بين لقطة سينمائية تقتنص الوجوه المنهكة، وحاجز يقطع أوصال الجغرافيا، ينسج المخرج الفلسطيني إسماعيل الهباش في فيلمه الوثائقي التجريبي الجديد “فلسطيني على الطريق”، رحلة بصرية ونفسية استثنائية. الفيلم الذي انطلق من وجع الفقد الشخصي لرحيل زوجته “سلام”، لم يقف عند حدود الرثاء، بل تحوَّل عبر عدسة الكاميرا إلى مرآة مكثَّفة تعكس مسار شعب كامل، من النكبة الأولى وصولاً إلى الشتات المتجدد.
على خطى السيد المسيح، وفي رحلة مستلهمة من أدب الرحلات، يمضي الهباش، ومعه أداة التقاط الصوت “البوم” كشخصية درامية تقاوم التغييب، ليحاور لاجئين ومقاومين ومزارعين، في محاولة لترميم السلام الداخلي والبحث عن خلاص. وفي هذا الحوار الشامل والعميق مع “الكوميونيتا”، يفتح إسماعيل الهباش قلبه وعقله ليفكك معنا كواليس هذه “المعجزة الإنتاجية”، متحدثاً عن “الجماليات القسرية” التي يفرضها الحصار، ومواجهته الساخنة مع “الصهيونية الناعمة” لليسار الإسرائيلي، وكيف يمكن للفن المقاوم أن يشتبك بذكاء وأخلاق سامية مع الواقع المعقد.
*الفيلم رحلة شخصية تتحوّل إلى مأساة.. كيف استطعت موازنة الخيط الرفيع بين توثيق “الأنا” السينمائية، وبين جعل قصة عائلتك مرآة لنكبة شعب كامل؟
**في البدء، وقبل التصوير كان السؤال الأساسي الذي سألته لنفسي عن جدوى وقوفي درامياً أمام الكاميرا، وكيفية تحقيق هذا الأمر دون أن يتحوَّل لشيء شخصي. ثم توجَّب عليَّ أن أجيب عن ماهية المشاهد التي يتقاطع فيها ظهوري مع قصة الفيلم. هل سيكون الفيلم عني، أم عن الطريق نفسها، وهل الفيلم عن الحاضر أم الماضي؟ هل هو عن الماضي البعيد أم القريب؟.
في «فلسطيني على الطريق» لم أتعامل مع “الأنا” باعتبارها الموضوع الرئيس أو الشخصية المركزية. أنا كنت إحدى الشخصيات في الفيلم، وشاركت تجربتي كما شارك الآخرون كلٌ بتجربته وحكايته. كان الاستماع لتجارب الآخرين، والبوح أمامهم بحكايتي هي فعل انكشاف، وجلسة علاج نفسي بالنسبة لي. ولهذا سعيت إلى أن أظهر هذه الذات هشّة، مرتبكة، ومترددة، بحيث تصبح شخصية عادية جداً لمواطن يعيش تحت الاحتلال، لا مركزاً للحدث. لقد حاولت أن أكون حيادياً قدر ما استطعت.
من الناحية السردية، اعتمدت منظور الراوي في الفيلم، وتعمّدت أن تكون الكاميرا أقل انشغالاً بي، وأكثر انحيازاً للوجوه الأخرى، وللمكان، كذلك للطبيعة والشوارع وقلب المدن والمخيمات. ما حدث لعائلتي لم يكن مساراً خاصاً، بل انعكاس مكثّف لمسار شعب كامل: من التهجير إلى الفقد، الانتظار، وإعادة اختراع الأمل رغم كل شيء. لقد وجدت في كل موقع زرته على الطريق، وخصوصاً في المخيمات. أما داخل الكنيسة، فقد ذكّرني الخوري بأسئلته بأمي التي لم أرها منذ ثلاثين عاماً، وكيف تذكّرت أنني لاجئ من قرية الجورة في عسقلان، وأنني وولدت في مخيم النصيرات في غزة.
وفي المسيرة، في شارع الطيرة أمام تمثال نيسلون ما نديلا، وعندما كنت أتوجّه بالشكر إلى جنوب إفريقيا على وقفتها مع الشعب الفلسطيني تمنيت لو أن تشكّل هذه الوقفة أملاً في إنهاء حالة النزوح المتكرر لأمي وإخوتي وجيراني.
*الفيلم يطرح فكرة “الفلسطيني الذي لا يصل إلى نهاية الطريق”، هل تعمّدت أن تكون نهاية الرحلة مفتوحة لتعكس استحالة “العودة” الكاملة غير المنقوصة في ظل المعطيات الراهنة؟ أم أن المتاهة نفسها كبرت وتوسَّعت ولم تعد تؤدي إلى أي مكان؟!
**لقد فكرت أن الخيار الأمثل لنهاية فيلم في الوضع الفلسطيني الشخصي والعام هي النهاية المفتوحة والغامضة، ولكن المظاهرات التي خرجت في أوروبا للتضامن مع غزة والقضية الفلسطينية أعطتني شعوراً بالأمل، وأعادت لي بعض التوازن والانتماء الذي أبحث عنه في علاقتي مع العالم، وبان الأخلاق ما زالت موجودة لدى الكثير من البشر، وأن لنا شركاء في الإنسانية في هذا العالم. إن انتشار هذه المظاهرات بعد الصمت الذى طغي في بداية الحرب كان أشبه بالمعجزة. كانت المشاهد المزلزلة تتوالى في شوارع أوروبا، و تتقاطع مع مشاهد لأفواج من البشر تسير على غير هدى في غزّة، وتمتزج مع مشاهد درب الآلام والصلوات، والشموع في كنيسة القيامة، ومن على سطح بيت يطل على الأقصى شعرت، وكأن روح السيد المسيح بُعثت من جديد، مع أنني شخص غير إيماني، ولكنني كنت أريد أن أصدّق في تلك اللحظات أن روح المقاومة قد هبّت من جديد، وأن أول الغيث قطرة، وأن إمكانية العودة قد بانت ملامحها: الطريق إلى فلسطين عبر يقظة الشعوب المتجددة. لقد شكلت النهاية أيضاً بحثاً عن السلام النفسي، وعن الشعور بأننا لسنا وحدنا في هذا العالم، وأن المتاهة لن تبتلعنا رغم كل شيء.
*زيارتك أنت ونَسَب لبيت عجاج نويهض في القدس كشفت عن الوجه الآخر لليسار الإسرائيلي، المتخفي بالصهيونية الناعمة.. هل فاجأك ذلك؟ وإلى أي مدى كان صدامك “السينمائي” مع هذا “الآخر” معيناً لكشف زيف الشعارات الإنسانية التي تدَّعيها بعض التيارات هناك؟! وهل تستطيع السينما الفلسطينية تفكيك مصطلح “الصهيونية الناعمة”؟!
**زيارتي مع نَسَب كانت أثناء البحث عن القدس، وما الذي أريد أن أراه في القدس، وما الذي أنا محتاج إليه في القدس للتعافي، ومن هو الصديق الذي سألجأ إليه في القدس، ومن أي الأبواب سأدخل إليها، فلكل باب قصة في التاريخ، ولكل باب قصة في الجغرافيا. أنا نفسي لي أيضاً قصصي الخاصة في القدس. قصص نجاح، وقصص حب، وقصص هروب من الرومان في عصر السيد المسيح. كنت أشعر أنني أنا أيضاً مطارد من الرومان في القدس، ومطارد من القانون الإسرائيلي في نفس الوقت، فقد اختلط عليَّ الأمر.
نَسَب الصديقة والكاتبة والفخورة بأصولها الدرزية، وبعشقها للقدس، كان والدها مناضلاً وصديقاً لمالك البيت، المؤرخ اللبناني عجاج نويهض، وعمّها سميح القاسم شاعرنا الكبير. لقد شكّلت نَسَب الحالة التي أحب أن أعيشها في القدس. عشقها وعلاقتها مع القدس خففت عني التوتر النفسي الذي كنت أشعر به، وكونها درزية أيضاً فقد أضافت عمقاً آخر للتنوع الفكري والديني لفلسطين والفلسطينيين في مواجهة الصهيونية.
الصهيونية الناعمة التي حكت عنها نَسَب تجلَّت هنا باليسار الإسرائيلي، أو الإسرائيلي الذي يحاول أن يرسم لنفسه صورة أنه لا يجرم بحق الفلسطينيين، ولكنه يستخدم الأساليب الناعمة لتكريس ذاته كاحتلال، وعلى سبيل المثال، فإن السيدة الإسرائيلية التي تسكن في بيت عجاج نويهض، كان استقبالها لنا في غاية اللطف، ولم أكن أتوقّع ذلك، وقد كنت مستعداً لنوع آخر من الصدام الشخصي والسينمائي، فقد كنت أتوقّع أن تطردنا، وأن نصوّر مشهد الطرد بحذافيره، ولكنها استقبلتنا بابتسامة، وسمحت لنا بالتصوير، وأعطتنا من وقتها الكثير، وهي لم تخشَ أن نكتشف حقيقة تفكيرها، إذ كان لديها شعور على ما يبدو بأنها متفوقة علينا، وان بإمكانها التلاعب بعقولنا، وأن بوسعها التلاعب بنا ذهنياً درجة أن نقبل بالوضع الراهن، وأن ننسى حقوقنا، وأن نقبل بالاحتلال وب”لطفه”، فلقد سُمح لنا بزيارة بيتنا، والإطلال على الماضي لمدة ساعة، وكأنها تريد أن نشكرها لأنها ذكرتنا بالهولوكست في أوروبا، وبأن بيت أجدادها في براغ قد تمَّت سرقته من قبل التشيك، وبأنهم يتألمون أيضاً على بيوتهم، وأنها أفضل من الذين سرقوا بيت أجدادها، ولم يسمحوا لهم بزيارته بعد السرقة، وهكذا كانت تبرر لنفسها السكن في بيت سُرق من أصحابه. لا اعرف في أي سوق للأخلاق ممكن صرف هذا المنطق، ولكن نَسَب كانت لها بالمرصاد، فقد خرّبت عليها نظرية التفوق العنصري والفكري، وإمكانية أن ينسى الفلسطيني حقه. هذا المشهد الوثائقي التلقائي شكّل وثيقة مهمة تعكس عقلية اليسار الصهيوني، ولقد قدَّمت السينما الفلسطينية العديد من المعالجات في تحليل هذه العقلية، ولكن دائماً ثمة الكثير لتقديمه والتعمّق به أكثر. التعامل مع العدو كإنسان لديه شرور بعيداً عن كليشيهات الشر المطلق، وان كان الشبه كبير، ولذا علينا قراءتهم بشكل أعمق.
*هل كان الهدف من الفيلم هو “استفزاز الذاكرة” لدى المشاهد الغربي والآخر الإسرائيلي، أم أنه كان عملية “تطهير ذاتي” لإسماعيل الهباش الإنسان المحاصر في وطنه؟ وهل يمكن هذا التطهير أصلاً في حالتك؟!
**الفيلم بحث عن السلام الذاتي، وعن علاقتي بالمكان ثقافة وفكراً وانتماءً، وهو بحث عن مصادر الأمل والطاقة، وإعادة شحن للذاكرة، وممارسة الحق في التجوّل والتذكّر والبحث والتأمل. البحث ببساطة عن خلاص. البحث عن أرض وسماء، وهذا يثير الاستفزاز بشكل تلقائي، مع أنني لست معنياً باستفزازهم، فأنا مؤمن بحتمية السلام معهم.
ولكن وجودي يستفزّهم في السياق، وأنا لا أمانع في ذلك، وطالما بقيت ساكناً وغير قادر على الاستفزاز، فلن أتعالج أوأشفى، وقلبي وعقلي يحثانني على الاستفزاز، لذلك أنا مع استفزاز الذاكرة والسياق التاريخي الذي وقعنا به، وأنا مع الاشتباك ولكن بذكاء وأخلاق سامية.
*اعتمدت في الفيلم على “سينما الطريق”.. لماذا اخترت هذا القالب بالتحديد في تصوير جغرافيا مقطَّعة ومنتهكة بالحواجز؟ هذه النوعية من الأفلام ربما تحتاج إلى طريق سلسة، من غير حواجز ومعيقات؟!
**هذا القالب هو من اختارني، واختار الفيلم. أنا كنت بحاجة إلى رحلة شخصية وسينمائية، ولهذا اعتمدت في فيلمي أسلوب سينما الطريق. الكاميرا تتجوَّل، وأنا ألحق بها، وأكتشف من خلال عدستها طريقي. لقد تمَّ الاستفادة من أسلوب ابن المقفع في أدب الرحلات كإطار للبحث والسرد داخل الفيلم، فمعروف عنه لابن المقفع أنه كان يتخذ في كل بلد صديقاً يتحدَّث عنه، ومن خلاله عن الناس وأوضاع والمدن.
ورغم الحواجز والجدران والخوف، إلا أنه على هذا الطريق، وخلف خطى السيد المسيح صعدت جبالاً وهبطت أودية وقارنت بين الماضي والحاضر. بين ما رآه وما أراه الآن، فالفيلم رحلة من فلسطين واليها، رحلة في التاريخ ورحلة في الروح وإليها، فكلما زادت المعرفة تمكّن الحب، وكلما تمكّن الحب انتصرت القضية، ولهذا كان لا بد من طريق!
*اخترت أن تسير على طريق الجلجلة الذي يُنسب إلى مرور السيد المسيح فيه من الناصرة إلى القدس. هل كان هذا الاختيار روحياً، تاريخياً، أم بحثاً عن استعارة كبرى لفلسطين المعاصرة؟
**بالدرجة الأولى السير على درب الآلام كان خياراً سينمائياً. وبنفس الدرجة كان خياراً روحياً. كنت أريد أن أمشي، وأن أشعر بهذا الطريق، وكنت أريد أن أتذكّر وأتخيّل ما الذي فكَّر به الفلسطيني الأول عندما سار باتجاه حتفه؟! ما الذي فكّر به هذا الإنسان، وما الذي فكّر به هذا النبي. هذا الدرب ما زال فلسطينياً، وعلى جانبيه يصطف باعةٌ مسلمون ومسيحيون وأرمن وأفارقه. ثمة مزيج مدهش يشي بطابع فلسطين في الماضي والحاضر. وهو مزيج متعب ما زال يحمل الصليب على ظهره ويمشي إلى المستقبل وإلى السماء. حين مرَّ السيد المسيح من هناك، وهو يحمل الصليب على ظهره لم يكن هناك كنائس ولا معابد ولازوَّار ولا ذاكرة. الآن أصبح هذا المكان سرَّة العالم الثقافية والدينية. كان فرداً، فصار جماعة تكبر وتكبر.
*في الفيلم يبدو الطريق نفسه بطلاً موازياً: طريق مثقل بالحواجز والمخيمات والذاكرة. هل أردت أن تقول إن الجغرافيا الفلسطينية أصبحت شخصية درامية بحد ذاتها؟
**نعم صحيح، الطريق كان بطلاً منذ آلاف السنين، ومازال صامداً، ويقاوم الغزاة والحواجز والجنود الرومان وكل الغزاة الذين مرَّوا من هنا وحتى هذه اللحظة. الطريق يعيش الصراع، و يعيش أحوال فلسطين على اختلافها، فقد يكون متوتراً أو مغلقاً أو التفافياً، والطريق نفسه فيه طبقات متداخلة من التاريخ والآثار والثقافات والجبال والقلاع والوديان.
لقد كانت علاقتي بالطريق مبنية على سؤال ماذا لو عاد السيد المسيح، والي أين يمكن أن يذهب على هذا الطريق، وكنت أتخيَّل أنني سأكتشف الآثار والمعابد والسهول والجمال العظيم، ولكن الطريق أخذني، وتفاجأت أنه متشابك جداً مع تاريخنا العربي القديم والحديث، ومع تاريخ نكبتنا. لقد أعادني ألفي سنة إلى الوراء، وأعادني إلى زمان الوصل العربي، فقد رأيت على الطريق لبنان وبغداد والقاهرة والشام. لقد أعادني إلى عمقي العربي، وإلى العام 48، وقصص اللجوء والقرى المدمرة، والبيوت المسروقة وحاضر المخيمات، وفي أي مخيم كنت أدخله كنت أشعر براحة كبيرة، وبرائحة بيتنا، وقصص عائلتي، ثم أخذني إلى قصص المقاومة اليومية البسيطة. المقاومة بالإصرار على سماع أغنية باللغة العربية والمقاومة من خلال المسرح والسينما والمقاومة الفنية بأشكالها المتعددة، فالفن في خدمة المقاومة كما هي المقاومة في خدمة الفن.
*قلت في أكثر من مناسبة إن الفيلم رحلة للتعافي. بعد إنجاز العمل، هل شُفيت فعلاً، أم أن السينما كشفت جرحاً أعمق بداخلك قد لا تتعافى منه قريباً؟
**فيلم “فلسطيني على الطريق”، فيلم معاصر يتعامل مع رحلة تاريخية، ويتناول . من خلال رحلتي كمخرج باحثاً عن التشافي وعن العدل في معنى المعجزة والفداء. وكنت كلما تقدّمت في الطريق، أكتشف طبقات جديدة من الزمن، وأكتشف أثاراً عريقة، ومخيمات حديثة، وذكريات وقصص معجزات، وأساطير وحواجز احتلال. التقيت بفنانين ومزارعين ولاجئين ورجال دين وأصدقاء قدامى، وكلٌّ منهم كان يحاول الصمود بطريقته، أو كان يحاول الخلاص بالتذكّر وبالفن وبالثقافة، وبمختلف الطرق السلمية. لقد سمعت في أصواتهم صوتي، وفي وجودهم وجدت بعضاً من الحب الذي فقدته.
هذه الرحلة السينمائية على طريق السيد المسيح، منحتني نوعاً من الخلاص، ليس عبر تدخلٍ إلهي، بل عبر صمود الإنسان، والمعجزات التي يصنعها كل يوم لنفسه، وللآخرين. صمود الناس في غزّة معجزة. التظاهرات الحاشدة في شوارع العالم معجزة. الذهاب إلى العمل رغم الحواجز معجزة. صناعة فيلم في هذه الظروف معجزة. كل نشاط جماعي فلسطيني معجزة!!.
*كنت تحمل ال”بوم” طوال الرحلة، حتى أنك حملته على كتفك أثناء عبورك من درب الآلام حيث سار السيد المسيح، وكأنك تحمل صلبيك أنت أيضاً، ولكنك كنت تظهر من دونه أحياناً. ألم يؤثر هذا على الإيقاع الرمزي للرحلة؟!
**الدلاله الرمزيه ل”البوم” تجلَّت في أنه الأداة التي كنت أحاول أن أنقل بها صوت الإنسان على هذا الطريق. إنه أحد أدواتي في مقاومة الاحتلال، ولقد حاولت أن أصنع منه شخصية درامية تمر بمراحل مختلفة يمشي معي أحياناً، وينقل حكايا الناس، وأحياناً يتأمل، وأحياناً يهرب من الجيش، وأحياناً يتعب، وأحياناً يكون شاهداً على حدث، وأحياناً يختفي، أو يسير على درب الآلام، ويشارك المتظاهرين في توثيق ورفع الصوت. ولكن على أن يظل حضوره غير واضح تماماً، وغير مباشر، كما هي أصواتنا ترتفع وتنخفض وتغيب، أوتصبح في منتهى الوضوح من أجل خدمة الإيقاع الرمزي للرحلة.
*كيف أثّرت قيود الحركة والتنقل المفروضة عليك كمخرج فلسطيني في لغة الفيلم البصرية وإيقاعه؟ وهل يمكن للاحتلال أن يصنع ما يمكن أن نسميه “جماليات قسرية” أيضاً؟
**قيود الحركة لم تكن ظرفاً خارجياً فقط، بل أصبحت جزءاً من بنية الفيلم نفسها. حين تكون حركتك الجغرافية محدودة، تتغيّر علاقتك بالصورة. لا تعود اللقطة اختياراً حراً بالكامل، بل تصبح نتيجة صراع دائم مع الحواجز، التصاريح، المسافات الممنوعة. حين تُمنع من الحركة، تتعلّم أن تنظر من النافذة، لذلك، فإن “الجماليات القسرية” موجودة فعلاً. الاحتلال لا ينتج جمالاً بالمعنى الإبداعي، لكنه يفرض شروطاً قاسية تُعيد تشكيل اللغة الفنية، الجمال في الفيلم لا يأتي من القيد نفسه، بل من قدرة الإنسان على الاستمرار داخله. ومن محاولة الفنان أن يعيد امتلاك الصورة ، بالإضافة إلى ذلك، فقد أثَّرت العوائق على إيقاع الفيلم الذي يمكن اعتباره أيضاً فيلماً عن الحق في حرية التنقّل والحركة.
*في ظل الحرب المتواصلة على الفلسطينيين، هل تخشى أن يُقرأ الفيلم فقط من زاوية القضية، ويُهمَل بوصفه تجربة فنية وشخصية معقدة؟
** حقيقة لا أخشى ذلك، فالفيلم في النهاية، وبعيداً عن دوره العلاجي، هو فيلم سياسي، وعنوانه سياسي. “فلسطيني على الطريق”)” قد يكون المقصود منه أن القضية على الطريق، أو تحقيق الدولة على الطريق، وقد أكون أنا على طريق الوعي والنضال الخ. لقد فكّرت لفترة طويلة أثناء العمل علي المونتاج أن أسمّي الفيلم الطريق، إلى الطريق، ورغم أنني أحب هذا الاسم كثيراً لما يحمله من تفسيرات فنية وفلسفية إلا أنه بلا مضمون سياسي، لذلك آثرت فلسطيني على الطريق لإبراز الصفة السياسية للفلسطيني، فأحد أهم أهداف الفيلم هو فتح باب النقاش السياسي.
*ما أصعب لحظة واجهتك أثناء التصوير: لحظة تقنية، أم مكان معين، أم ذكرى ظهرت فجأة أمام الكاميرا، وزادت من تعقيد الظروف الإنتاجية للفيلم؟
**من أصعب اللحظات في تصوير الفيلم كانت في مخيم عايدة للاجئين حين كان أهالي المخيم يستعدون لإحياء الذكرى الخامسة والسبعين للنكبة، وعندما كنت أتحدث أنا ومنذر، الشخصية الأساسية في المخيم، سمعنا صوت إطلاق نار قريب، ومرَّت شظية على بعد سنتيمترات من رأسينا. لقد شعرنا بالخوف رغم أننا لم ندرك ما حدث، ولكننا تأكدنا من اللقطات لاحقاً، وحين أُلقيت قنابل الغاز المسيل للدموع، وهرب الناس بين القبور، وأثناء تخطينا معظم الحواجز التي مررنا بها، لا أخفيك أنني كنت أشعر بخوف حقيقي.
أضف إلى ذلك بالطبع عندما تمَّ تصوير المقاتلين في مخيم بلاطة، وقبل التصوير بيوم واحد هاجمت وحدة خاصة إسرائيلية متنكرة بهيئة مصور وفني صوت المجموعة التي كان يجب أن نعمل معها، ولهذا في البداية شعر أفراد مجموعة المقاومة بريبة تجاهنا، وتجاه كل من يحمل كاميرا، أو ميكروفون، ولقد لاحظنا ذلك عليهم عند وصولنا المخيم، إذ استمر ذلك لبعض الوقت، ولكنهم استرخوا فيما بعد، وسمحوا لنا بالتصوير بأريحية، وقد يكون كوني ابن مخيم لعب ذلك دوراً في تهدئتهم، ولكن خوفنا نحن هو الذي استمر من أن تتّم مهاجمة المخيم من قبل الجيش الإسرائيلي أثناء التصوير.
*كيف تعاملت مع تصوير الفقد الشخصي لزوجتك سلام من دون الوقوع في الابتزاز العاطفي، أو تحويل المأساة إلى مادة سردية مبسَّطة وسهلة؟
**ليس سهلاً أن تتشارك أحزانك مع الآخرين الذين لا تعرفهم، وأن تحدّثهم عن عجزك عن مساعدة زوجتك في الوصول إلى المستشفى، وأنا لم أكن أنوي الزجَّ بها في الفيلم، ولكن فقدانها كان الباعث على هذه الرحلة والفيلم. لقد كانت موجودة أيضاً على الطريق في أكثر من مكان، في الناصرة، وفي نابلس، سبسطية، وجفنة، ورام الله، والقدس، وبيت لحم. لذلك جاء حضورها خفيفاً ولطيفاً وعميقاً ومتقطّعاً، ولم أستفض في موضوع المرض والوفاة، وتعاملت مع الموضوع كخبر، وآثرت التعامل أكثر مع تداعياته. سلام الطفلة، وبيت العائلة، سلام المنفية قسراً إلى الأردن مع العائلة، وسلام التي كانت تأتي طوعاً للتحدّث معي من خلف الأسلاك الشائكة للسجن، وسلام التي اكتشفتُ معها شوارع وحواري القدس، وسلام العاشقة لسبسطية بآثارها وطبيعتها.
*في ظل السينما الفلسطينية الجديدة التي صار لها مخرجوها، أين يضع إسماعيل الهباش فيلمه؟!
**”فلسطيني على الطريق)” فيلم وثائقي تجريبي ذاتي من أجل البحث عن علاقتي بالمكان والتاريخ والحاضر والمستقبل. فيلم تأملي أشارك به رؤيتي ورأيي في أقدم وثيقة عن فلسطين من وجهة نظري. وثيقة أجمع تفاصيلها عن الطريق، وأكتشف عمق علاقتي بالمكان رغم حرماني الطويل من التنقّل فيه. لقد توَّجب عليَّ أن أناضل من أجل أن أصنع هذا الفيلم، وأن ألعب عدّة أدوار فيه، الباحث و السائق وفني الصوت والمنتج والمخرج والمونتيير، وأحياناً المنسّق.
فيلم بميزانية محدودة ومتقشفة يسعي إلى التجريب الفني، وإلى خلق لغه سينمائية بسيطة تشبهنا في الظروف والإمكانيات، وبنقاط ضعفنا وقوتنا وإصرارنا على النضال والتقدم والمشاركة في المحافل الفنية والسياسية الدولية. أنا أفضّل هذا النوع من الأفلام. أفلامنا الفلسطينية يجب أن لا تكون مزركشة ومزخرفة إلى الحد الذي قد لانعرفها، لأن ذلك لا يتناسب مع طبيعة المقاومة. فيلمي من أفلام المقاومة أو من أجل المقاومة بمختلف أشكالها الشخصية الفنية والثقافية وبما فيها المقاومة الذكية.
*لو قُدّر لك إعادة تصوير “فلسطيني على الطريق” اليوم، ما هو المشهد الذي ستحذفه، وما هو المشهد الذي ستصر على وضعه كافتتاحية للفيلم؟
**لو قدر لي إعادة تصوير الفيلم اليوم فقد أعمل على تحسين الشريط الصوتي كي يكون حضوره أكبر في الفيلم. سأحافظ علي مشهد البداية كما هو، ولن أحذف أي مشهد، ولكن يمكن أن أسترجع أحد المشاهد التي حذفتها في المونتاج. في ذلك المشهد قابلت مصادفة صديقي وزميلي رياض دعيس والذي عمل كمخرج ومدرّس للسينما في جامعة بير زيت، والذي اضطر بعد وفاة والده أن يعمل بائعاً في دكان أبيه للعطارة في خان الزيت في البلدة القديمة في القدس كي لا يُغلق المحل. لقد شرح لي رياض عن عشبة اسمها كف مريم تستخدم لمساعدة النساء على الحَبَل وأهدانا واحدة، وطلب أن نضعها في كأس ماء كي تتفتّح، وكأنها تعود للحياة من جديد. كما شرح لنا عن عشبة أخرى يغمرها الخوارنة بالماء ثم يرشونه على وجوه الناس لمباركتهم، وقام بغمر الجذور في الماء ورشَّنا بالرذاذ، ورشَّ الكاميرا، وسألني إن كنت أؤمن بهذه الأشياء. قلت له، بغض النظر عن إيماني، فهي أساطير جميلة. قال إننا نعيش على الأساطير.

