمة. ليست الترجمة نقل الكلمات فقط، بل نقل التجربة إلى لغة وثقافة أخرى. فابن الشتات يستطيع أن يشرح فلسطين لمجتمعه من خلال مفاهيم قريبة منه: العدالة، والحقوق المدنية، ومناهضة العنصرية، وحقوق السكان الأصليين، وحقوق اللاجئين، وحماية التراث.
الدور الثالث هو الإعلام. بدلاً من انتظار وسائل الإعلام كي تقدم فلسطين بصورة عادلة، يستطيع الفلسطينيون إنتاج محتواهم بأنفسهم: أفلام قصيرة، وبرامج صوتية، وكتب، ومقالات، وتحقيقات، وقصص أطفال، وخرائط تفاعلية، وأرشيفات رقمية.
يمكن لطالب جامعي أن يوثق قصة عائلته، ويمكن لصحفي أن يصحح سياقاً ناقصاً، ويمكن لمصور أن يحفظ وجوه الناس وأماكنهم، ويمكن لمبرمج أن يبني منصّة للقرى المهجرة، ويمكن لمترجم أن يفتح نافذة جديدة أمام نص فلسطيني.
الدور الرابع هو بناء العلاقات. فلسطين تحتاج إلى أصدقاء يفهمون القضية، لا إلى جمهور يتحرّك فقط عندما يرى مشهداً صادماً، وهذا يتطلب حواراً طويلاً مع الجامعات والنقابات والمكتبات والمدارس والمؤسسات الثقافية والجمعيات المحلية. يحتاج إلى بناء معرفة وثقة وعلاقات لا تنتهي بانتهاء موجة الأخبار.
أما الدور الخامس فهو الاستثمار في المستقبل. يمكن للشتات أن يدعم منحة دراسية، أو مكتبة، أو أرشيفاً، أو مشروعاً بحثياً، أو برنامجاً لتعليم الأطفال، أو منصّة لحفظ الوثائق، أو مشروعاً فنياً، أو مبادرة للشباب، فالسردية لا تعيش بالكلمات وحدها. تحتاج إلى مؤسسات وموارد وأشخاص يعملون باستمرار.
ماذا عن الأجيال الجديدة؟
أبناء الجيلين الثاني والثالث في الشتات يعيشون تجربة مختلفة، بعضهم لا يتحدث العربية بطلاقة، وبعضهم لم يزر فلسطين، وبعضهم يعرفها من روايات العائلة ومن الأخبار والصور. لا يكفي أن نقول لهم: يجب أن تحافظوا على هويتكم. يجب أن نعطيهم هوية يستطيعون فهمها والعيش بها. يجب ألا تكون فلسطين بالنسبة إليهم مجرد مأساة ثقيلة يرثونها، ولا اختباراً دائماً لمدى ولائهم. يجب أن تكون أيضاً مصدراً للمعرفة والثقافة والقيم والجمال والمسؤولية.
من حق الشاب الفلسطيني في المهجر أن يكون فلسطينياً وسويدياً، أو فلسطينياً وتشيلياً، أو فلسطينياً وكندياً، من دون أن يختار بين انتماءين. هذا التعدد ليس ضعفاً. يمكن أن يكون جسراً. فمن يعيش بين ثقافتين يفهم لغتين، ويعرف طريقتين في التفكير، ويستطيع أن يصل إلى جمهور أوسع، وهذه قدرة يحتاجها المشروع الفلسطيني اليوم.
لا نريد سردية حزينة فقط
الفلسطينيون يملكون أسباباً كثيرة للحزن والغضب، لكن السردية التي تقوم على الألم وحده تظل ناقصة. نحن لا نريد أن يعرف العالم فقط كيف متنا، بل كيف عشنا. نريد أن يعرف مدارسنا ومكتباتنا وموسيقانا وأطباءنا وفنانينا وقرانا ومدننا ومطابعنا وأسواقنا. نريد أن يرى كيف حافظ اللاجئون والمهاجرون الفلسطينيون على التعليم، وكيف أعادت العائلات بناء حياتها، وكيف واصل الناس الزراعة والكتابة والغناء والحب رغم كل شيء.
لا نريد أن نُختصر في الضحية. الضحية تحصل على التعاطف، لكن الإنسان صاحب الحق يستحق العدالة. وهذا فرق كبير. من الضروري أن نثبت ما حدث، وأن نحمي الوثائق، وأن نواجه الإنكار والتشويه، لكن لا يجوز أن نبقى أسرى الدفاع الدائم.
فلسطين ليست فقط قضية إثبات وجود. هي أيضاً سؤال عن المستقبل. ما شكل المجتمع الذي نريده؟ كيف نحمي حقوق المرأة والطفل والأشخاص ذوي الإعاقة؟ كيف نبني تعليماً عادلاً؟ كيف نحمي الأرض والمياه والبيئة؟ كيف نستخدم التكنولوجيا من دون أن نخسر لغتنا وذاكرتنا؟ كيف نبني اقتصاداً لا يعتمد على التبعية؟ وكيف نجعل العدالة جزءاً من الحياة اليومية، لا مجرد شعار سياسي؟ هذه الأسئلة يجب أن تدخل إلى قلب السردية الفلسطينية، فالحق في فلسطين ليس حقاً في الماضي وحده، بل حق في المستقبل أيضاً.
نداء إلى الفلسطينيين في كل مكان
لا تتركوا صوركم القديمة في صناديق مغلقة. لا تتركوا أسماء القرى تموت برحيل من يحفظها. لا تؤجلوا تسجيل شهادة جد أو جدة. اكتبوا أسماء العائلات، وصوروا الوثائق، وسجلوا الأصوات، وترجموا القصص، وعلموا أبناءكم، وافتحوا أبواب الجامعات والمكتبات والمؤسسات أمام فلسطين. لا تنتظروا أن يروي الآخرون قصتكم كما يجب. ولا تجعلوا الغضب وحده لغتكم. الغضب مفهوم، لكنه لا يبني أرشيفاً، ولا يكتب كتاباً، ولا ينتج فيلماً، ولا يؤسس مركزاً بحثياً، ولا يعلّم طفلاً لماذا ينتمي إلى فلسطين.ما نحتاج إليه هو غضب يتحوّل إلى عمل، وذاكرة تتحوّل إلى معرفة، ومعرفة تتحوّل إلى تأثير، وتأثير يتحوّل إلى حماية للحق وبناء للمستقبل.
السردية الثقافية الفلسطينية ليست مشروعاً للنخبة وحدها. هي مسؤولية عائلة ومعلم وباحث وفنان وصحفي ومبرمج وطالب ومهاجر ولاجئ. كل شخص يستطيع أن يضيف قطعة إلى الصورة، وعندما تجتمع هذه القطع، لن تبقى فلسطين مجرد موضوع يتحدث عنه الآخرون. ستصبح صوتاً حاضراً، ومعرفة حيَّة، وقصة يرويها أصحابها بثقة ودقة وكرامة.
فلسطين ليست فقط ما فقدناه، هي ما بقي فينا، وما نحفظه. وما نقوله لأبنائنا. وما نكتبه بلغات العالم. وما نبنيه للأجيال التي لم تولد بعد.
