السبت, 16 مايو 2026

ليس اللجوء انتقالاً من مكانٍ إلى آخر، بل انتقال من يقينٍ إلى احتمال. وما إن تُغلق وراءك جغرافيا مألوفة، حتى ينفتح الزمن على اتساعٍ لا يُطمئن. هناك، في هذا الاتساع، لا يعود الغد وعداً، بل امتحاناً بلا صيغة نهائية. لا أحد يعلّمك كيف تعيش ما لم يحدث بعد، ومع ذلك تُطالَب بأن تكون جاهزاً له، كأنّ الاستعداد شكلٌ من أشكال النجاة.

الخوف ليس عارضاً هنا. إنّه طريقة في الرؤية. عدسة دقيقة تُعيد ترتيب العالم وفق مبدأ واحد: ما الذي قد ينكسر؟ ومن هذه العدسة، تتكاثر الاحتمالات حتى تغدو أكثر واقعية من الوقائع. هكذا يبدأ المجهول في اكتساب سلطة، لا لأنه موجود، بل لأنه ممكن. والإنسان ــ حين يُحاصَر بالإمكان ــ يتعلّم أن يرتجف دون أن يتحرّك.

الرعشة ليست في الجسد، بل في الزمن. شيء ما يرتجف في فكرة “الغد” ذاتها، كما لو أنّ الكلمة تحمل توتّرها الخاص. الغد لا يأتي، بل يُستدعى. وكل استدعاء هو مخاطرة: أن تُسقط على ما لم يحدث أثقال ما حدث، وأن ترى في الأفق امتداداً للصدع لا للبدء. هنا، تتشكّل الأسوار: لا كحواجز مادية، بل كحدود ذهنية تفصل بين ما يُحتمل وما يُطاق.

اللاجئ لا يعيش زمناً واحداً. إنّه مُعلَّق بين ماضٍ يُصرّ على حضوره، ومستقبلٍ يرفض أن يتشكّل. الحاضر، بينهما، ليس أكثر من ممرّ ضيّق، تمرّ فيه الأشياء بسرعةٍ لا تُمسك. وفي هذا الممر، يتكثّف الوعي: أن تكون هنا، دون أن تكون تماماً، وأن تكون هناك، دون أن تعود. الوجود نفسه يصير معلقاً بين مكانين، وبين تعريفين للذات لا يلتقيان.

اللغة، في هذا السياق، ليست أداة تواصل فقط، بل امتحان انتماء. كل كلمة تُنطق تُقاس، كل صمتٍ يُساء فهمه. والإنسان، وهو يعيد تعلّم الكلام، يعيد تعلّم نفسه. لكن الذات، حين تُترجم، تفقد شيئاً لا يُستعاد: ظلّها الأول. لذلك، لا يكون الاندماج دخولاً، بل مفاوضة مستمرة مع حدود غير مرئية.

الخوف، إذن، ليس ما يمنع الحركة، بل ما يحدّد شكلها. إنّه ما يجعل الخطوة محسوبة، والنظر متردّدًا، والقرار مؤجّلاً. غير أنّه، في الوقت ذاته، يوقظ يقظةً قاسية: أن ترى ما لا يُرى، وأن تتوقّع ما لا يُتوقّع. وهذه اليقظة، وإن بدت فضيلة، تتحوّل مع الزمن إلى عبء. لأن العيش في حالة تأهّب دائم هو شكل آخر من أشكال الاستنزاف.

أسوار المجهول لا تُبنى دفعة واحدة. إنّها تتراكم. إجراءٌ يتأخّر، جوابٌ لا يأتي، نظرةٌ عابرة تُعيد ترتيب شعورك بنفسك. من هذه التفاصيل الصغيرة، يتشكّل بناءٌ كامل من القلق. وما يبدو من الخارج حياةً عادية، هو في الداخل شبكة دقيقة من الاحتمالات الثقيلة. كل شيء قابل لأن ينقلب، وهذه القابلية وحدها كافية لأن تُربك المعنى.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال اللجوء في الخوف. لأن الخوف نفسه يحمل في طيّاته إمكانية نقيضه. حين يضيق الأفق، تتّسع الحيلة. وحين يُهدَّد المعنى، تُستدعى الرغبة في صناعته من جديد. هنا، يظهر الفن، لا كترف، بل كضرورة. الكتابة، الرسم، الموسيقى ــ كلها محاولات لإعادة توزيع الثقل، ولترميم ما تصدّع دون أن يُرى.

اللافت أنّ الغد، رغم كل هذا، لا يفرض نفسه دفعة واحدة. إنّه يتسلّل. في لحظة فهمٍ مفاجئة، في صداقة عابرة، في اعتيادٍ بطيء على إيقاع جديد. هذه اللحظات، وإن بدت صغيرة، تحمل في داخلها إمكانية التحوّل. لأن المجهول، حين يُعاش جزئياً، يفقد بعض سطوته. لا يختفي، لكنّه يتراجع خطوة، تاركاً مساحة ضئيلة للتنفس.

المفارقة أنّ الإنسان يحتاج المجهول بقدر ما يخشاه. فلو كان الغد معلوماً، لفقدت الحرية معناها. لكن الحرية، حين تُلقى في فضاءٍ بلا ضمانات، تتحوّل إلى عبء. وهنا، تتجلّى جدلية الخوف: أنّه في آنٍ واحد ما يقيّد وما يكشف. ما يغلق الأفق وما يجعله ممكناً. وما يجعل الإنسان، رغم كل شيء، مستمراً في المحاولة.

في نهاية الأمر، لا ينتهي السؤال. اللجوء ليس مرحلة تُطوى، بل حالة تتبدّل. والرعشة لا تزول، بل تتغيّر نبرتها. من ارتجافٍ حاد إلى تموّج خفيف، من خوفٍ صريح إلى حذرٍ صامت. لكن ما يتغيّر حقًا هو موقع الإنسان منها: أن يبقى داخلها، أو أن يتعلّم الوقوف على حافتها.

هناك، على الحافة، لا يختفي المجهول، لكنه يفقد قدرته على أن يكون جداراً كاملاً. يصبح أفقاً، لا لأنه آمن، بل لأنه مفتوح. والإنسان، في هذه الفتحة الصغيرة، يجد ما يكفي ليواصل: لا يقيناً، بل إمكانية. لا طمأنينة كاملة، بل مساحة يتحرّك فيها دون أن يختنق. وهذا، ربما، هو أقصى ما يمكن بلوغه: أن يُعاد تعريف الغد، لا بوصفه تهديداً مؤجّلاً، بل بوصفه فراغاً قابلاً للمعنى. وأن تُفهم الرعشة، لا كضعف، بل كأثرٍ للوعي حين يلامس حدوده.

اترك تعليقاً

Exit mobile version